مواطن فلسطيني: الاستيلاء على الأراضي وتغيير الأسماء لتصبح عبرية.. وهذه السياسة جزء من تهويد فلسطين
مواطن فلسطيني: الاستيلاء على الأراضي وتغيير الأسماء لتصبح عبرية.. وهذه السياسة جزء من تهويد فلسطين
تحقيق: محمد علي حسن وماريان سعيد
على حدود جدار الفصل العنصرى، الذى يفصل القرى الفلسطينية عن الأراضى المحتلة، يعيش محمد عبدالرحمن بلال والجدار فى مرمى بصره، حيث يبعد عدة أمتار فقط عن بيته، ما يجعله يشعر بالخوف وعدم الأمان والتهديد الدائم من عنف المستوطنين المسلحين، الذين كثيراً ما يهاجمون السكان الفلسطينيين وممتلكاتهم دون محاسبة، خصوصاً أن مستوطنة «بيت حفر» قريبة جداً منهم.
بصوت تملؤه الحسرة قال «محمد»، المدرس بالمرحلة الإعدادية، إن وجود الجيش الإسرائيلى بشكل دائم فى منطقة الجدار والمستوطنات يؤدى إلى توتر مستمر، خصوصاً أن الاحتلال يحمى ويحرس المستوطنات، ويحرص على مهاجمة أصحاب الأرض من وقت لآخر، فنحن نعيش فى بيوتنا ونعرف أنه فى أى لحظة قد تخرج قوات الاحتلال من هذه المستوطنة قرب الجدار لاقتحام الضواحى والمناطق القريبة، والفلسطينيون الذين يعيشون بالقرب من المستوطنات يعزلهم الجدار عن أراضيهم وأقاربهم ومدنهم وقراهم الأصلية.
وتابع «محمد» الذى هجر قسراً من قرية سيدنا على أو قرية الحرم، المعروفة حالياً باسم «هرتسيليا»، وتم عزلهم عن أراضٍ تقع خلف الجدار، وبعض هذه الأراضى لا تبعد عنهم سوى أمتار قليلة، وتمت مصادرتها، فالاحتلال استولى على مئات الدونمات من أراضى عائلته من ناحية أمه، وهى تحت السيطرة الإسرائيلية الآن، ومنذ 7 أكتوبر لم يُسمح لأى مزارع بدخول هذه الأراضى إلا قلة قليلة جداً من المزارعين وبشروط صعبة، وفى أيام محددة حسب مزاج الاحتلال. جدار الفصل العنصرى يعزل الفلسطينيين عن أراضيهم وأقاربهم داخل الخط الأخضر، ما يخلق مسافة نفسية ومادية تجعل الفلسطينى يفقد صلته بمناطق كانت تعتبر كنعانية الأصل، مثل يافا (الجميلة)، وحيفا (الأرض المرتفعة)، وعكا (الرمل الحار)، وغزة (القوة والمنعة)، فالجدار يعمّق صعوبة وصول الفلسطينيين إلى هذه الأماكن الأثرية، مثل مدينة قيسارية التى تضم آثاراً رومانية مهمة، ما يحرم الفلسطينيين من دراسة تراثهم، فالتهويد فى وجهة نظره له شقان، مادى ومعنوى، حيث يتم الاستيلاء المادى على الأراضى وتغيير الأسماء لتصبح عبرية بالكامل أو تحريفها عن أصلها، وضرب مثالاً بقرية «ملبس»، التى أصبحت تُسمى اليوم «بتاح تكفا»، مؤكداً أن هذه السياسة جزء من تهويد الجغرافيا والتاريخ والهوية الفلسطينية.
وأضاف: «قهر وإهانة مستمرة، تمثلها الحواجز والتفتيش والمنع من المرور وحتى الاعتقال التعسفى، وسط توسع مستمر للمستوطنات، فى الوقت الذى تُهدم فيه بيوت الفلسطينيين أو تُصادر أراضيهم، وضرب مثالاً بما رآه بنفسه قبل أيام قليلة، حيث هدمت قوات الاحتلال بيتاً بلاستيكياً (دفئة زراعية)، يُسمى باللهجة الفلسطينية (الحماموت)، قرب مستوطنة بيت حفر، وقدرت خسائر المزارع المتضرر بحوالى 60 ألف دولار، وهذا التوسع الاستيطانى مستمر رغم كل ما يعانيه الفلسطينيون من تضييق.
«تكيف قسرى» هكذا يصف «محمد» وضعه مع الواقع المرير المجبر عليه، خصوصاً أن هناك فرقاً حقيقياً فى القوة والدعم الدولى والسلاح يُجبر الفلسطينيين على التأقلم، ويتحول صوته لنبرة مهمومة وهو يصف حاله وما يعيشه يومياً كأستاذ فى المرحلة الإعدادية من الصف الخامس إلى الصف التاسع الأساسى، وكان يتنقل بين المدن، موضحاً أن الطريق التى تحتاج عادة إلى ساعة أصبحت أحياناً تستغرق 3 ساعات بسبب الحواجز، وكثيراً ما كان يصل بعد أذان المغرب بسبب الانتظار على الحواجز لساعات طويلة، مؤكداً أن هذه المعاناة اليومية شجعته على دراسة التاريخ والجغرافيا، لأنه حاصل على بكالوريوس فى تعليم الاجتماعيات، ويكمل حالياً دراسة الماجستير فى العلوم السياسية، ويطمح مباشرةً لإكمال الدكتوراه، فالدراسة ليست فقط لتحقيق شهادة أكاديمية، بل لأنها تعطيه مساحة للتعبير عن الكبت الداخلى وكبت الآخرين فى ظل القيود على وسائل التواصل الاجتماعى، حيث تُغلق الحسابات بسرعة أو تُفرض عليها قيود نشر، فلا يستطيع المواطن الفلسطينى النشر بحرية مثل باقى شعوب العالم، والتعليم بالنسبة للفلسطينيين هو المنارة التى تُضىء لهم الطريق للتعبير عن آرائهم بحرية نسبية».
وتحدث «محمد» عن «المخاطر اليومية» التى يواجهها، مثل خطر الاعتقال أو إطلاق النار المباشر إذا اقترب من الجدار أو المستوطنات مثل بيت حفر، إضافة إلى احتمال الضرب المبرح من المستوطنين أو تدمير الممتلكات، لتتحول نبرته إلى الحزن وهو يتذكر قصة إنسانية شاهدها بنفسه، حيث يذهب العمال الفلسطينيون للعمل داخل الأراضى المحتلة بسبب قلة الرواتب، وعند تسلقهم الجدار يتعرضون لإطلاق النار المباشر الذى يؤدى أحياناً إلى الوفاة، أو إلى تفتت عظام الركبتين والساقين فيما يُعرف محلياً بـ«تكسير العظام».
وأكد أن القدس تحتل المركز الأول فى الاستيطان اليومى، تليها الخليل التى تضم بؤراً استيطانية كبيرة، ثم رام الله التى تعرضت قريتها «كفر مالك» قبل أيام لهجوم عنيف من المستوطنين أسفر عن استشهاد عدد من الفلسطينيين، موضحاً الفرق بين المستوطنات القديمة والحديثة، إذ إن المستوطنات القديمة نشأت فى فترات الهجرات اليهودية قبل قرار التقسيم وكانت أعدادها قليلة، أما الآن فتشهد الضفة الغربية موجات هجرة استيطانية ضخمة أدت إلى زيادة أعداد المستوطنات ومساحتها بشكل غير مسبوق، ومنها مشروع توسيع مستوطنة «معاليه أدوميم»، وهى الأكبر مساحة فى الضفة الغربية، مؤكداً استمرار التوسع لاستيعاب مزيد من المهاجرين من أوروبا ومختلف أنحاء العالم.
وقال إن المجتمع الدولى يدرك خطورة الاستيطان الذى يشبه مرض السرطان فى توغله داخل الأرض الفلسطينية، لكن ما ينقله اليهود من صور سلبية عن الفلسطينيين أنهم إرهابيون ومتعطشون للدماء وغيرها من الصفات، وبسبب الدعم والتأييد من حكومات الدول الكبرى يتغطرس الصهاينة بتزوير الحقائق ونسب التراث إليهم بطريقة غير شرعية، مثل المأكولات الشعبية كالمقلوبة والملابس التراثية وغيرها، فتنحرف البوصلة عن مسارها وتتجه إلى التعاطف مع الصهاينة بدلاً من السكان الأصليين وهم الفلسطينيون، لأن الصورة التى تصل إلى دول العالم مغايرة ومهمشة للحقيقة والواقع، ورغم وجود منظمات دولية مثل اليونيسكو وغيرها إلا أنه لا يتم توثيق إلا بضع حالات من التراث الفلسطينى، فالأغلب ينسب للصهاينة، لأن هذه المنظمات وحتى محكمة العدل الدولية التى تصدر القرارات وتنظر فى القضايا قراراتها غير ملزمة ومن الممكن ألا تتحقق.
وواصل: «الشعب الفلسطينى معروف بحبه للتعليم، فهو يعتبر العلم سلاحاً يثبت به نفسه أمام الاحتلال ولكى يصحح الروايات المغلوطة عنه فى مختلف دول العالم».
وعن دور التوثيق والنشاط الحقوقى فى مواجهة هذه المشاريع، قال: «هذا أهم سلاح، فهناك تقارير دورية تقدم عن الاستيطان، وتكشف هذه التقارير حجم المأساة والمعاناة التى يواجهها الشعب الفلسطينى من ظلم واقع عليه، من خلال مصادرة الأراضى والتهجير، وتحويل هذه المناطق إلى مستوطنات تضم مئات الآلاف من المستوطنين، ومن هذه التقارير ما يصل إلى منظمات حقوق الإنسان ومنظمة اليونيسكو».