الأمين العام للمؤتمر الإسلامي الأوروبي: الإخوان لا يخدمون فلسطين وليست لديهم رؤية لإدارة مصر ولا أي دولة أخرى
الأمين العام للمؤتمر الإسلامي الأوروبي: الإخوان لا يخدمون فلسطين وليست لديهم رؤية لإدارة مصر ولا أي دولة أخرى
منذ فشل تجربة حكم الإخوان فى 2012 إلى 2013، تنوعت جرائم الجماعة الإرهابية على مدار السنوات الأخيرة؛ من أعمال عنف إلى اغتيالات، ومن تحريض على الدولة إلى محاولات الاستقواء بالخارج، حتى وصل الأمر إلى التظاهر فى «تل أبيب»، وبتصريح من الحكومة الإسرائيلية، ضد مصر. وفى محاولة لفهم هذا المشهد، حاورنا الدكتور محمد بشارى، الأمين العام للمجلس العالمى للمجتمعات المسلمة، والأمين العام للمؤتمر الإسلامى الأوروبى، وأحد المفكرين العرب المتخصصين فى مجال فلسفة الدين والجماعات الإسلامية، الذى وصف جماعة الإخوان بأنها تعتقد نفسها فوق الدولة، وتعتمد على مفهوم الولاء، وتعانى من ازدواجية، مؤكداً أنها تحاول توظيف القضية الفلسطينية لكسب شرعية ولتحقيق أهداف سياسية لصالح التنظيم ضد مصر، وغيرها من الدول العربية الوطنية، وإلى نص الحوار:
الإخوان يعانون من الازدواجية وغياب المشروع.. ويعتقدون أن جماعتهم فوق الدولة.. ومفهوم الولاء ليس مجرد خيار عقدى ومرجعية التنظيم أعلى من الانتماء للوطن
■ فى ضوء الأحداث الأخيرة التى تشهدها غزة.. هل جماعة الإخوان تتاجر بالقضية الفلسطينية للعودة إلى المشهد؟
- القضية الفلسطينية قضية عادلة، ولا يجوز توظيفها كأداة لتعويض الفشل السياسى أو كسب الشرعية. وقد ثبت، وفق وثائق وتحقيقات، أن بعض فروع الجماعة استثمرت مآسى الفلسطينيين ويحاولون توظيف القضية الفلسطينية من أجل العودة إلى المشهد السياسى، كما حصل مؤخراً فى مظاهرات أبريل 2025 فى المغرب وليبيا والأردن. التضامن مع فلسطين واجب دينى وأخلاقى، لكن تحويله إلى وسيلة للضغط السياسى أو لتمرير أجندات داخلية يُفرغه من مضمونه الإنسانى ويُسىء إلى عدالة القضية. القضية الفلسطينية تحولت أحياناً إلى «شهادة حُسن سلوك» تُقدم للشارع الإسلامى، بحيث يُمنح التنظيم شرعية بسبب خطابه عن فلسطين، بصرف النظر عن واقعه الداخلى. وهذا الاستخدام السياسى للقضية لا يقتصر على الإخوان وحدهم، بل يتكرر لدى جماعات إسلاموية متعددة، تضع فلسطين فى واجهة خطابها، لكنها لا تُقدم برامج حقيقية تخدم الشعب الفلسطينى.
■ هل ترى أن جماعة الإخوان تحاول توظيف القضية الفلسطينية لكسب شرعية أو للضغط على الحكومات والأنظمة؟
- نعم، وهى ممارسة قديمة وجارية. بعض الجماعات - بما فيها الإخوان والسلفية الجهادية - يتخذون من فلسطين رافعة أيديولوجية لترسيخ شرعيتهم الدينية، وجعل خطابهم فوق النقد. يرفعون شعار «تحرير القدس»، فى حين أن خطابهم الداخلى يمزق الأوطان. يوظفون الجهاد فى الخارج، ويستعملون مفاهيم الولاء والبراء لتكفير الداخل. وهذه المفارقة هى التى جعلت الجماهير تفقد الثقة فى صدقية هذا الخطاب.
شعارات «الشريعة والنهضة والتنمية» لم تترجم إلى سياسات واضحة.. و«مشروع النهضة» كان يفتقر إلى الواقعية
■ لك كتابات واسعة عما سميته بـ«فقه الدولة» و«فقه الجماعة».. ما المقصود بالفقهين وأبرز الاختلافات بينهما؟
- الفرق بين فقه الجماعة وفقه الدولة ليس مجرد اختلاف اصطلاحى، بل هو اختلاف فى المرجعية والوظيفة والمقصد. فقه الجماعة يُنتج داخل سياق جماعة مغلقة، تُعرّف نفسها انطلاقاً من «نحن» مقابل «هم»، أى وفق منطق الانتماء والولاء. يتأسس على مركزية التنظيم، وعلى فكرة «الفرقة الناجية»، ويشتغل على تثبيت الهوية، وتحقيق التمايز، ويمنح الأولوية لحفظ الكيان الداخلى على حساب التفاعل مع الخارج. وعادة ما يغلب فيه البُعد الدعوى والتعبوى على الأفق المؤسساتى والمدنى.
أما فقه الدولة، فيقوم على منطق السيادة والمؤسسات، وعلى تعاقد اجتماعى واسع تتعايش فيه التيارات والأديان والأعراق، وهو فقه مفتوح على فقه القانون وفقه الواقع، ويسعى لتحقيق المصلحة العامة، وإدارة التعدد، وتحييد السلطة عن منطق التمذهب. الدولة لا تُدار بعقلية «البيعة» أو «السمع والطاعة»، بل بمنطق الدستور والتشريع والنظام العام. وبالتالى، فبين الفقهين تباينٌ فى البنية والوظيفة: فقه الجماعة يصوغ مجتمعاً متماثلاً تنظيمياً، بينما فقه الدولة يصوغ مجتمعاً متعدّداً متماسكاً.
■ هل توصيف فقه الجماعة بأنه يغلب عليه منطق الولاء ينطبق تماماً على جماعة الإخوان؟
- نعم، هذا توصيف دقيق، بل هو جوهر الإشكال. ففقه الجماعة - كما تبلور فى تجربة الحركات الإسلامية الحديثة، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين - لم ينفصل يوماً عن منطق «العصبة» و«الصف التنظيمى». ولذلك فإن مفهوم الولاء ليس مجرد خيار عقدى، بل هو التزام تنظيمى، يجعل «الجماعة» فوق الدولة أحياناً.
■ وهل الجماعة ترى نفسها أنها فوق مفهوم الدولة الوطنية؟
- نعم، الانتماء للجماعة مرجعية أعلى من الانتماء للوطن، ويُعاد تأويل المفاهيم الدينية كـ(البيعة، والطاعة، والجهاد) ضمن هندسة تعبوية تصب فى مصلحة التنظيم. ومن هنا جاء التضخم فى مفاهيم مثل «التمكين»، و«الاستضعاف»، و«الفرقة الناجية»، التى أُفرغت من مقاصدها الشرعية، واستُعملت أدوات لإعادة هندسة الجماعة لا الأمة.
■ لماذا لا تزال الجماعة عاجزة عن التفاعل مع مفهوم الدولة الوطنية؟
- لأن تصورها للدولة لم يتجاوز «الدولة الإسلامية الأيديولوجية»، التى تتحقق بقيام «الخلافة»، أو «تمكين الشريعة» فى ظل حكم المرشد. الجماعة تنظر إلى الدولة الوطنية كـ«ضرورة واقعية»، لا كـ«مشروع مدنى» يعبر عن الإرادة العامة. كما أن سردياتها المؤسسة تتعامل مع الدولة الوطنية باعتبارها «نتاج سايكس-بيكو»، وبالتالى لا شرعية لها إلا بقدر ما تخدم «مشروع الجماعة». فهى تتبنى منهج أن الجماعة فوق الدولة وأن التنظيم فوق الأمة، وهذا المنطق يُقصى مفهوم الوطن، ويجعل فكرة التنظيم الأممى (التنظيم الدولى) بديلاً عن السيادة الوطنية.
فترة حكم الإخوان أبرزت هشاشة الرؤية السياسية للجماعة وغياب الجاهزية وانفصال القيادة عن الواقع.. وارتكبت أخطاء تسببت فى عزلها شعبياً وسياسياً
■ كيف تعتبر الجماعة نفسها أنها فوق الوطن.. أو أن الدولة مجرد أداة فى مشروع تمكينها المزعوم؟
- هذا ما عبّرت عنه العديد من الوثائق التنظيمية، حيث كانت الجماعة تُعيد تعريف المؤسسات وفق هندستها الخاصة: الرئيس هو «أخٌ مسئول». القضاء يُعاد تأويله فى ضوء «الشرع». الجيش يخضع لـ«البيعة العامة». إنها رؤية ترى الدولة مجرد وسيلة لـ«التمكين»، وليس كياناً تعاقدياً تحكمه شرعية قانونية ومؤسساتية. ولذلك، تفشل الجماعة دائماً فى بناء مشروع وطنى جامع، لأنها تعتبر نفسها «جماعة فوق الدولة»، لا جزءاً من نسيجها السياسى والاجتماعى.
■ كيف تقيّم تجربة الإخوان فى الحكم فى مصر عام 2012؟
- تجربة الإخوان فى الحكم بعد 2011 يمكن توصيفها باختصار بأنها فرصة تاريخية فشلت فى أن تتحوّل إلى مشروع مؤسسى. والسبب فى ذلك لا يعود فقط إلى الظروف السياسية المحيطة أو خصوم الجماعة، بل إلى غياب رؤية استراتيجية حقيقية لإدارة الدولة من داخل الجماعة نفسها. لقد دخل الإخوان سدة الحكم، وكان أمامهم رصيد هائل من الدعم الشعبى والتاريخى، وتطلعات واسعة لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة. لكنهم تعاملوا مع المرحلة بمنطق «الاستحواذ لا التأسيس»، وبعقلية التنظيم المغلق لا المؤسسة المنفتحة. وكان خطابهم يتردد بين أدبيات «الشرعية» و«التمكين»، وبين تصريحات مطمئنة حول الشراكة، دون أن يقدموا خريطة واضحة المعالم للانتقال الديمقراطى أو للتنمية الشاملة.
يمكن القول إنها تجربة قصيرة ومكلفة، أبرزت هشاشة الرؤية السياسية للجماعة، وغياب الجاهزية المؤسساتية، وانفصال القيادة عن الواقع. كانت الجماعة تظن أن الوصول إلى الحكم هو «التمكين»، ولم تستوعب أن الدولة ليست منبراً للخطابة، بل منظومة معقدة من المصالح والسلطات. اصطدمت بالحكم المدنى، وبمفهوم الشراكة السياسية، وطبيعة العلاقات الدولية وإكراهاتها، ولم تنجح فى طمأنة شركائها أو خصومها، ما أدى إلى عزلها شعبياً قبل أن تُعزل سياسياً. والدرس الأهم: أن الشرعية الانتخابية لا تكفى، إن لم تُدعّم بشرعية الكفاءة والتمثيل والتوافق، وأن قيمة الأمن القومى والسلم المجتمعى مقدم عن العدل القضائى والعدالة الاجتماعية، والجمع بينها أحوط.
■ ما أبرز أخطاء الإخوان خلال تجربة حكمهم فى مصر برأيك؟
- من الأخطاء الكبرى التى وقعت فيها الجماعة: تهميش القوى الوطنية والمدنية، والتعامل معها باعتبارها إما عدواً أو تابعاً. وعدم تطوير خطاب سياسى وطنى، بل اعتماد خطاب هوياتى شعارى، لا يحل المشاكل الحقيقية للمواطن. واستمرار العمل بالتنظيم السرى، ما أحدث شرخاً بين الدولة العميقة والجهاز السياسى الجديد. وغياب الكفاءات داخل أجهزة الدولة، واعتماد التعيين على معيار الولاء لا الكفاءة. والعجز عن تقديم خطاب خارجى متماسك، يعكس استقلالية القرار الوطنى عن التنظيم الدولى.
■ هل كانت الجماعة تمتلك رؤية واضحة لإدارة دولة بحجم مصر؟
- لا، لم تكن تمتلك رؤية حقيقية لا فى مصر ولا فى الدول الأخرى التى عرفت تجربة حكم الإسلاميين. كانت لديها شعارات كبيرة: «الشريعة»، «النهضة»، «التنمية»، لكنها لم تترجم إلى سياسات واضحة. حتى وثيقة «مشروع النهضة» كانت تفتقر إلى الواقعية، ومليئة بالشعارات والمفردات التعبوية، دون تفصيل فى الملفات الحيوية كالأمن القومى، الاقتصاد، العلاقات الدولية، أو الإصلاح المؤسسى. لقد تصرفت الجماعة وكأن الدولة امتداد للتنظيم، لا أنها كيان مستقل يخضع لدستور وقانون ومعادلات دولية معقدة.
تسييس الدين لخدمة الأهداف الحزبية من أكبر مشكلات الإخوان وحوَّلوا خصومهم إلى «أعداء للدين» ويؤمنون بأن «التنظيم الدولى» هو بديل السيادة الوطنية
■ هل من أخطاء الإخوان أنها قامت بتسييس الدين وتديين السياسة؟
- نعم. وهذا من أخطر الإشكاليات فى تجربة الحركات الإسلامية عموماً. لقد جرى توظيف الخطاب الدعوى فى خدمة الطموحات السياسية، وتمّ تديين الاختلاف السياسى، وتحويل الخصوم إلى «أعداء الدين». وهنا يتشكل خطر مزدوج: تسييس الدين: بحيث يتم تأويل النصوص لخدمة أهداف حزبية. وتديين السياسة: بحيث يصبح الخلاف مع الجماعة كفراً بالمشروع الإسلامى ذاته. هذه الازدواجية خلقت توتراً دائماً بين الجماعة والمجتمع، وأدخلت الدين فى معارك لا ناقة له فيها ولا جمل.
الجماعات تعانى من غموض فى علاقتها بالدين والدولة وتواجه إشكالات واقعية فى التفاعل مع المتغيرات
فمن جهة، تعانى هذه الجماعات من غموض فى تحديد علاقتها بالدين والدولة: هل هى دعوية أم سياسية؟ هل هى تيار إصلاحى أم مشروع حكم؟ ومن جهة أخرى، تواجه إشكالات واقعية فى التفاعل مع المتغيرات: الحداثة السياسية، العولمة، الاقتصاد الرقمى، وإشكاليات الدولة الوطنية. المستقبل -فى تقديرى- ليس مع استنساخ هذه الجماعات، بل مع تفكيك بنيتها الفكرية، وتحصين شبابنا من أفكار التكفير والتطرف. وإذا استمرت هذه الجماعات فى الخلط بين المقدَّس والتنظيمى، وبين الدعوى والسياسى، فإنها لن تجد لها موضعاً فى المستقبل، لا فى السياسة، ولا فى المجتمع، ولا فى الوجدان.
مآلات فشل «الإخوان» هى نهاية أطروحة «الدولة الإسلامية» الكلية كما روَّجوا لها فى القرنين الماضيين بعد أن فشلوا فى إيران والسودان
■ هل يعنى ذلك أننا نعيش مرحلة نهاية أسطوة «الدولة الإسلامية»؟
- مآلات فشل تلك الجماعة هى نهاية أطروحة «الدولة الإسلامية» الكلية كما رُوِّج لها فى القرنين الماضيين، بعد أن فشلت تجارب الإسلاميين فى الحكم، من إيران إلى السودان، ومن تركيا إلى مصر. وصعود الدولة الوطنية كإطار شرعى، وحضارى يُنظِّم الحياة السياسية والدينية معاً، وانكشاف البنية التنظيمية لهذه الجماعات، التى اتضح أنها تعمل وفق منطق مغلق، له ارتباطات بأجندات خارجية، وغير مؤهل لإدارة التعدد. ناهيك عن إنتاج السياسات العمومية، وصعود الوعى الشعبى، الذى بات يميز بين الدين كمجال قيمى، وبين الحركات الدينية كأدوات سياسية، مما أضعف شعبية هذه الجماعات.
■ هل اُختزلت القضية الفلسطينية كأداة تعبوية فى يد الجماعات المتأسلمة مثل الإخوان.. وهل يشكل ذلك جزءاً من عملية تصفية القضية الفلسطينية؟
- منذ تأسيسها، وضعت جماعة الإخوان -مثل تيارات الأحزاب اليسارية والقومية العربية وغيرها- القضية الفلسطينية فى مركز خطابها التعبوى، وقدَّمتها بوصفها «أم القضايا» التى تُختبر فيها الأمة الإسلامية بين الإيمان والنفاق، وبين الجهاد والتخاذل. وكان ذلك نابعاً -فى مراحله الأولى- من منطلق أيديولوجى، تَمثَّل فى الربط بين تحرير فلسطين ونهضة الأمة. لكن بمرور الزمن، وخصوصاً منذ سبعينيات القرن العشرين، بدأ يظهر نوع من الاستثمار السياسى الموجَّه للقضية، خاصة فى الخطابات الجماهيرية، والأنشطة التعبوية، وتجنيد الشباب، فقد أصبحت «فلسطين» تمثل أداة لشرعنة التنظيم، ومحوراً لتحريك المشاعر، وتبرير التوسُّع، بل أحياناً لتبرير التغوُّل على الخصوم أو تخوينهم.
ويُلاحظ فى هذا السياق أن الخطاب الفلسطينى الإخوانى كان دائماً يُختزل فى دعم حماس، دون اعتبار للتعدد الفلسطينى الداخلى، أو تعقيدات الصراع، مما حوَّل القضية إلى زاوية حزبية لا إلى شأن وطنى جامع. وعندما دخلت الجماعة الحكم فى مصر (2012 - 2013) لم تُحدث تحولاً نوعياً فى دعم فلسطين، بل ظلت على ذات المستوى الخطابى، دون استراتيجية متكاملة.
■ وإلى أى مدى أضر هذا الاختزال من الإخوان وغيرها من الجماعات بالقضية الفلسطينية؟
- هذا «الاختزال» للقضية من زاوية الشرعية السياسية أضرّ بفلسطين أكثر مما نفعها، لأنه حوَّلها من قضية شعب إلى شعار تنظيمى، ففقدت بُعدها الإنسانى والقانونى. وأدخلها فى حسابات المحاور الإقليمية، حيث يُستخدم اسمها دون التفات إلى آلام الفلسطينيين. وهمَّش المؤسسات الفلسطينية الرسمية، وأضعف التوافق الوطنى لصالح فصائل مرتبطة بأجندات خارجية، وأستطيع القول إن استخدام فلسطين كأداة شرعية بات سلوكاً متكرراً فى المشهد الإسلاموى، ويستلزم -فى المقابل- استعادة القضية فى سياقها التحررى الوطنى، وإخراجها من البازار الأيديولوجى، لتعود كما كانت.
■ هل نحتاج اليوم إلى ما يمكن تسميته بـ«تجديد خطاب القضية الفلسطينية»؟
- نعم، الوضع الحالى يُلزمنا اليوم بإعادة تأهيل الخطاب الإسلامى والعربى حول فلسطين، من خلال التحرر من التوظيف الأيديولوجى، واعتبار منظمة التحرير الفلسطينية بكل فصائلها وتياراتها الإصلاحية هى الممثل الوحيد للشعب الفلسطينى، وتجاوز اختزالها فى تنظيم بعينه، وإنما هى قضية شرعية دولية تتولى الدول الإسلامية الأعضاء فى الأمم المتحدة مسئوليتها وتثبيت محورها كقضية إنسانية عادلة تتجاوز الاصطفافات. باختصار، ما لم تتحرر فلسطين من «الشرعنة التنظيمية» ستبقى أداة فى يد مشاريع لا ترى فيها إلا مكاسب لا حقوقاً.
الجماعات التى تتخذ من الدين وسيلة للوصول إلى السلطة ستواجه نهاية وظيفية وتاريخية وسوف تتآكل ذاتياً أو تُقصى مجتمعياً
■ أخيراً.. فى ظل التحولات العالمية، ما مستقبل الجماعات الدينية المتطرفة الساعية للحكم مثل جماعة الإخوان وغيرها؟
- المستقبل - فى اعتقادى - للدين المدنى، لا للدولة الدينية. الجماعات التى تتخذ من الدين وسيلة للوصول إلى السلطة ستواجه نهاية وظيفية وتاريخية، لأن المجتمعات اليوم تطالب بإدارة رشيدة، لا شعارات دينية. المستقبل هو للخطاب المقاصدى الذى يدمج بين مقاصد الشريعة، ومبادئ الدولة الحديثة: السلم، الأمن، العدالة، الكرامة، الحرية، التعدد، والمواطنة. أما الحركات التى ما زالت تعيش فى منطق الجماعة المغلقة، أو الحاكمية، أو الاستعلاء باسم الإسلام، فإنها ستتآكل ذاتياً، أو تُقصى مجتمعياً.
الإشكاليات الفكرية
من أبرز الإشكاليات التى رافقت نشأة الجماعة الازدواجية فى المرجعية، فقد جمعت بين السلفية العقدية، والصوفية السلوكية، والحركية السياسية، دون منهج واضح فى التوفيق بينها. وغياب المشروع الفقهى المؤسسى، حيث ركزت الجماعة على التعبئة لا على بناء فقه الدولة والمؤسسات. وتبنى مفهوم «الحاكمية» عند سيد قطب، وهو مفهوم استُورد من فكر أبى الأعلى المودودى، وحُمّل دلالات تكفيرية، وتأليه التنظيم، بحيث أصبح التنظيم هو المعيار لا مقاصد الشريعة، وتقدمت بيعة المرشد على شرعية الدولة، والخلط بين الدعوى والسياسى دون وعى دقيق بفصل السلطات أو طبيعة المجال العام فى الدولة الحديثة، وهذه الإشكاليات ليست تأريخاً سلبياً، بل هى دعوة لقراءة نشأة الجماعة ضمن سياقها الكولونيالى، أى الاستعمارى، والمرتبط بأجندات طمعياتية خارجية، ثم تحليل عجزها عن التطور الفكرى والسياسى فى زمن الدولة الوطنية.