تجديد المنهج الإعلامي

بقلم: رفعت رشاد كتب: محرر

تجديد المنهج الإعلامي

تجديد المنهج الإعلامي

إن الدور الأساسى للإعلام التأثير على الرأى العام، ليس مجرد نقل الأخبار أو كتابة التقارير والتحليلات السياسية، إنما بالنسبة للدولة، أى دولة، الإعلام هو وسيلة التأثير على الرأى العام. فهو الوسيلة التى تحشد الناس خلف مسيرة الدولة وخططها، بإقناع الرأى العام بجدوى هذه الخطط وتلك المسيرة. الإعلام ليس أداة للتسلية والتفكه. هذا النوع من الصحافة أو الإعلام ربما يوجد أحياناً فى صفحة التسالى أو فى فقرة التندر، لكن الإعلام حالياً يعد عنصراً أساسياً من عناصر وأعمدة قوة الدولة الناعمة، سواء فى الداخل أو فى الخارج، ولذلك من الخطورة بمكان تخطيط منهج جديد مؤثر وفعال لإعلامنا يعيد تصحيح المسار ويقود الإعلام العربى، ويدرأ الخطر عن هجمات كواسر الإعلام الأجنبى والإقليمى المحيط بنا من كل جانب.

كان الإعلام فى مصر أداة فاعلة فى تشكيل الوعى الجمعى وصياغة الرأى العام، ليس فى الداخل المصرى فقط، بل فى المنطقة العربية بأسرها. فمنذ بدايات القرن العشرين، ومع بروز الصحافة المصرية كقوة مؤثرة فى الثقافة والسياسة، مروراً بمرحلة الخمسينات والستينات التى شهدت صعود صوت «صوت العرب» كمنبر لتحرير الشعوب العربية من الاستعمار، وحتى مرحلة التسعينات وبداية الألفية التى ارتبطت بانتشار الفضائيات الخاصة والبرامج الحوارية، ظل الإعلام المصرى رائداً وصانعاً للتأثير.

لكن فى كل مرحلة تاريخية، ولكل حقبة زمنية خطابها الإعلامى الذى يناسبها ويعبر عنها. واليوم، نحن فى مرحلة مختلفة، مرحلة تتسم بسرعة تدفق المعلومات، وتعدد المنصات الإعلامية، وتراجع قدرة الإعلام التقليدى وحده على السيطرة على وعى الجمهور. وهنا تبرز الحاجة الملحة إلى تجديد المنهج الإعلامى.

اجتماع الرئيس عبدالفتاح السيسى مؤخراً مع قادة الأجهزة الإعلامية فى مصر جاء ليضع هذه القضية على الطاولة بجدية. فالمطلوب اليوم ليس فقط إدارة وسائل الإعلام، بل إعادة صياغة منهجها وفلسفتها، بما يتوافق مع متطلبات الدولة الوطنية الحديثة وظروف الإقليم والعالم. مصر تعيش مرحلة إعادة بناء شاملة على المستويات كافة، من بنية تحتية ومشروعات قومية كبرى إلى استعادة مكانتها الإقليمية والدولية، والإعلام لا بد أن يكون شريكاً فى هذه المسيرة، داعماً لها ومحتشداً خلفها، دون أن يفقد قدرته على الإقناع والتأثير.

إن صياغة منهج جديد للإعلام المصرى تطرح عدة أسئلة محورية: كيف يمكن الحفاظ على الرسالة الإعلامية الوطنية للدولة، وفى الوقت نفسه تحريك الرأى العام وتعزيز ثقته بالمشروع الوطنى؟ كيف يمكن بناء خطاب إعلامى لا يكتفى بالإنجازات المادية الملموسة، بل يلامس العقول والقلوب ويخاطب وجدان الناس؟

يبدأ هذا من إدراكنا بأن الإعلام لم يعد أداة محتكرة من أدوات الدولة، بل أصبح ميداناً مفتوحاً تتنافس فيه الأفكار والروايات والرسائل من مصادر متعددة. وبالتالى، فإن الإعلام المصرى بحاجة إلى تطوير أدواته، ليس فقط على مستوى الشكل والتقنيات، بل على مستوى المضمون والخطاب. المطلوب إعلام يواكب لغة العصر.

التحدى الأكبر توفير كوادر إعلامية مؤهلة، تمتلك أدوات الخطابة، وتفهم أساليب الإقناع، وتجيد التعامل مع علم النفس الجماهيرى. فالإعلام ليس مجرد نقل معلومة، بل فن التأثير وصناعة الرأى. كما أن المصداقية والشفافية حتمية، فالمواطن لم يعد يكتفى بالإعلام الرسمى أو الخطابات الإنشائية، بل يريد المعلومة الموثوقة، والتحليل الموضوعى، والمصارحة بالحقائق. المصداقية هى رأس المال الحقيقى للإعلام.

تاريخ الإعلام المصرى يضع أمامنا مسئولية جسيمة. هذا الإعلام الذى كان له السبق فى ريادة المنطقة العربية، والذى لطالما مثّل صوت مصر فى الخارج، لا يليق به أن يظل أسيراً لقوالب قديمة أو خطابات تقليدية لم تعد تناسب روح العصر. العالم من حولنا يتغير بسرعة، والإعلام أضحى سلاحاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن السلاح العسكرى أو الاقتصادى.

إن التاريخ يعلمنا أن الأمم التى تجعل من إعلامها قوة فاعلة، تضمن لحاضرها تماسكاً ولمستقبلها حضوراً. ومصر، بما لها من ثقل حضارى وريادة تاريخية، تستحق أن تمتلك إعلاماً يليق بها. إن تجديد المنهج الإعلامى فى مصر لم يعد خياراً، بل ضرورة وجودية تفرضها طبيعة المرحلة.


مواضيع متعلقة