عمار علي حسن يكتب: صورة على جدار قديم (2)

كتب: أحمد العانوسي

عمار علي حسن يكتب: صورة على جدار قديم (2)

عمار علي حسن يكتب: صورة على جدار قديم (2)

اعتمد الكاتب محمد غزلان فى روايته «صورة على جدار قديم» على آلية الاسترجاع، فبدأها من نقطة متقدمة حين شرع الابن فى استخراج «القيد العائلى»، ويبدأ على مهل، وبمهارة لافتة، كشف أسرار الأب، ومع هذا ينجلى السرد تباعاً، ويتقدم متمهلاً نحو نهاية مفتوحة، تعد ثقباً غائراً فى هذا البناء الدائرى.

لا تقتصر الرواية، فى سياقها الاجتماعى، على ما يخص العلاقات المصرية الجزائرية، بل تعرج على الواقع المصرى من خلال تتبع حالة الابن «رابح» خريج الطب، الذى ينصحه أبوه بعدم السفر إلى الخارج، ليبقى هنا، ويفتتح عيادة فى بيتهم القديم بحى قاهرى شعبى هو «قلعة الكبش» من أعمال حى «السيدة زينب»، كى ينفع أهله بعلمه، ويعمق معهم تجربته، وكذلك حالة الابنة «فاهيمة» التى يتقدم بها العمر، ويكون عليها أن تجتهد فى سبيل الزواج وبناء أسرة. ليشكل الابن والابنة معاً مثلاً أو نموذجاً دالاً لأبناء الطبقة الوسطى، الذين يواجهون الحياة بالعرق والكفاح، ويحاولان الإسهام فى بناء الوطن، كل بطريقته.

فى السياق أيضاً يعرف القارئ طرفاً من الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسى وأبطالها المعروفين، وأولئك الذين لم ترد أسماؤهم فى كتب التاريخ، ثم ندرك جانباً من الخريطة السياسية للجزائر بعد الاستقلال، حيث الخلافات والصراعات التى لم تلبث أن دبت فى صفوف «المجاهدين» يجسدها فى النص هذا الاختلاف أو الخلاف الفكرى بين شاب يسارى ورجل أزهرى، ثم ذلك الخيط المتين بين المصريين والجزائريين، الذين خرجوا إلى الشوارع متظاهرين بعد إعلان جمال عبدالناصر التنحى عن الحكم عقب هزيمة يونيو 1967. كما يعرف القارئ طرفاً من طقوس الزواج فى الجزائر.

يغلب على الرواية طابع رومانسى، فالأب العائد، يختلى إلى صورة حبيبته، وزوجته الأولى، التى قالت له ذات يوم بلهجتها الجزائرية «أنا نموت عليك»، ويحتفظ بزجاجات نبيذ قديمة، جاء بها من رحلته، يتجرع منها كأساً صغيراً بين حين وآخر، ولا يريد لها أن تفرغ، وكأنه قد ربط بقاء قلبه مخلصاً للحب، ببقاء صورة المحبوبة معلقة على الجدار وفى قلبه، والنبيذ فى الزجاجة. ومع النبيذ والصورة تبقى أيضاً تذكارات قديمة لم يفرط فيها الأب رغم تقدم السنين.

هذه الرومانسية تعكس نمطاً كان سائداً عن جيل سابق، وليست مثلما نراها اليوم مباشرة وفجة وحسية أحياناً، فالأب فى تعبيره عن حبه، وتجسده أمامه فى أشياء يضفى عليها سرية، يبدو أشبه بالعشاق التاريخيين، فى إخلاصهم، وحرصهم على نزع الطابع الشهوانى عن العلاقة العميقة بين رجل وامرأة، كى تبقى على قدسيتها، لا يجرحها شىء.

ورغم الطابع الحسى الذى أخذته العلاقة بين الحبيب والحبيبة بعد الزواج بالطبع، إلا أن الحالة الخجولة الشفيفة أو العذرية بقيت هى التى تحتل الذاكرة فيما بعد، وكأن البطل أو الكاتب أراد أن يعيد العلاقة إلى نقطة الصفر، حيث الوله والتتيم والخجل والتردد الذى يسبق المكاشفة، فمثل هذه الحالات النفسية سيطرت على «شعراوى» قبل أن يفاتح حبيبته بما تفيض به مشاعره، واستمرت بعد عودته فى خجله أو تردده أو صمته عن مكاشفة أسرته الجديدة بحكايته التى جاءت معه إلى القاهرة عفية زاهية، لم ينل منها الزمن، ثم تقديم الحبيبة هنا كـ«مثال» للمرأة الجديرة بأن تُعشق.

لم تنبت هذه الرواية فى فراغ إنما تقيم أعمدتها على قصة واقعية، يكشف عنها الكاتب نفسه، الذى يقول: «أول مرة سمعت فيها كلمة الجزائر كنت فى العاشرة من عمرى، حين تعلقت بمدرسى آنذاك، المرحوم الأستاذ جلال شعراوى، الذى اختفى فجأة من المدرسة، وسافَر إلى الجزائر ليعلم أطفالها اللغة العربية بعد الاستقلال والتحرر من الاحتلال الفرنسى، وقد عاش فى الجزائر نحو ست سنوات.. وكان مصدر إلهامى فى كتابة هذه الرواية».

لكن الكاتب لم يحصر نفسه فى هذه الحكاية الواقعية ويتركها تسيطر على خط السرد، إنما التقطها ليغرسها فى سياقات جديدة، ويعمق جوانبها الإنسانية، بشقيها الرومانسى والاجتماعى، وإطارها السياسى، الذى يطل من خلف الأحداث ليعين زمانها على الأقل، وكذلك فى نهايتها المفتوحة، التى هى دون شك من صنع خيال الكاتب، وهو خيال بقى عاملاً مهماً فى بناء الرواية والنفخ فى أوصال سردها بأساليب من الدراما والتشويق والجاذبية التى لا تخفى على قارئها، وكذلك الغوص فى نفوس بعض الأبطال، وهو مسلك منح الرواية عمقاً نسبياً.


مواضيع متعلقة