يوسف القعيد: عبقرية «أديب نوبل» ما زالت حاضرة.. «سمع خبر الفوز وراح قعد على القهوة»

كتب: رؤى ممدوح

يوسف القعيد: عبقرية «أديب نوبل» ما زالت حاضرة.. «سمع خبر الفوز وراح قعد على القهوة»

يوسف القعيد: عبقرية «أديب نوبل» ما زالت حاضرة.. «سمع خبر الفوز وراح قعد على القهوة»

قال الأديب والروائى يوسف القعيد إن نجيب محفوظ كان صاحب مشروع متكامل، استطاع بصدق كتاباته وجودتها الأدبية العالية، والقضايا الإنسانية التى تناولها فى رواياته وقصصه القصيرة أن يظل حاضراً فى الوجدان العربى والعالمى رغم مرور 19 عاماً على وفاته، مشيراً إلى أنّ شهرة أعماله جعلت كتاب السيناريو ومنتجى السينما والمخرجين والممثلين يلتفتون إليها باهتمام كبير.

ولفت «القعيد» فى حواره مع «الوطن»، إلى أنّ «محفوظ» لم يكن يخضع لأى قيود تمنعه من التعبير عن أفكاره، وأنّ الحرية الإبداعية كانت جزءاً أساسياً من فلسفته الأدبية، حيث كان يكتب بما يراه مناسباً للقضايا الإنسانية والاجتماعية دون خوف.. وإلى نص الحوار:

■ فى رأيك كيف ترى تأثير نجيب محفوظ على الأدب العربى المعاصر؟

- تأثير نجيب محفوظ على الأدب العربى المعاصر لا يمكن تقييمه بسهولة، فقبل أن ألتقى به شخصياً كنت أقرأ له باستمرار فى جريدة الأهرام، وكنت أتابع مشروعه الروائى بعين قارئ واعٍ، ولولاه لما كان هناك ذلك الجيل الأدبى النّشط فى ستينات القرن الماضى، الجيل الذى كان يجتمع فى مقاهٍ مثل «ريش» و«الفيشاوى» لمناقشة الأدب وفن الرواية، وتبادل الأفكار حول المجتمع المصرى والتحولات التى كان يمر بها، بعد أن قرأت معظم أعماله من روايات وقصص قصيرة، شعرت بالحاجة إلى ملاقاته، فذهبت إلى بيته وتعرّفت على أسرته، كان بالفعل أستاذاً وأباً حنوناً، يجمع بين العمق الفكرى والإنسانية الحقيقية، وعندما فاز بجائزة نوبل شعرنا جميعاً وكأن كل واحد منا حصل على جزء من هذا الإنجاز، وبهذه الجائزة جاء الأدب العربى ليُثبت حضوره فى العالم كله، ومن لم يعرف «محفوظ» خسر كثيراً فى حياته الأدبية والثقافية، لأنه كان بحق رمزاً للأدب الواقعى والمعاصر فى مصر والعالم العربى، وأعماله ما زالت مرجعاً لكل من يسعى لفهم المجتمع المصرى والتاريخ الأدبى الحديث.

■ كيف استطاع «محفوظ» أن يظل حاضراً فى الوجدان العربى والعالمى رغم مرور 19 عاماً على وفاته؟

- السبب الرئيسى هو صدق كتاباته وجودتها الأدبية العالية، والقضايا الإنسانية التى تناولها فى رواياته وقصصه القصيرة التى لا تزال راهنة وذات صلة بالقارئ العربى والعالمى، ومن الصعب أن تجد نصاً لا يلامس حياة الناس أو يعكس مشاعرهم وهمومهم، وشخصياً أهم جزء فى مكتبتى المنزلية هو المؤلفات الكاملة لنجيب محفوظ، فهى تُزين مكتبتى وتُشكل مصدر إلهام دائم لى، وكتاباته تجعل القارئ يشعر وكأنه ما زال يعيش بيننا، كأنه صديقنا الذى نتحدث إليه عبر نصوصه وشخصياته، وما يميز «محفوظ» هو قدرته على معالجة قضايا الإنسان والحرية والعدالة والهوية الاجتماعية بأسلوب يجعلها خالدة، حتى بعد مرور سنوات طويلة على رحيله.

■ كيف أسس نجيب محفوظ ملامح الرواية العربية الحديثة؟

- محفوظ كان صاحب مشروع متكامل، درس أعمال الأساتذة الذين سبقوه، واستفاد من تجاربهم الأدبية، لكنه أضاف شيئاً خاصاً به، وهو أسلوبه الفريد فى المزج بين الواقعية الاجتماعية والعمق النفسى للشخصيات، وكان يحرص دائماً على متابعة ما يكتبه الآخرون، ويقرأ ويناقش النصوص بعناية، وهذه الدقة جعلت أسلوبه مُتقناً، وقدّم نموذجاً للرواية العربية الحديثة، ويمكن القول إنه إنسان وروائى بالدرجة الأولى، وهنا لا بد أن أشير إلى أنّ اهتمامه بالقضايا الإنسانية، وبناء الشخصيات المعقّدة، ومعالجته للأبعاد النفسية والاجتماعية جعلت رواياته مرجعاً لكل من جاء بعده، فالرواية عنده لم تكن مجرد قصة، بل نافذة على المجتمع المصرى بأكمله، يعكس من خلالها التغيّرات الاجتماعية والسياسية والثقافية.

■ كيف تحولت أعماله إلى عشرات الأفلام والمسلسلات؟ وكيف امتد تأثيره على أجيال لاحقة من الروائيين؟

- شهرة أعماله جعلت كتاب السيناريو ومنتجى السينما والمخرجين والممثلين يلتفتون إليها باهتمام كبير، وكان لصديقه توفيق صالح المخرج المهم، دور كبير فى تقريب الأعمال الأدبية إلى الشاشة، لكن الأهم كان حبكة الرواية الدرامية التى ابتكرها «محفوظ»، فكل عمل يحوى حياة نابضة وشخصيات حقيقية، مما يجعل تحويله إلى فيلم أو مسلسل أمراً طبيعياً، وتأثيره امتد إلى أجيال لاحقة من الروائيين الذين تعلموا منه فن بناء الشخصيات والحبكة، وكيفية دمج الواقعية الاجتماعية مع الدراما الداخلية للأفراد، تعلموا منه أيضاً الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة التى تجعل القارئ يعيش الأحداث، كما لو كانت أمام عينيه، إذ إنّ تأثيره لم يقتصر على مصر، بل امتد إلى العالم العربى بأسره، وأصبح نموذجاً للأدب الواقعى الحديث.

■ كيف تنظر إلى العلاقة بين الحرية الإبداعية والرقابة فى الكتابة؟

- أنا ضد الرقابة على الكتابة، ونجيب محفوظ كان كذلك إلى حد كبير، رغم أنه كان أحياناً يراجع أعماله وأعمال الآخرين، إلا أنه لم يكن يخضع لأى قيود تمنعه من التعبير عن أفكاره، فالحرية الإبداعية كانت جزءاً أساسياً من فلسفته الأدبية، فهو كان يكتب بما يراه مناسباً للقضايا الإنسانية والاجتماعية دون خوف، وهذا ما جعل أعماله صادقة وقريبة من القارئ، و«محفوظ» أثبت أن الكاتب الحر هو الذى يمكنه أن يُقدّم رؤية صادقة وعميقة للمجتمع والإنسان.

■ هل هناك لقاء أو موقف جمعكم بـ«محفوظ» ترك أثراً لا يُنسى؟

  • أكثر الذكريات التى لا أنساها كانت فى شهر أكتوبر عام 1988، عندما أعلنت أكاديمية نوبل فى السويد حصوله على جائزة نوبل للآداب، فى ذلك اليوم كان بيننا موعد، وظننت بعد هذا الخبر أن لقاءه معنا لن يتم، لكنه خرج وجلس معنا فى مقهى «فرح بوت» بمحافظة الجيزة القريب من بيته، وكان شخصاً متواضعاً جداً، لم يكن يمتلك سيارة، وكان أحدنا يرافقه ذهاباً وإياباً، كان يلتزم بعاداته وتقاليده، وكان يُحب النيل وسيدنا الحسين حباً كبيراً، وما أعجبنى فيه أنه منضبط جداً فى مواعيده، وأول ما ينتهى من جلستنا يقول كلمته الشهيرة «هوبا»، وينهض مُسرعاً لأنه حان وقت مغادرته، هذه اللحظة علّمتنى الكثير عن تواضع العباقرة، وكيف يُمكن للإنسان أن يظل بسيطاً رغم الشهرة والنجاح العالمى، واللقاءات اليومية معه كانت مليئة بالدروس الأدبية والإنسانية.

اقرأوا لنجيب محفوظ

أود أن أقول للأجيال الجديدة اقرأوا لنجيب محفوظ، تعرّفوا على حياته، اكتشفوا أعماله، فـ«محفوظ» لم يكن مجرد كاتب، بل كان مرآة المجتمع المصرى بكل طبقاتها، قراءة أعماله ليست مجرد ترف ثقافى، بل هى درس فى الإنسانية والعدالة والوعى الاجتماعى، وأنصح كل روائى وشاب يريد الكتابة بأن يدرس أسلوبه، وأن يفهم كيفية بناء الشخصيات، وكيفية مزج الواقع مع الخيال بطريقة صادقة، وكيفية تناول القضايا الإنسانية بأمانة وعمق.


مواضيع متعلقة