خالد منتصر يكتب: المسرح المصرى ما زال قادرا على الحلم
خالد منتصر يكتب: المسرح المصرى ما زال قادرا على الحلم
أسعدنى الحظ، فى الأسبوع الماضى، بحضور ثلاث مسرحيات على ثلاثة أيام متتالية، المسرحيات كلها قطاع عام، أو تحت إشراف وزارة الثقافة، أبطالها جميعاً من الشباب، شىء يدعو للفرحة والفخر، أن تجد مسارح مصر مضاءة، وجمهورها يملأ الصالة ويتفاعل، المخرجون الثلاثة كانوا حاضرين العروض، ويشرفون على كل صغيرة وكبيرة، المسرح حياة ونبض وثراء حركى ولونى وموسيقى ودرامى وفكرى، هو بالفعل أبوالفنون.
العرض الأول كان «سجن النسا» للمخرج يوسف مراد منير عن نص الكاتبة الكبيرة فتحية العسال على مسرح السلام بقصر العينى، النص تحدٍّ لأى مخرج، فالأحداث تدور فى زنزانة، أنت محاصر فى أن تتصاعد أحداث الدراما من خلال حوارات مكثفة، استطاع المخرج بذكاء تطعيم الأحداث باستعراضات طقسية للزار وعيد الميلاد والجنازة والسبوع... إلخ، فمنح العرض غنى وإيقاعاً مختلفاً جذاباً يشدك حتى النهاية، العرض الثانى كان «نوستالجيا ٨٠-٩٠» للمخرج تامر عبدالمنعم الذى استطاع أن يمنحنا لحظات شجن وذكريات من خلال أفلام ودراما وتترات وإعلانات هذه الفترة، ووظَّف الاستعراضات بطريقة رائعة وفى مكانها ومن خلال فرقة بورسعيد وفرقة رضا بشبابها الذى أراهن أن يعود بأمجاد فرق الفنون الشعبية فى الستينات، أما عرض «حاجة تخوف» فقد كان مسك الختام، تذكرت بعد انتهاء العرض تلك العبارة «إذا كان القرن الـ17 هو قرن الرياضيات، والقرن الـ18 هو قرن الفيزياء، والقرن الـ19 هو قرن البيولوجيا، فإن القرن الـ20 هو قرن الخوف».
وهى عبارة منسوبة للأديب الوجودى صاحب رواية الغريب ألبير كامو، وما زالت صالحة حتى الآن، وبعد مشاهدتى لمسرحية «حاجة تخوف» للمبدع جواهرجى المواهب خالد جلال، أحسست أن القرن الـ21 صار قرن عولمة هذا الخوف، وإعادة تدويره، وتحويله إلى سائل فى زجاجات، أو غاز عابر للجدران والحواجز.
أكد العرض معنى أن الخوف لا يمنع الموت بل يمنع الحياة، فى أكثر من عشرين مشهداً، لخَّص لنا خالد جلال، مقولة روزفلت فى خطاب تنصيبه الأول، وهى أن الشىء الوحيد الذى يجب أن نخافه هو الخوف نفسه.
بدأ المسرحية بالجملة المفتاح، وكشف لنا أوراقه منذ البداية أن «الخوف إذا سكن القلوب قتل الأحلام»، وبرغم أن خالد جلال قد صارحنا منذ البداية، ولعب معنا الجيم مفتوحاً إلا أننا كل لحظة كنا نكتشف أننا قد أدمنا الخوف، وأن هناك ما زالت فى كواليس ذاكرتنا وتحت جلدنا طبقات رعب من مواجهة أنفسنا فى المرآة التى كانت قريناً لأبطال كل مشهد، تعكسهم ولا تعاكسهم، أنماط متعددة، وطبقات جيولوجية من الخوف، خوف الفنانة النجمة من غروب النجومية، خوف البلوجر من انحسار الفولورز، خوف انكشاف الخيانة، خوف حتى العريس من الارتباط فى زمن حوَّل الحب إلى سلعة، خوف تأخر وجبة الحياة، وتحولها إلى مجرد عيشة، الخوف من التربص، الخوف من هجرة الابن وفقدان الأب، الخوف من فقدان وتشوه الهوية والذوبان فى الآخر وغول العولمة.
الخوف من الزمن ونسيان الأبناء والعزلة فى دار المسنين واجترار تفاصيل الماضى الذى نكتشف فجأة أننا عشنا فيه على الهامش، خوف وراء خوف، فوقه خوف، أسفله خوف، ساقية جهنمية من الخوف الذى يجعلنا نفقد حاسة تذوق حتى الأحلام، شباب العرض يفرح، هم كنز مصر الحقيقى، وبئر نفطه التى لا تنضب ولن تنضب، أردت احتضانهم واحداً واحداً من فرط فرحتى بهم وسعادتى بجهدهم، التنوير ليس مجرد كلام فى التراث والتاريخ، لكن الفن تنوير، وما فعله ويفعله المخرج خالد جلال جدارية تنوير، يرسم فيها بكل عرض ملحمة نجاح ونور وأمل فى بكرة، خرجت من العرض، برغم الخوف، متفائلاً.