عمار علي حسن يكتب: حاجتنا إلى «نقد خلاق» (4)
عمار علي حسن يكتب: حاجتنا إلى «نقد خلاق» (4)
أؤمن بأن الكتابة عن أى عمل أدبى، حتى لو قدحاً، أفضل كثيراً من تجاهله، مهما كانت نوايا القادحين أو أهدافهم أو ما عبّروا به عما يفكرون فيه. فأى كتابة عن نص تعبير عن اهتمام به أو بكاتبه أو بكليهما، وهى تصب فى خاتمة المطاف ضمن المسار النقدى العام، إن التجاهل، حتى لو كان كفاً عن إبراز عيب، وكشف نقص، فإنه سيبقى صمتاً أو امتناعاً عن إلقاء ولو حجر صغير فى بحيرة راكدة.
وإذا كان إطلاق المدح والقدح على عواهنه، يمكن أن يكون موفوراً فى مقال صحفى، فإن من نافلة القول إن هذا يقل أو يتضاءل إلى أدنى حد، بل يجب أن يزول ويتلاشى فى عمل بحثى واسع، يتبع صاحبه المنهج العلمى بأدواته وإجراءاته المنضبطة. ولهذا فإن ما كتب عن رواياتى وقصصى من أبحاث للترقى وأطروحات للماجستير والدكتوراه كان فيه من الوسع ما أعطى فرصة لتحليل أعرض وأعمق للنصوص، لاسيما أن كل بحث يركز على نقطة محدّدة، أو يضع افتراضاً جلياً، أو يسعى إلى الإجابة عن سؤال واضح، أو يتصدى لفهم إشكال معين، ومن ثم يحفر عميقاً فى سبيل تحقيق الهدف الذى يصبو إليه، وفى ركاب هذا يراكم الفائدة لدىّ أنا ككاتب، لأنه يضعنى فى صورة كلية لجانب من كتابتى، سواء كان البحث يدرس رواية أو مجموعة قصصية واحدة، ويفصل فيها، أو يأخذ موضوعاً واحداً فى روايات كثيرة من قبيل دراسة المكان، أو الواقعية السحرية، أو التصوف أو الصورة الفنية أو حضور التراث أو التناص.. إلخ.
علاوة على هذا وذاك هناك شكل من النقد جرى على نصوص أعمالى، ليس هو بالمقالات الصحفية، ولا الدراسات الأكاديمية، ولا الأعمال النقدية المطولة التى تقدّم إلى ندوات أو مؤتمرات أدبية، إنما هى بأقلام كتاب أو نقاد يعملون خارج الصحف والجامعات ولا يعرفهم الناس بأنهم نقاد محترفون. فقد قرّر بعض هؤلاء الكتابة عن الصورة الأدبية الكلية لدىّ، حتى اللحظة الراهنة، فأخذ الروايات والمجموعات القصصية جميعاً، كل منها على حدة، وراح يُمعن النظر فيها، ثم كتب عنها ما هو بين المقال والدراسة، وجمع شتات ما انتهى إليه فصار كتاباً كاملاً من النقد الانطباعى، وبعضه لا غنى عنه، لا سيما إن كان من متذوق أو كاتب يعرف فنون الأدب، وهو شكل يأتى أيضاً، حتى لو على خفة وعبور، من قراء يعلقون على الكتب فى مواقع إلكترونية مخصّصة لذلك.
وأياً كان نوع النقد الذى تعرض أصحابه لأعمالى الأدبية، فإنه قد أفادنى، ليس فقط فى الذيوع والرسوخ على هذا الدرب الشاق، وإنما أيضاً فى صقل موهبتى، وتطوير قدرتى على الكتابة تباعاً، ولهذا يأتى كل عمل لاحق لى، مستفيداً مما قيل بشأن عمل سابق، وهذا دور أشعر بامتنان شديد للنقاد على اختلاف مدارسهم، لأنهم يلعبونه فى مسيرتى الأدبية.