خبراء تربويون يطالبون بتحديث مفهوم «الأمية» ومواجهة عدم القدرة على التعامل مع التكنولوجيا

كتب: رؤى ممدوح

خبراء تربويون يطالبون بتحديث مفهوم «الأمية» ومواجهة عدم القدرة على التعامل مع التكنولوجيا

خبراء تربويون يطالبون بتحديث مفهوم «الأمية» ومواجهة عدم القدرة على التعامل مع التكنولوجيا

فى ضوء حملة «الوطن» لمحو الأمية تحت شعار «معاً نُضىء عقولاً ونمحو الأمية»، وتأكيداً على أن التعليم هو الركيزة الأولى للتنمية المستدامة، طرح عدد من الخبراء التربويين روشتة وطنية شاملة لمواجهة الأمية بمفهومها العصرى، تشمل التعليم الأبجدى والتكنولوجى والمهنى.

وأكد التربويون، ومنهم الدكتور جمال العربى، وزير التربية والتعليم الأسبق، والدكتور تامر شوقى، أستاذ علم النفس التربوى بجامعة عين شمس، أن الأمية لم تعد مجرد خلل فى مهارات القراءة والكتابة، بل أصبحت خطراً يمس أمن المجتمع واستقراره، الأمر الذى يتطلب تحركاً فعّالاً من جميع مؤسسات الدولة، فى تناغم مع المجتمع المدنى والقطاع الخاص، لتنفيذ إجراءات واقعية تُنقذ ملايين المواطنين من دائرة التهميش والجهل.

«العربى»: تعزيز الشراكة المجتمعية وتكامل مؤسسات الدولة مع المجتمع المدنى

وفى إطار الجهود الوطنية المبذولة، قدَّم الدكتور جمال العربى، وزير التربية والتعليم الأسبق، رؤية شاملة للقضاء على الأمية فى مصر، حيث ترتكز على مبدأ التعلُّم مدى الحياة، وتعزيز الشراكة المجتمعية، وتكامل مؤسسات الدولة مع المجتمع المدنى والقطاع الخاص، مؤكداً أن هذه الشراكة تأتى كروشتة تنفيذية يمكن للقيادة السياسية والجهات التنفيذية البناء عليها لتفعيل استراتيجية فعالة ومستدامة لمحو الأمية، من خلال التكامل المؤسسى والتخطيط طويل المدى وضرورة التعاون الحقيقى والمستمر بين مؤسسات الدولة المعنية بمحو الأمية، وتوحيد جهودها ضمن خطة وطنية شاملة، لافتاً إلى ضرورة تبنى مبدأ التعلُّم مدى الحياة كممارسة وثقافة مجتمعية فى جميع القطاعات، وليس فقط كمشروع مؤقت، وتابع: «كذلك لا بد من الاهتمام بتوسيع نطاق الشراكة مع القطاع المدنى، والخاص، وقطاع الأعمال، ضمن منهجية واضحة تقوم على الحوكمة والتنسيق الدقيق».

وحول المنهجية التى يجب الاعتماد عليها لمحو الأمية، أكد وزير التعليم الأسبق ضرورة إشراك أصحاب الخبرة والمثقفين فى مراجعة خطط محو الأمية وتطويرها بناء على تحليل الواقع وتقييم الأداء، ومواجهة التسرب من التعليم، إضافة إلى أهمية نشر ثقافة مكافحة التسرب المدرسى، مع دعم الأسر لضمان بقاء أبنائهم فى المدرسة، ودعوة مؤسسات المجتمع المدنى إلى تبنى حالات التلاميذ المعرضين للتسرب ودعمهم علمياً ومالياً، من خلال تنظيم ندوات توعوية، وإقامة لقاءات مجتمعية وتنفيذ برامج دعم مباشر داخل المدارس، إضافة إلى دعم حقيقى وليس شكلياً وحث رجال الأعمال والمنظمات غير الحكومية على دعم مادى ومعنوى حقيقى للمبادرات الحكومية فى محو الأمية، وأضاف: «من الضرورى جداً محاسبة كل من يُقصّر فى أداء دوره، سواء كان جهة حكومية أو فرداً مسئولاً، عن تقديم الخدمة التعليمية وتطوير البرامج والمناهج والتعليم الموجه».

وشدد «العربى» على أهمية تعزيز البرامج التعليمية الموجهة للفئات الأكثر احتياجاً فى المناطق الريفية والعشوائية والمهمشة، مشيراً إلى أنها من الركائز الأساسية لمحو الأمية، ودعم تطوير المناهج الدراسية لتصبح أكثر ارتباطاً باحتياجات المجتمع، وأكثر فاعلية فى تنمية المهارات الأساسية، إضافة إلى أنها توفر معلمين مؤهلين ومدربين لتوصيل المعرفة بطرق فعالة من خلال تنظيم حملات محو أمية وورش عمل لتعليم القراءة والكتابة وتوفير تمويل مستدام وإمدادات تعليمية كافية لضمان استمرارية برامج محو الأمية. كما شدد على أهمية وجود تحفيز مجتمعى شامل وإطلاق حملات إعلامية وتوعوية واسعة النطاق حول أهمية التعليم وأثره على الأسرة والمجتمع، عن طريق تحفيز الأسر على دفع أبنائها نحو الاستمرار فى التعليم، بما يضمن تحصين الأجيال القادمة ضد الوقوع فى دائرة الأمية مجدداً.

«طايل»: تبنى خطوات فعالة لمحو الأمية

من جهته، دعا الدكتور أمير طايل، الخبير التربوى، إلى ضرورة إعادة تعريف مفهوم الأمية فى ضوء المتغيرات المعاصرة، بحيث لا تقتصر على الجهل بالقراءة والكتابة، بل تمتد لتشمل الأمية التكنولوجية التى تعيق اندماج المواطن فى المجتمع الرقمى الحديث، وأكد «طايل» أن التعامل مع الأمية ينبغى أن ينطلق من رؤية شاملة تتكامل فيها الجوانب التربوية والتنظيمية والرقابية، بما يضمن معالجة جذور المشكلة، لا مجرد مظاهرها، وأوضح أن الرؤية يجب أن تتضمن عدة محاور، من خلال تحديث المفهوم الرسمى للأمية وتبنى مصطلح الأمية الشاملة الذى يشمل عدم الإلمام بالقراءة والكتابة، وعدم القدرة على التعامل مع أدوات التكنولوجيا الأساسية، وضبط آليات الانتقال بين الصفوف الدراسية، حيث أشار «طايل» إلى أن بعض الطلاب ينتقلون تلقائياً من مرحلة إلى أخرى دون امتلاك الحد الأدنى من المهارات، ما يؤدى إلى تفاقم ظاهرة الأمية المقنعة، مطالباً بتفعيل أدوات الرقابة التربوية على آليات النقل، لا سيما فى التعليم الأساسى، بالإضافة إلى ضرورة تأهيل المعلمين فى المرحلة الابتدائية.

وشدد الخبير التربوى على أهمية إعداد الكوادر التعليمية القادرة على التعامل مع المتعلمين فى سنواتهم الأولى، بحيث لا يُسمح بمرور أى طالب دون التأكد من إتقانه لمهارات القراءة والكتابة الأساسية. وحول مكافحة التسرب من التعليم قال: «يتم ذلك من خلال استهداف المناطق الأكثر عرضة لترك الدراسة، وتوفير حوافز تعليمية واجتماعية تبقى الطالب داخل المنظومة التعليمية، بالإضافة إلى إدماج محو الأمية الرقمية فى المدارس عبر تدريب الطلاب على المهارات التكنولوجية الأساسية، مثل استخدام الحاسوب والتعامل مع الإنترنت بأمان وفاعلية»، مؤكداً أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030 لن يكتمل دون مواجهة الأمية بمفهومها الجديد، مشيراً إلى أن الرؤية المقترحة تمثل دعوة للجهات السياسية والتنفيذية لوضع هذا الملف فى مقدمة أولوياتها.

«شوقى»: توفير أخصائيين نفسيين واجتماعيين لمواجهة صعوبات التعلُّم

وأكد الدكتور تامر شوقى، أستاذ علم النفس التربوى، أن الأمية تمثل واحدة من أخطر التحديات التى تواجه الدولة المصرية، لافتاً إلى أنها لا تؤثر فقط على جهود التنمية الشاملة، بل تسهم أيضاً فى تكريس مشكلات كالفقر والبطالة والمرض والتطرف، وقال إن القضاء على الأمية أصبح ضرورة وطنية عاجلة، وليس خياراً مؤجلاً، مطالباً الحكومة بتبنى روشتة عملية تشمل نشر الوعى بخطورة الأمية، حيث يجب إطلاق حملات توعية عبر وسائل الإعلام المختلفة، المرئية والمسموعة والمقروءة، للتأكيد على خطورة الأمية على الفرد والمجتمع، وعلى أهمية التعليم كحق ومصير وطنى، إضافة إلى ضرورة دعم الأسر الفقيرة مادياً ومعنوياً، إذ إنه من الضرورى إعفاء الأسر فى المناطق الفقيرة من أى مصروفات دراسية، وتقديم دعم مادى وعينى لضمان استمرار أبنائهم فى التعليم، بدلاً من إجبارهم على التسرب والعمل فى سن مبكرة.

كما لفت أستاذ علم النفس إلى ضرورة توفير التغذية المدرسية المجانية، من خلال صرف وجبات غذائية مجانية للطلاب، لا سيما فى القرى والمناطق الأكثر احتياجاً، والذى من شأنه أن يحفّز الأسر على إرسال أبنائهم إلى المدارس بانتظام، وشدد «شوقى» على أن الرعاية الصحية المدرسية من الأمور الضرورية والمهمة، وأضاف: «ينبغى إنشاء مراكز صحية داخل المدارس أو بالقرب منها؛ للكشف المبكر عن الأمراض الشائعة التى تعيق التحصيل الدراسى مثل الأنيميا والنحافة والسمنة والقزامة، مع توفير العلاج المجانى»، ولفت إلى أهمية توفير أخصائيين نفسيين واجتماعيين لمواجهة صعوبات التعلُّم، موضحاً: «تعيين أعداد كافية من الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين ضرورة ملحة لتشخيص ومعالجة صعوبات التعلُّم، التى تمثل أحد الأسباب الأساسية فى غياب الأطفال عن المدارس».


مواضيع متعلقة