من القاهرة إلى ستوكهولم.. نجيب محفوظ أيقونة عالمية

كتب: ياسر الشيمي

من القاهرة إلى ستوكهولم.. نجيب محفوظ أيقونة عالمية

من القاهرة إلى ستوكهولم.. نجيب محفوظ أيقونة عالمية

فى الثالث عشر من أكتوبر عام 1988، وبينما كان نجيب محفوظ، حكواتى القاهرة الأكبر، يغفو، فى قيلولته المعتادة فى منزله بحى العجوزة، دوّى جرس الهاتف، ناقلاً خبراً لم يخطر له على بال: فوزه بجائزة نوبل للآداب، فى تلك اللحظة، تحوّل صاحب الأعوام الستة والسبعين من «عميد الرواية العربية» إلى أيقونة عالمية.

لكن المفارقة المذهلة أن محفوظ نفسه كان دائم التصريح بأنه لا يتوقّع الفوز بهذه الجائزة، بل ولا يحلم بها أصلاً، ففى حوار مع الكاتب محمد سلماوى عام 2006، قال «محفوظ» بوضوح: «لم أتوقع قط أن أفوز بالجائزة.. فى زمنى كانت تُمنح للكتّاب العمالقة من طراز أناتول فرانس، هيمنجواى، وفوكنر، كنت أسمع أن كاتباً عربياً قد يفوز بها يوماً ما، لكننى كنت أستبعد ذلك كثيراً».

كان الرجل الذى صهر هموم المصريين وأحلامهم فى سبيكة روائية فريدة يرى نفسه أقل من أن يجاور تلك القامات، ولم يدرِ أنه كان، منذ عقود، يصنع عبر «زقاق المدق» و«الثلاثية» و«أولاد حارتنا» ما يُؤهله للخلود، وبينما انشغل غيره باللهاث وراء الجوائز، ظل «محفوظ» يكتب وكأنه يسرد حكاية لجلسة مقهى لا لجائزة عالمية، حتى باغتته «نوبل» وهو نائم.

«محفوظ» كان نائماً بعد أن عاد من صحيفة «الأهرام»، مصطحباً معه «بصل أخضر» نصحه به صديقه المخرج توفيق صالح، باعتباره علاجاً لمرض السكرى، تناول «محفوظ» الغذاء، ودخل لاختلاس قيلولته اليومية المعتادة، ثم استقبلت زوجته اتصالات من محمد باشا الصحفى بالأهرام، زافاً إليها نبأ فوز محفوظ بجائزة نوبل.

هرولت إليه توقظه صائحة بالخبر اليقين، وبينما ينهض، علق آسفاً: «كفاية أحلام بقى»، لكنها أخبرته أن الأمر ليس مزحة، فقام ليرد بالإنجليزية: «Who is speaking»، لكن الزوجة نبّهته أن المتحدث مصرى، لم يصدّق محفوظ أيضاً: «اتصل بى شخص تعودت منه المزاح دائماً، فلم أصدّق الخبر منه، وقُلت له دعنى أنَم».

فجأة امتلأت صالة المنزل بالمراسلين والصحفيين، وفجأة أيضاً وصل السفير السويدى بالقاهرة، وعندها انشغل ذهن «محفوظ» بحكاية البصل الأخضر، وظل يتحدّث إلى السفير واضعاً يده على فمه طوال الوقت، وفقاً لكتاب «أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرّمة» لمحمد شعير.

كان «محفوظ» يكتب الرواية الضرورية، لا الرواية الجميلة فقط، فمزّق مشاريع كاملة حين تجاوزها الزمن. توقف عن الكتابة سبع سنوات بعد ثورة يوليو، حتى استوعب التحولات، ثم عاد بـ«أولاد حارتنا»، الرواية التى أثارت جدلاً واسعاً، لكشفها استبداد السلطة وانحيازها ضد الحرية والعلم والعدل.

توالت بعد ذلك أعماله التى جسّدت أزمة «المنتمى» فى زمن مضطرب: اللص والكلاب، السمان والخريف، ثرثرة فوق النيل، ميرامار، وصولاً إلى ملحمة الحرافيش. ظل «محفوظ» ناقداً جريئاً للنظام الناصرى من الداخل، مدافعاً عن الحرية بوصفها قيمة القيم، دون أن يساوم على وطنيته أو انتمائه المصرى.

عالميته لم تأتِ من تقليد الغرب، بل من تأسيسه رواية مصرية مستقلة، تنبض بحياة القاهرة وطبقتها الوسطى وثورة 1919، وتحمل حلم الاستقلال والعدالة حتى النهاية، إن جائزة نوبل لم تضِف إلى نجيب محفوظ بقدر ما أضاف هو إليها، فقد أثبت أن الأدب العربى قادر على مخاطبة الإنسانية كلها، وأن الطريق إلى الاعتراف العالمى يبدأ أولاً من ثقة الأمة بنفسها.

لم يتمكن نجيب محفوظ من حضور حفل نوبل فى ستوكهولم، فأوكل إلى ابنتيه تسلّم الجائزة، وألقى الكاتب محمد سلماوى الخطاب التاريخى نيابة عنه، كان النص خلاصة مسيرة فكرية وفلسفية امتدت لعقود.


مواضيع متعلقة