د. محمود خليل يكتب : فخ «الزوجة والأولاد»
د. محمود خليل يكتب : فخ «الزوجة والأولاد»
قد يعيش الزوج أسيراً لزوجته، أو تكون الزوجة أسيرة لزوجها، وتظل محبة الأبناء قاسماً مشتركاً يجمع ما بين الأب والأم، ندفعهما إلى التضحية من أجل إسعادهم، وحتى هذه النقطة لا يوجد بأس، فتلك طبائع الأمور والفطرة التى فطر الله تعالى الناس عليها، لكن الأمر يختلف حين يضطر أحد الزوجين إلى تجاوز القيم والأعراف والأصول المرعية والقوانين التى تُنظم حياة الجماعة من أجل إرضاء الثانى، أو تحقيق بعض أحلامه -غير الموضوعية- فى الحياة، أو يضطر الزوجان إلى ذلك تحت شعار «إسعاد الأبناء».
يقول الله تعالى فى سورة «المنافقون»: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ». التفسير المباشر لهذه الآية يتعلّق بالتحذير من أن يصرف الاهتمام بالأولاد والأموال عن الصلوات الخمس أو الحج أو الزكاة وتلاوة القرآن، وما فرضه الله على المؤمن من عبادات، وظنى أن المسألة أبعد من ذلك، فمدلول الآية الكريمة يشير إلى الدور الذى يُمكن أن يلعبه سعى الآباء والأمهات إلى جمع المال تحت شعار «تأمين مستقبل الأولاد» فى نسيان القيم والتعاليم التى وجه إليها الخالق العظيم الإنسان أثناء السعى فى الحياة. بعبارة أخرى «ذِكْرِ اللَّهِ» فى الآية معناه تذكر أوامره ونواهيه والتماس الطرق الشرعية التى يرضى عنها الله ويتصالح عليها المجتمع عند جمع المال من أجل تأمين مستقبل الأولاد، بما فى ذلك حقوقهم على أبيهم وأمهم، ومن بينها الحق فى الرعاية والتربية والمتابعة وعدم البعد عن الأبناء -بذريعة جمع المال لهم- دون اكتراث بتأثير ذلك على تركيبتهم النفسية أو الأخلاقية أو السلوكية.
التحذير من الانشغال غير المحسوب بالأولاد اقترن بالتحذير من الانشغال بالأزواج فى الآية الكريمة من سورة «التغابن» التى تقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ». تفسيرات كثيرة وردت فى شرح أسباب نزول الآية، من بينها أن أحد الصحابة شكا إلى النبى، صلى الله عليه وسلم، جفاء أهله وولده فنزلت، وقيل أيضاً إن سبب نزولها أن هذا الصحابى كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه، فقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق فيقيم، فنزلت. وثمة إشارة مهمة لسبب نزول هذه الآية فى تفسير «القرطبى»، قال فيها مجاهد فى قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ»، قال: ما عادوهم فى الدنيا، ولكن حملتهم مودتهم على أن أخذوا لهم الحرام فأعطوه إياهم.
الإشارة الأخيرة تحمل المعنى الجوهرى للآية، حين يستحل الإنسان الحرام ويجتهد فى جلب المال من طرق غير مشروعة من أجل إرضاء نزوات زوجته وأحلام أولاده، فى هذه اللحظة يتحول الطرفان إلى عدو مبين. ولو أنك تأملت فى الحياة من حولك فسوف تجد نماذج متنوعة لأشخاص ساقتهم الرغبة فى تأمين أسرهم إلى المهالك، وجعلتهم يقعون فى شرك التعاملات السيئة من أجل حصد مكاسب ومغانم غير مستحقة.