صانع «الخبز الحافي».. من ظلمة الأمية إلى عرش الرواية «بروفايل»
صانع «الخبز الحافي».. من ظلمة الأمية إلى عرش الرواية «بروفايل»
من حضيض المعاناة ومرارة الجوع، ومن رحم الأمية التى كادت تبتلع روحه، صعد محمد شكرى ليصبح أحد أهم كُتاب الرواية العربية، لم يتخرج فى مدارس النخبة، بل جاء من دروب التشرد وعمق الأحلام المجهضة، إنه ذلك الفتى الذى ظل حتى العشرين من عمره لا يعرف القراءة ولا يُحسن الكتابة، لكنه استطاع أن ينحت لنفسه مساراً فريداً فى أدب السيرة الذاتية، جاعلاً من حياته المليئة بالضياع والشقاء مادة أدبية لا تُضاهى.
طريق محمد شكرى نحو الأدب كان محفوفاً بأشواك الفقر واليتم، بعد وفاة والده فى سن مبكرة، وجد نفسه وحيداً مع والدته وشقيقيه فى مواجهة فقر مدقع لا يرحم، دفعته الحاجة إلى العمل وهو طفل، فتنقل بين المهن الشاقة التى لا تليق بطفولته، إذ عمل صبياً فى مقهى، وحمالاً، وبائعاً للجرائد، وماسح أحذية، قبل أن ينخرط فى عالم تهريب السجائر.
كانت طنجة مسرحا لأحداث حياته المبكرة، حيث عاش فيها صراعاته اليومية، ورغم انتقال أسرته إلى تطوان، سرعان ما عاد وحيداً إلى المدينة التى شكلت هويته، رافضاً أن يغرق فى عالم الظلام الذى سيطر على حياته.
التحول الكبير فى حياة «شكرى» حدث فى عام 1955، عندما اتخذ قراراً مصيرياً بالهروب من عالمه السفلى، فى العشرين من عمره، وهى سن متأخرة جداً، قرر دخول المدرسة فى مدينة العرائش ليتعلم القراءة والكتابة، هذا القرار كان بمثابة ولادة جديدة له. بعد تخرجه، أصبح معلماً، ليتحول من ضحية للأمية إلى منارة للعلم.
فى عام 1966، بدأت رحلته فى عالم الأدب، حيث نشرت قصته الأولى «العنف على الشاطئ» فى مجلة الآداب اللبنانية المرموقة، كانت هذه هى الشرارة الأولى التى أشعلت مسيرته الأدبية. لم يكتفِ بالكتابة، بل استخدم صوته لنشر الثقافة من خلال برامج إذاعية قدمها فى إذاعة طنجة، لعل أبرزها برنامجه الشهير «شكرى يتحدث».
وهكذا، تحول محمد شكرى من فتى يتيم ومهمّش، وغارق فى دوامة الفقر، إلى كاتب يمتلك ناصية القلم، ويشارك صوته مع الملايين، ليثبت أن الإصرار يمكن أن يفتح أبواباً كانت تبدو مستحيلة.
حياته كانت أشبه بكتاب مفتوح على صفائح الفقر المدقع، والتشرد الذى لا يعرف نهاية، وكانت بمثابة موعد مؤجل مع الكرامة المفقودة، هذا الواقع القاسى لم يكن عائقاً، بل كان نبعاً يتدفق منه كل إبداع، فمن خلال كتبه، خاصة ثلاثيته الشهيرة: «الخبز الحافى» و«زمن الأخطاء» و«وجوه»، رسم «شكرى» لوحة بانورامية مذهلة عن طفولته المترعة بالبؤس، وعن عالم المهمّشين فى طنجة، المدينة التى احتضنت صخبه وشقاءه.
فى قلب جبال الريف، ولد «شكرى» لعائلة أمازيغية عانت ويلات الفقر والمجاعة، دفعهم الجوع إلى رحلة هجرة قاسية سيراً على الأقدام إلى طنجة، كان الصبى لا يعرف من اللغة العربية شيئاً، وهو ما ضاعف من غربته وحيرته، عاش طفولته تحت رحمة أب قاسٍ، فر من الجيش الإسبانى، وترك ندوباً عميقة فى نفس ابنه، هذه الندوب التى نثرت البذور الأولى لرواية «الخبز الحافى»، كونها ليست مجرد سرد، بل كانت فعلاً علاجياً وإعلاناً عن ثورة نفسية ضد ماضٍ مرير.
شكلت «الخبز الحافى» صرخة جريئة ومتمردة فى وجه التهميش، فبصدقها المفرط فى تصوير عالم المهمشين، من ماسحى أحذية وبائعى مخدرات، حظيت بشهرة واسعة رغم منعها فى بعض البلدان.
وعلى الرغم من محاولات «شكرى» المستمرة تجاوز شهرتها، فإنها ظلت تلاحقه كظل لا يموت، هذا الصراع كان بداية تحوله العظيم؛ ففى أواخر حياته، سعى لتغيير صورته من أمى متشرد إلى مثقف واسع الاطلاع، مدركاً أن المعرفة هى الجناح الذى يحلق به الإنسان فوق بؤس الواقع، ليثبت أن القلم قادر على صنع مصير جديد والانتصار على قبح العالم.
رحل محمد شكرى عام 2003، لكن صوته ازداد رسوخاً كأحد أبرز رواد أدب السيرة الذاتية العربية، إذ اختار أصعب الطرق، فكتب وهو ينزف، وواجه وهو يتعثر، وفضح القبح بجرأة لأنه قرر ألا يصمت، فى تجربة إنسانية كاملة، تؤكد أن المعاناة ليست نهاية المطاف، وأن المعرفة ليست حكراً على أحد، وأن الكتابة النابعة من الأعماق تخلّد صاحبها رغم كل الصعاب.
