«تكايا السودان».. موائد رحمة لمواجهة الجوع

كتب: سمر عبد الرحمن

«تكايا السودان».. موائد رحمة لمواجهة الجوع

«تكايا السودان».. موائد رحمة لمواجهة الجوع

فى شوارع السودان المنهكة من الحرب والجوع، لم يعد الخبز مجرد طعام يسد جوع البطون، بل أصبح رمزاً للحياة نفسها، فبين الركام والبيوت المهدّمة، تنتشر التكايا ومطابخ الخير كجدار أخير يحمى الناس من السقوط فى هاوية الموت جوعاً، بعدما فشلت المنظمات الإغاثية فى الوصول إلى المناطق الأكثر نزاعاً بين الجيش السودانى وقوات الدعم السريع، ففى مختلف الأماكن تجد أطفالاً بعيون غائرة من شدة الجوع، نساء يخفين دموعهن خلف ابتسامات واهية، ورجالاً يتّكئون على جدران متهالكة فى انتظار «طبق تكية»، إذ يمدّ المتطوعون أياديهم بوجبات بسيطة، لكنها تحمل معنى النجاة.

داخل «الفاشر، أم درمان، الخرطوم، النيل الأزرق، ودارفور» تمتد أيادى المتطوعين فى التكايا، لتختفى قسوة الحرب قليلاً، وتولد لحظات من الدفء وسط البرد، فهى أماكن لا تقدّم طعاماً فقط، بل جسور حياة تعبر بالناس من الجوع إلى البقاء، ودليل على أن السودانيين، رغم كل ما فقدوه ما زالوا قادرين على أن يتشبثوا بالإنسانية، وأن يحوّلوا اللقمة إلى مقاومة، والرحمة إلى وطن صغير يؤوى كل جائع، فيها لا أحد يسأل أحداً عن الانتماء أو القبيلة أو المذهب، فالجوع وحده صار الهوية المشتركة، والتكية صارت بيتاً آمناً لكل من طرق بابها.

التكية التى عُرفت فى التراث السودانى كمكان للكرم والضيافة، لم تعد فقط مكاناً يُقدَّم فيه الطعام تبركاً أو صدقة، بل صارت شريان حياة يومياً لآلاف الجوعى والنازحين الذين تركوا بيوتهم بلا قوت ولا مأوى فتحوّلت هذه المطابخ الشعبية إلى ملاذ يقاوم شراسة المجاعة، فيها يعمل شباب فقدوا بيوتهم مثل غيرهم، لكنهم اختاروا أن يداووا جراح الآخرين برائحة الطعام ودفء المشاركة، ليثبتوا أن الخير ما زال أقوى من الحرب وشهادة حية على أن التضامن يمكن أن يهزم الجوع والحرب.


مواضيع متعلقة