د. ثروت الخرباوي يكتب.. قبل العاصفة: الإخوان في النفق السري في انتظار اللحظة
د. ثروت الخرباوي يكتب.. قبل العاصفة: الإخوان في النفق السري في انتظار اللحظة
قبل أن تشتعل نار الغضب فى يناير، كانت الكوادر فى كامل الجاهزية. لم يكن الأمر عفوياً كما ظنه البعض، بل كان أقرب إلى «ساعة الصفر». عُرف فى التنظيم أن وقت الحصاد قد حان. وفى الظل، كانت الأوامر تُعطى بالتقدم، ولكن بحذر، فالموجة يجب أن تُركب لا أن تُكسَر. وفى اللحظة المناسبة، خرجوا بوجهين: وجهٌ يهتف فى الميدان، ووجهٌ يتفاوض خلف الأبواب. وجهٌ يقول «مدنية»، وآخر يُعد لـ«دستور الشريعة». كانت اللعبة دقيقة، ولكنهم أتقنوها.
فى البيوت كانت اللقاءات تنعقد.. وفى القرى كانت الكيانات الإخوانية تُوزِّع البطاطين والسكر والزيت باسم الله لكنها تكتب الولاء للجماعة فى القلوب
لم تكن مصر فى نهاية عام 2010 تبدو وكأنها مقبلة على زلزال. الهدوء السياسى كان يخدع من لا يعرف باطن الأرض، فهناك حيث لا يرى الناس كانت جماعة الإخوان تمضى فى طريقها بثبات وصمت. لم تكن تمشى على الأرض، بل كانت تحفر فيها. وتصنع لنفسها الأنفاق السرية المظلمة، تلك الأنفاق التى لا يراها النظام ولا يعرف شيئاً عن دهاليزها، فقد كان النظام حينها يتكئ على أجهزة الإنعاش، وكانت المعارضة تعيش فى شرودها المعتاد بين خطب المنصات والمقاهى، إلا أن جماعة الإخوان كانت تخطّط بلغة أخرى. لغة لم تعرفها الحياة السياسية فى مصر من قبل، إذ لم تكن تُعادى النظام بالضرورة أو بشكل ظاهر، بل تعايشت معه بشروطها: السجن أحياناً، والنقابات أحياناً، والبرلمان فى بعض الأحيان، والخطابات والتحالفات السرية فى كثير من الأحايين، والمناورة دائماً.
أما الذى كان الرأى العام يجهله وقتها فهو أن تلك الجماعة لم تكن تنظيماً دعوياً كما ادَّعت، ولا كياناً سياسياً كما حاولت أن تظهر، بل كانت مشروعاً مؤجَّلاً لدولة بديلة. دولة لا علاقة لها بالدولة المدنية الحديثة، ولكن دولة دينية مستعارة من القرون الأولى، دولة دينية يتم صناعتها من داخل الدولة، تنتظر فرصة الانقضاض، وقد حاولوها من قبل مع الأنظمة الملكية قبل 1952، وصولاً إلى أحداث يناير 2011.
فمنذ أن عقدت الجماعة صفقتها الصامتة مع السادات -بأن يُفرَج عنهم مقابل صد الشيوعيين والناصريين- بدأ الإخوان يتسللون إلى النقابات المهنية وأنشطة الطلاب والجامعات، وأندية هيئات التدريس ومؤسسات المجتمع الأهلى، بل إلى مفاصل الإدارة والتعليم والقضاء. كانوا يعدّون رجالهم ليومٍ لا بد أن يأتى.
كانوا يعتقدون أن التاريخ لا يسير إلا على سكّتهم، وأن الجماعة «أُمَّة داخل الأُمَّة». لم يكونوا ينتظرون لحظة سقوط النظام، بل يعملون على أن تسقط مصر فى أيديهم حين يسقط النظام.
وقبل أن تصرخ شوارع يناير، كان شعار مكتب الإرشاد:
«الصبر الجميل.. فإن موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب؟».
والصبح أتى… لكن بأى وجهٍ ظهر؟
دون أن نتهم أحداً أو نتجنى على أحد نستطيع القول بأن هذه جماعة دكتور جيكل آند مستر هايد، وجه طيب يظهر به فى العلن، ووجه شرير يحتفظ به ليُظهره عند التمكين، ولكن نفثات الشر كانت تظهر فى بعض الأحيان، ففى عام ١٩٩٧ يُدلى مصطفى مشهور بتصريح يقول فيه: عندما نحكم مصر سنفرض الجزية على الأقباط!
وعام ٢٠٠٦ يصرح عصام العريان بأنهم عندما يصلون إلى الحكم سيطلبون من اليهود المصريين العودة إلى مصر واسترداد أملاكهم، ويقول: لن نخالف اتفاقية كامب ديفيد، وحينها يصرِّح مهدى عاكف، مرشدهم، بعبارته الأكثر وقاحة: «طظ فى مصر».
«الجماعة» لم تكن تنظيماً دعوياً كما ادَّعت ولا كياناً سياسياً كما حاولت أن تظهر بل كانت مشروعاً مؤجَّلاً لدولة بديلة.. دولة لا علاقة لها بالدولة المدنية الحديثة
ولكن بالرغم من هذا لم تكن الجماعة تجهل طبيعة النظام، بل كانت تعرفه أكثر مما يعرف هو نفسه. تعرف نقاط ضعفه، وتشققاته الأخلاقية، وتآكل شرعيته. كانوا يعرفون أن السلطة تشبه الجدار المتآكل، تكفى دفعة واحدة منظمة ليهوِى. ولذلك، لم تكن خطتهم يوماً أن يهتفوا، بل أن يدفعوا.
فى المساجد كانت الخطب تُمهد، وفى البيوت كانت اللقاءات تنعقد، وفى القرى كانت الكيانات الإخوانية تُوزِّع البطاطين والسكر والزيت باسم الله، لكنها تكتب الولاء للجماعة فى القلوب. هذه هى مقدمات «التمكين»، كما علَّمها لهم سيد قطب: لا تأخذ الدولة بالسيف، بل بالتسلل. فإذا عجز التسلل فليكن هو مقدمة السيف.
فى مكتب الإرشاد، لم يكن الحديث عن الوطن، بل عن التنظيم. لم يكن سؤالهم: كيف نصلح مصر؟ بل: كيف نحكم مصر؟ الفارق بين السؤالين هو الفارق بين الثورة والدولة، بين الحلم والهيمنة.
الجيل الجديد من الإخوان لم يكن جيل الدروس والوعظ، بل جيل الهواتف المحمولة والمنتديات، يتعلم فن الخطاب بلغة الحداثة، لكنه يحمل فقه الطاعة القديم. يتحدث عن الديمقراطية، لكنه لا يؤمن بها إلا كجسر، تماماً كما علَّمهم البنا: «نأخذها خطوة خطوة».
كانوا يضحكون من النخب التى تحلم بتغيير حقيقى، ويعتبرون الثوار هواة بلا تنظيم. كانوا يعرفون أن التاريخ لا يكتبه الشجعان، بل من يمتلك الخطة والكوادر والانضباط الحديدى. ولذلك، حين دخلوا الميدان، لم يدخلوا من باب الثورة، بل من باب الانقضاض.
كان التنظيم الدولى يراقب ويرصد. لم تكن مصر وحدها فى الحسابات. كانت هناك ملفات تُفتح فى لندن ثم فى أنقرة، وتمويل يُرتب من مؤسسات دولية تابعة للتنظيم الدولى للجماعة، وتنسيقات تجرى مع واشنطن. حتى إن مجلة المصور عام ٢٠٠٥ كشفت خطاباً سرياً مرسلاً من أحد وسطاء البيت الأبيض لخيرت الشاطر يخبره فيه بشروط البيت الأبيض للموافقة على أن يحكم الإخوان مصر، ولكن للأسف لم ينتبه النظام، إذ لم يمتد بصره خارج مصر، ولم يرَ تحالفاتها الخارجية، فالجماعة التى طالما ادَّعت أنها محلية، كانت فى الحقيقة جزءاً من مشروع أممى، يرى فى الربيع العربى فرصة، لا لحكم بلد، بل لإعادة رسم خريطة المنطقة كلها، ليس لحسابه ولكن لحساب قوة خارجية مهيمنة يكون هو فيها المعتمد الإسلامى فى المنطقة.
وقبل أن تشتعل نار الغضب فى يناير، كانت الكوادر فى كامل الجاهزية. لم يكن الأمر عفوياً كما ظنه البعض، بل كان أقرب إلى «ساعة الصفر». عُرف فى التنظيم أن وقت الحصاد قد حان. وفى الظل، كانت الأوامر تُعطى بالتقدم، ولكن بحذر، فالموجة يجب أن تُركب لا أن تُكسَر.
وفى اللحظة المناسبة، خرجوا بوجهين: وجهٌ يهتف فى الميدان، ووجهٌ يتفاوض خلف الأبواب. وجهٌ يقول «مدنية»، وآخر يُعد لـ«دستور الشريعة». كانت اللعبة دقيقة، ولكنهم أتقنوها. لقد انتظروا طويلاً.. واللحظة أخيراً قد جاءت، فماذا حدث عندما وقعت الواقعة؟

