د. محمود خليل يكتب: حين تحوّل من صوت إلى صورة
د. محمود خليل يكتب: حين تحوّل من صوت إلى صورة
فى حكاية «شمس الدين» -ضمن رواية الحرافيش- للمبدع نجيب محفوظ ضبطت «عجمية»، زوجة المعلم شمس الدين، شعرة بيضاء فى رأسه، فضحكت وانتزعتها ليراها، ولما وجدته سكت، شعرت بأنها أخطأت فأصابها الوجوم وقالت له: «ربنا يديك الصحة يا معلم»، فرد عليها قائلاً: «أتدرين ما الدعاء يا امرأة.. أن يسبق الموت خور الرجال».
العجز يهزم الإنسان فيحوله من صوت إلى صورة، ذلك ما حدث مثلاً مع واحد من أكبر المجددين فى تاريخ الموسيقى العربية، الشيخ سلامة حجازى، فذات يوم اتخذ مكانه على المسرح، كما تعود، وتهيأ للغناء ومن ورائه التخت الذى تعود أن يعزف له، ثم فجأة لم يجد صوته، وكان قد أصابه الشلل فى أواخر أيامه. وما أصعب الأحاسيس التى دهمت قلوب محبيه وهو يرون كروان الغناء يتحول فى لحظة من صوت إلى صورة.
الأمر نفسه تكرر مع المطرب الراحل «صالح عبدالحى»، صاحب واحدة من أشهر الأغانى فى الوجدان العربى، أغنية «ليه يا بنفسج»، إنها الجملة التى خلدت فى تاريخنا الفنى وأعيد إنتاجها فى العديد من الأعمال الفنية الأخرى. أصيب صالح عبدالحى بالشلل فى أواخر عمره، وأصبح عاجزاً عن الغناء، والشىء العجيب أن التليفزيون المصرى خلّد اللحظات المريرة التى عاشها الرجل حين تحول من صوت إلى صورة، فأتوا به إلى الاستوديو، وطلبوا منه أن يحرك شفتيه وكأنه يغنى، بينما نسمع تسجيلاً لأغنيته الشهيرة.
من يشاهد هذا الفيديو الذى دأب التليفزيون على إذاعته، وهو متوافر على يوتيوب، سوف يشعر بالمأساة التى عاشها المرحوم صالح عبدالحى، وهو يجلس على كرسيه يحرك شفتيه بوهن ويداه الضعيفتان تحاولان التحرك بأى صورة من الصور حتى لا يبدو مثل التمثال الصامت.
إنها الدنيا حين تضرب الإنسان بالعجز فتحوله من صوت إلى صورة، وهو الشبح الذى ظل يطارد بطل حكاية شمس الدين فى رواية الحرافيش، فقد حاول بكل جهده وطاقته القفز على ما أصابه من ضعف بجريان الزمن ومع التقدم فى العمر، وحاول أن يصمد كفتوة قادر على هزيمة كل خصومه، حتى ولو كانوا أشب وأصغر منه فى العمر، اجتهد فى أن يثبت لنفسه أنه لن يتحول إلى صورة أبداً، وجاءت نهايته فى اللحظة التى شعر فيها بأنه دخل هذا المربع، فقد بدأ رأسه يثقل فى النوم بفعل التقدم فى العمر، واستيقظ يوماً متأخراً وسأل عن ولده سليمان و«الرجالة»، فأخبروه بأنهم فى معركة مع فتوة إحدى الحارات المجاورة، فغضب بشدة، وفكر قليلاً ثم سحب نبوته، وسار بخطوات متثاقلة إلى موقع المعركة، وشارك فيها بكل طاقته، وأبلى بلاء حسناً، لكنه أصيب إصابة قاتلة، فمات فى اللحظة نفسها التى كاد يتحول فيها من صوت إلى صورة، وسبحان من يغير ولا يتغير.