60 ألف طالب تسربوا من الابتدائية والإعدادية.. والضحايا: «كنا غاويين علام.. لكن الدروس الخصوصية غالية»
60 ألف طالب تسربوا من الابتدائية والإعدادية.. والضحايا: «كنا غاويين علام.. لكن الدروس الخصوصية غالية»
كتبت : سارة جمال
«التعليم مهم.. الولاد والبنات كله بيتعلم دلوقتى.. المدرسة بعيدة بس العيال بيروحوا».. كانت تلك عبارات مجموعة من الأمهات اللاتى تجمعن أمام منزل صغير من طابق واحد فى إحدى قرى المنوفية، ولكن جدة منهن قالت بحزن: «العلام حلو.. بس ابن بنتى خرج من المدرسة وهو فى ابتدائى».
ما وصفته الجدة هو ما يطلق عليه الخبراء التسرب من التعليم، وهو ما يعنى توقف الطلاب عن التعلم دون إتمام دراستهم، كما تشرح السيدة جانباً من أسباب المشكلة بقولها: «عمر ساب المدرسة بسبب ضيق الحال.. أبوه مقدرش على المصاريف».
بلغ عدد الطلاب المتسربين من التعليم فى المرحلتين الابتدائية والإعدادية، خلال العام 2023- 2024، نحو 59 ألفاً و397 طالباً وطالبة.
قالت الجدة إن والد عمر لديه أسرة من 4 أطفال، ويعمل باليومية فى الأراضى الزراعية بقريته والقرى المجاورة، وهو عمل غير دائم ولا يوفر دخلاً منتظماً، فضلاً عن كونه دخلاً محدوداً، كما تخرج زوجته للعمل فى مزارع الفواكه المنتشرة على طريق المنوفية، حين يضيق الحال بهم.
أما شقيقتا عمر فواصلتا تعليمهما حتى وصلتا للمرحلة الإعدادية، والثانوية الفنية، وهو ما تفسره الجدة: «كانوا غاويين علام وكنا عايزين لهم جوازات حلوة ما يتبهدلوش فيها.. العلام بيرقى»، مشيرة إلى أنهن كن يعملن أيضاً خلال إجازة الصيف فى جمع الفواكه من المزارع وفى محطات التصدير.
«عمر» عمل بورشة نجارة ليوفر تكلفة تعليمه ويسدد نفقات أسرته.. و«شهد» تركت «الإعدادية» بفرمان من شقيقها: سألتحق بفصول محو الأمية
رغم تسرب «عمر» من المدرسة الابتدائية، وعمله فى إحدى ورش النجارة بالقرية ليوفر تكلفة تعليمه ويسهم فى توفير نفقات أسرته، فإن الأسرة تخطط لإلحاق شقيقه الأصغر بالمدرسة فى العام المقبل.
أما «شهد» فقد تركت الصف الثانى بمدرستها الإعدادية بالقاهرة، قبل عدة سنوات، ولكنها ما زالت تعتبر أن حرمانها من التعليم كان من أسوأ القرارات التى اتخذها شقيقها الأكبر بحقها.
توفى والدا شهد منذ كانت فى العام الثانى من عمرها، لتبقى برعاية شقيقين من الذكور وأختها الأكبر، نزل الشابان للسوق وتركا دراستهما عقب وفاة والديهما، حتى تمكنا من العمل بتجارة الفاكهة وتوفير نفقات أختيهما بصعوبة.
التحقت الفتاتان بالمدرسة كما جرى العرف بالحى الشعبى الذى يقيمون به بالقاهرة، وحصلت الأخت الكبرى على الشهادة الثانوية.
لكن كان تعليم «شهد»، الأخت الصغرى أقل سلاسة، إذ كثرت المشكلات والشكاوى من إخوتها وزميلاتها وتراجع مستواها الدراسى، ليقرر شقيقها الأكبر ذات يوم حرمانها من العودة إلى المدرسة وتوفير نفقات تعليمها لتجهيزها استعداداً لتزويجها.
تقول «شهد»: «كنت صغيرة وطايشة ومتأثرة إن ماليش أم ولا أب، وإخواتى كانوا صعبين ومش شايفين المدرسة حاجة مهمة، وبيقولوا دايماً إنى باكلفهم مصاريف ودروس من غير فايدة فقعدونى من المدرسة».
«شهد»، التى تمت خطبتها بعد منعها من الدراسة وتسربها من الصفوف الإعدادية، وينتظر إخوتها بلوغها 18 عاماً لتتزوج، تخطط للالتحاق بفصول محو الأمية ومواصلة دراستها بعد الزواج.
وتسرب من التعليم الابتدائى خلال العام 2023- 2024 نحو 32 ألفاً و840 طالباً وطالبة، وكان عدد البنين المتسربين بينهم 20 ألفاً و8 طلاب، أما البنات فكان عددهن 12 ألفاً و832 بنتاً، وبلغت نسبة التسرب الإجمالية 0.24% من إجمالى الملتحقين بالمرحلة الابتدائية، وذلك وفقاً لكتاب الإحصاء السنوى 2024 - 2025، الصادر عن وزارة التربية والتعليم.
كانت الجيزة الأولى فى أعداد الطلاب المتسربين من المرحلة الابتدائية، البالغ عددهم 3878، وتلتها القاهرة بتسرب 3253 طالباً وطالبة، ثم أسيوط التى شهدت تسرب 2927 من طلابها الملتحقين بالمرحلة الابتدائية.
وجاء طلاب محافظة مطروح فى المرتبة الأولى كأعلى نسبة تسرب من التعليم فى المرحلة الابتدائية بالنسبة لإجمالى عدد الطلاب الملتحقين بالمرحلة الابتدائية بالمحافظة، وذلك بنسبة تسرب بلغت 0.54%، وتلتها أسيوط بنسبة 0.45%، ثم الإسكندرية بنسبة 0.36%.
شهدت محافظة أسيوط النسبة الأعلى للتسرب بين البنين بنسبة 0.59%، تلتها الإسكندرية بـ0.40%، ثم الغربية مسجلة 0.35%، أما المحافظات التى تصدرت تسرب البنات من التعليم فى المرحلة الابتدائية، فجاءت مطروح فى المقدمة بـ0.77%، ثم جنوب سيناء 0.34%، وتلتها الإسكندرية بـ 0.31%.
أما المحافظات الأقل فى معدلات التسرب من التعليم فى المرحلة الابتدائية فكانت الوادى الجديد فى المقدمة، مسجلة تسرب أقل عدد من الطلاب من المرحلة الابتدائية بنحو 25 طالباً وطالبة، وبنسبة قدرها 0.07%، وجاءت البحر الأحمر وأسوان والشرقية وكفر الشيخ فى المرتبة الثانية كأقل المحافظات تسريباً لطلاب المرحلة الابتدائية بنسبة قدرها 0.14% لكل منهم.
وتشهد المرحلة الإعدادية أيضاً تسرب بعض الطلاب من التعليم، إذ رصد كتاب الإحصاء السنوى 2024 - 2025، تسرب نحو 26 ألفاً و557 طالباً وطالبة من طلاب المرحلة الإعدادية، كان 12 ألفاً و100 طالب منهم ذكوراً، و14 ألفاً و457 من الإناث، خلال العام الدراسى 2023 - 2024، وبلغت نسبة التسرب الإجمالية 0.47%.
وبينما كان عدد البنين المتسربين من التعليم الابتدائى يفوق عدد الإناث، فإن العكس هو الصحيح فى المرحلة الإعدادية، إذ تفوق أعداد الفتيات المتسربات من التعليم أعداد البنين، وتفسر دراسة سابقة للمنتدى الاستراتيجى للسياسات العامة ودراسات التنمية، تلك الظاهرة بأنها تعكس أوضاعاً اجتماعية صعبة.
وأشارت الدراسة إلى أن بعض الأسر فى مراحل سنوات الشهادة الابتدائية تلجأ إلى تشغيل الأبناء الذكور وترك التعليم، ليتحول هؤلاء الأطفال إلى مصدر دخل للأسرة، أما فى المرحلة الإعدادية فتلجأ بعض الأسر الفقيرة إلى تزويج الفتيات مبكراً للتخلص من أعبائهن الاقتصادية.
وقد كانت البحيرة الأولى فى عدد الطلاب الإجمالى فى المرحلة الإعدادية بتسجيلها تسرب 2837 طالباً، وتلتها أسيوط بـ2537، ثم الجيزة التى شهدت تسرب 2410 من طلاب المرحلة الإعدادية.
أما نسب التسرب الأعلى فى المرحلة الإعدادية فسجلتها محافظات أسيوط بنسبة 1.04٪، ثم بنى سويف بنسبة 0.96٪، وجاءت مطروح فى المرتبة الثالثة بنسبة 0.81٪.
كانت المحافظات الأكثر تسريباً للفتيات فى المرحلة الإعدادية مطروح بنسبة 1.56%، ثم أسيوط بنسبة 1.19%، وتلتهما بنى سويف بـ1.06%.
أما تسرب الذكور من المرحلة الإعدادية فسجلت أسيوط المعدل الأعلى بنحو 0.90%، وتلتها بنى سويف بـ0.87% والتى شهدت معدلات مرتفعة لتسرب الإناث، وشهدت البحيرة ثالث أعلى معدلات تسرب الذكور من المرحلة الإعدادية بنحو 0.67%.
وكانت المحافظات الأقل فى معدلات التسرب من التعليم فى المرحلة الإعدادية فكانت الوادى الجديد فى المقدمة، مسجلة تسرب أقل عدد من الطلاب من المرحلة الإعدادية بنحو 34 طالباً وطالبة، وبنسبة قدرها 0.22%، وتلتها الشرقية بنسبة قدرها 0.23%، ثم القليوبية والتى سجلت ثالث أقل معدلات التسرب من المرحلة الإعدادية بنسبة 0.24%.
يقول الدكتور حازم راشد، أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربية جامعة عين شمس، إن هناك دوافع متعددة للتسرب من التعليم، أهمها الأسباب الاقتصادية والاجتماعية، بسبب التكلفة المرتفعة للتعليم، التى لا يمكن لبعض الأسر تحملها، وبالتالى يخرج الذكور إلى العمل، والفتيات إما للعمل أو للبقاء بالمنزل وتوفير نفقات التعليم، أو أن يكون السائد فى بعض المجتمعات عدم استكمال التعليم.
وأضاف «راشد» أن من بين أسباب التسرب من التعليم عوامل تتعلق بالعملية التعليمية ذاتها، كأن تكون المدرسة بيئة طاردة وغير جاذبة للطلاب، بفعل ارتفاع كثافة الطلاب فى الفصول، أو سوء حالة المبانى والأدوات التعليمية وعدم تحديثها، وبعض طرق التدريس غير الفعالة.
فيما أكدت أميرة صابر، أمين سر لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، نائب رئيس الحزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى، خطورة تسرب عشرات الآلاف سنوياً من طلاب التعليم الأساسى بالمرحلتين الابتدائية والإعدادية، لما تمثله من تهديد لمستقبل الأجيال القادمة، والتأثير سلباً على تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
طلب إحاطة بـ«النواب»: تسرب عشرات الآلاف سنوياً يضر بجهود التنمية
وكانت «صابر» قد تقدمت، فى مارس الماضى، بطلب إحاطة بشأن تسرب الطلاب من التعليم الأساسى. وأشارت النائبة لـ«الوطن»، إلى أن التسرب من التعليم الأساسى يعكس أزمة مجتمعية أعمق تتعلق بقدرة بعض الأسر على تحمل تكاليف التعليم، وتأثير الظروف الاقتصادية وتضخم الأسعار على تنفيذ الاستحقاقات الدستورية المتعلقة بالتعليم.
ولفتت النائبة إلى الاهتمام الرسمى من جانب الرئيس والحكومة بالعمل على ذلك الملف، والذى يمثل حقاً أساسياً وأمناً قومياً، وهو ما يتطلب التنسيق الفعال بين الجهات المختلفة لمعالجة جذور مشكلة التسرب من التعليم، لأن استمرارها يعنى تزايد المخاوف بشأن الأثر طويل الأمد على المواطنين وكذلك على الاقتصاد الوطنى.
«صابر»: يجب اتخاذ إجراءات فورية لحل الأزمة لتأثيرها السلبى على الاقتصاد
وفى النهاية، تؤكد «صابر» ضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة من أجهزة الدولة المختلفة لضمان وقف تسرب الطلاب من التعليم، حتى لا يتحولوا لأميى الغد وتتفاقم المشكلة أكثر، وحتى لا تهدر الجهود التى بذلتها الدولة فى تطوير التعليم خلال العشرين عاماً الماضية، ما يضمن بناء أجيال قادرة على الإسهام فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
أستاذ تقييم تربوى: هناك تجارب سابقة رهنت التزام الأسر بالعودة للتعلم بالحصول على الدعم السلعي
ويتفق الدكتور محمد فتح الله، أستاذ القياس والتقويم التربوى بوزارة التربية والتعليم، مع أن أبرز أسباب التسرب من التعليم انخفاض دخل بعض الأسر، وعمالة الأطفال، ليصبح الطفل مصدراً إضافياً لدخل الأسرة بدلاً من الاستثمار فى تعليمه. وأشار «فتح الله» إلى غياب ثقافة الاستثمار فى التعليم، وعدم إدراك أهمية وقيمة التعليم، وبخاصة مع وجود إشكاليات فى التوظيف والعمل فى مجالات بعيدة عن مجال التعلم، أو عدم الحصول على فرص عمل.
ودعا إلى «التطبيق الحقيقى لمجانية التعليم»، باعتبار ذلك كفيلاً بتخفيض كبير لمعدلات التسرب، مشيراً إلى أن اضطرار بعض الأسر منخفضة الدخل بالأساس للإنفاق على الدروس الخصوصية والأدوات التعليمية والانتقالات والتغذية المدرسية، جميعها أمور تدفعهم بعيداً عن التعليم الذى تصبح كلفته أكثر من طاقة تلك الأسر، ويكون خيارهم الأسوأ والأسهل هو تشغيل الأطفال ليوفروا موارد إضافية للأسرة بدلاً من إنفاقها.
ويرى «فتح الله» أن حل مشكلة التسرب من التعليم يبدأ بمعالجة أسبابها، مشيراً إلى ضرورة العمل على حل المشكلات الاقتصادية وتراجع مستوى المعيشة التى تعانى منها بعض الأسر، وأضاف أن الإعلام يجب أن يقوم بدور فعال ومحترف ومبتكر لمعالجة قضايا التعليم، ودعم ثقافة احترام التعليم وضرورة الاستثمار فى الأبناء بتعليمهم، ومكافحة ظواهر الغش فى الامتحانات لتأثيرها السلبى على الثقة فى جودة وعدالة وجدوى المنظومة التعليمية.
ودعا «فتح الله» إلى ابتكار حلول مرنة تتلاءم مع البيئة وطبيعة المجتمع، مشيراً إلى تجارب سابقة كان يتم الربط فيها بين التزام الطلاب المتسربين من التعليم بالعودة للتعلم وحصول أسرهم على دعم سلعى، وهو ما كان يحفز الطلاب وأسرهم على العودة لصفوف الدراسة بدلاً من العمل لتوفير الدخل. كما اقترح الاهتمام بإنشاء مدارس مرنة تلائم ظروف المتسربين من حيث المواعيد والمحتوى التعليمى، ومدارس الفصل الواحد، وفصول الفتيات.
