عبدالستار سليم: «العادات والتقاليد والتمسك بالقرآن والسيرة ومحبة أولياء الله» حصنت الجنوب ضد الاختراق

كتب: محرر

عبدالستار سليم: «العادات والتقاليد والتمسك بالقرآن والسيرة ومحبة أولياء الله» حصنت الجنوب ضد الاختراق

عبدالستار سليم: «العادات والتقاليد والتمسك بالقرآن والسيرة ومحبة أولياء الله» حصنت الجنوب ضد الاختراق

أجرى الحوار: السيد العديسى

تصوير - محمود عبد الغنى

كالقابض على الجمر، يعيش الشاعر الكبير عبدالستار سليم مؤرقاً، مشغولاً بهمّ الكلمة، يُجند كل وقته للبحث عنها، فى أفواه الشعراء، والقوالين، والحكاءين، وحتى مودعى الموتى.. يلاحقها فى الشعر القديم والزجل والدور والنميم.

وقت طويل قضاه فى أثرها، زار النجوع والقرى، والبلاد النائية، وأزاح الغبار عن الكثير من درر المعانى.. حقق ودقق وجمع الكثير من الشعر، وأعاده للحياة مرة أخرى، التقينا به وتحدث معنا عن الكثير.

أسوأ الشعراء هو الذى يكتب ما لا يفهمه أحد سواه وأسوأ الفنانين هم الذين يناقشون قضايا ليست فى اهتمام الناس

كالقابض على الجمر، يعيش الشاعر الكبير عبدالستار سليم مؤرقاً، مشغولاً بهمّ الكلمة، يُجند كل وقته للبحث عنها، فى أفواه الشعراء، والقوالين، والحكاءين، وحتى مودعى الموتى.. يلاحقها فى الشعر القديم والزجل والدور والنميم.

وقت طويل قضاه فى أثرها، زار النجوع والقرى، والبلاد النائية، وأزاح الغبار عن الكثير من درر المعانى.. حقق ودقق وجمع الكثير من الشعر، وأعاده للحياة مرة أخرى، التقينا به وتحدث معنا عن الكثير.

■ لماذا يتميّز صعيد مصر فى الشعر والفنون القولية والشفاهية والغناء الذى يعتمد على الارتجال، لدرجة أن هذه الفنون تعرف به؟

- يتميّز الصعيد فى ذلك لعدّة أسباب منها:

الشعر الشعبى يُعدّ من أبرز الفنون الأدبية التى شملت ملامح الهوية الثقافية فى مصر عامّة، وفى صعيدها على وجه الخصوص، فالصعيد لم يتعامل مع الشعر الشعبى كشكل فنى للتسلية أو الترفيه، بل اعتبره أداة للتعبير عن القيم المجتمعية، وحافظة للذاكرة الجمعية، فارتبط الصعيد ارتباطاً وثيقاً بالشعر الشعبى، حتى صار وسيلته لحفظ التاريخ المحلى، ومنجزات القبيلة، وأصبح «القوّال» الشعبى هو المؤرخ الشفهى لكثير من الظواهر، ما عزّز مكانة الشعر فى الحياة اليومية، وحمل مضامين ثقافية تعكس منظومة القيم السائدة، كالكرم، والشجاعة، والاعتزاز بالكرامة، ونجدة الملهوف، والاحتفاء بالضيف، والوقوف فى صف الضعيف.. وكان الشعر الشعبى يقوم بدور ترسيخ هذه القيم، وإذا كان الصدق هو المزية الأولى للشعر الشعبى، وهو صدق نابض بالحياة، ومتّشح بوشاح ناصع السذاجة، فكل ذلك موجود فى صعيد مصر، فى مجالس الرجال وفى المناسبات الجماعية، فالشعر الشعبى يكون حاضراً فى الأفراح عبر المواويل والأغانى الشعبية، وكذلك فى المآتم عبر الرثاء، وفى جلسات الصلح العرفى أحياناً، فقد كان يستخدم فى التأثير على النفوس وتهدئة النزاعات، وقد لعب دوراً سياسياً ووطنياً بارزاً فى الأزمات، وفى فترات الاحتلال الأجنبى، فقد كان لـ«فن الواو» الدور البارز فى هذا الشأن، ويقول:

ما حدّ خالى من الهمّ

حتى قلوع المراكب

إوعى تقول للندل يا عم

لو كان عا السرج راكب

■■■

(وهو يقصد الحاكم المملوكى، لأنه الوحيد الذى كان يركب على السرج، والسرج كناية عن الحصان).

والذى ساعد على ذلك، هو أن اللهجة الصعيدية تميزت بثراء معجمى، وإيقاع موسيقى خاص، ما جعلها ملائمة للتعبير الشعرى، فساعد ذلك على ترسيخه كأداة فعالة فى التواصل والتأثير، وساهم ذلك فى أن يكون وعاءً لحفظ الذاكرة الجمعية، ووسيلة للمقاومة، والتعبير عن الهوية!

■ ما تأثير الشعر الشعبى فى أهل الجنوب عموماً.. وهل فعلياً كان درعاً ضد التطرف والتشدد؟

- صعيد مصر كان - وسيظل - معقلاً للحفاظ على الأصول والعادات والتقاليد، وحاضنة متفردة لحفظ القرآن الكريم، والسيرة النبوية الشريفة، وأولياء الله الصالحين، لذا لم يستطع التطرف أن يروج فيه، ولا أن يستشرى فيه التشدد.

ومن الأسباب - أيضاً - انغلاقه على نفسه، ونجد كذلك بُعد الصعيد عن البحر الأبيض المتوسط - القريب من الغرب الأوروبى - هذا جعله بعيداً عن موجات العولمة الغربية، فحافظ الصعيد على نقائه وقوامه وتركيبته الاجتماعية والدينية الفذة، وأيضاً ارتبط الصعيد - تاريخياً - بثقافة شفهية غنية، نتيجة لكل من: ضعف حركة التدوين، وانتشار الأمية فى فترات طويلة من الزمن، فأصبح الشعر الشعبى يمثّل وسيلة أساسية لحفظ التاريخ المحلى، على مستوى البطولات القبلية (والمثال على ذلك حفظ ملحمة السيرة الهلالية)، أو الأحداث الوطنية (مثلما جاء فى سيرة الظاهر بيبرس)، كل ذلك جعله نابذاً - بشدّة - لكل الحركات المشبوهة، باعتزازه المعهود، واستمساكه بميراث الأجداد كدرع يصد - بقوة - عنه كل التناقضات.

الثقافة الحقيقية هى قاطرة التقدم.. ودور الدولة أن تقف بجوار الفنانين الصادقين

وعندما ابتلى صعيد مصر بحكم المماليك والأتراك (الذى كان كله قسوة وغلظة وظلماً)، كان «القوّال» يعانى مما يعانيه الناس من وطأة هذا الظلم، وكما هو معروف عن الفن - عموماً - وفن القول - خصوصاً - كثيراً ما يلجأ إلى التورية والكلام غير المباشر؛ حتى يستطيع الإفلات من الرقابة الصارمة التى تفرضها عصور الاستبداد.

ولما كان صعيد مصر - فى العصور القديمة - قد عانى من الفقر والجهل والمرض، فإن حارث الأرض، وساقى الزرع، يقوم بعمل مُضنٍ، يُهوّنه عليه كثيراً الغناء، وهو يعرف ذلك، فتراه يرفع عقيرته به كيفما اتُّفق، لا يعنيه معنى كاملاً، أو موضوعية، أو صورة متناسقة.. فهذه كلها مستويات ليست من عمله، فهو لا يخلق الفن، ولكن يتلقّاه، وهى مستويات لا تدخل فى اهتمامه أيضاً، إنما يريد أن يُسرّى بها عن نفسه فقط.

■ فى رأيك، ما دور الشعراء والفنانين فى تشكيل عقول النشء والشباب فى المناطق النائية؟

- فى البداية، نؤكد أن الشعراء والفنانين وعناصر القوى الناعمة عليهم أن يعرفوا أن أسوأ الشعراء هو الذى يكتب ما لا يفهمه أحد سواه، وأسوأ الفنانين هم الذين يناقشون قضايا ليست فى اهتمام الناس، بحجة التجريب وبحجة مخاطبة الأجيال القادمة، والمبدع والفنان الذى لا يستطيع الوصول إلى وجدان الناس الذين يعاصرونه فكيف يستطيع مخاطبة الأجيال القادمة؟ -التى بالقطع وبفعل التطور- سيكون لها أسلوبها، ومفرداتها، وطرائقها فى الفن، وهنا يأتى دور الدولة الذى يقف - وبحزم - ضد كل سفسطة وكل من يختبئ - لعجزه - وراء مقولة الفن للفن، فالفن يجب أن يوظف للنهوض بالفكر التنويرى، وليس لضياع وقت الناس فيما لا يفيد، ولا ينجح من لم يخاطب الناس بلغتهم، أى اللغة التقليدية التى أقاموا عليها، وعرفوا بها أنفسهم وتقاليدهم، فوجود التواصل الحار بين المبدع والناس هو جوهر العطاء الحقيقى، والشعر الجيد هو ما كان قريب المأخذ، غير متكلف، خالياً من التعقيد، مسلماً إلى تهذيب النفوس، فالشعر والشعور كلمتان قام العرب الأقدمون باشتقاقهما من نفس الفعل (شعر)، وعليه، فهناك الشعور الصادق، وهو وليد تجربة ومعاناة، والشعور الزائف، وهو صدى تقليد ومحاكاة. والفرق بينهما هو فرق ما بين الشاعر المطبوع والشاعر المصنوع.

سامحت مصطفى كامل على سرقة أشعارى.. ولم أسامح هشام الجخ لأنه كابر ولم يعترف

■ كيف ترى مشوارك مع الشعر.. وبماذا ميّزك عن أى مواطن عادى؟

- أنا ابن قريتى التى كانت تسهر كل خميس (ليلة الجمعة) مع شاعر السيرة الهلالية، وهو حافى القدمين، وكان يرتدى جلباباً واحداً، عليه أثر رحلته اليومية، فى الحرث والزرع والقلع، ويمسك بيده عصا، تعينه على تحسس الطريق فى ليالى القرية المظلمة (حيث كانت مظلمة فى ذلك العصر)، وكذلك يستخدمها كـ(سيف) وكـ(حربة) عندما يُلقى محفوظه من السيرة الهلالية (كل ذلك تعرفت عليه عندما كبرت)، وأنا ابن الأناشيد المدرسية التى فى بطن كتاب المطالعة المقرر، وابن (فن العدّيد.. والعدّيد - لمن لا يعرف - هو فن الحزن الباكى، وذكر مناقب الميّت، أو البكاء على الغائب الذى ابتلعته الغُربة) هذا العدّيد كانت تردده أمى (رحمها الله) فى كل آن، وأنا ابن سوق القرية، كنت أشترى من السوق وريقات هزيلة - بخمسة «مليمات» - من فرْش بائع الملح والفلفل والكمون، والذى كان يشدنى لشرائها هو أنه مرسوم على الغلاف صورة لفارس على حصانه، وله شوارب (يقف عليها الصقر لو أراد) وبيده حربة، وفى حزامه سيف، عرفت فيما بعد أنه أبوزيد الهلالى سلامة، وأنا ابن مكتبة المدرسة الإعدادية والثانوية، التى كانت تحتل قاعة كبيرة من أرض المدرسة (كانت..!)، ولها أمين مكتبة (ما زلت أذكر اسمه إلى الآن) متخرج فى كليته من قسم المكتبات، وأول من أخذ بيدى إلى رف المكتبة الذى يحمل لافتة «الشعر والأدب» وأول من أطلعنى على كتابىْ النظرات والعبرات للمنفلوطى، ثم ديوان شعر حافظ إبراهيم، وأنا ابن «أسرة الشعر» فى كلية العلوم بجامعة أسيوط، وتلك «الأسرة» هى التى فتحت لى باب التقدم للمسابقات الشعرية الطلابية، أنا بدأت كتابة الشعر التقليدى (العمودى) مقلّداً ما كنت أقرؤه، وأنا ابن طابور الصباح والإذاعة المدرسية، وأنا ابن البرنامج الإذاعى «الأدباء الشبان» للإذاعية «هدى العجيمى»، وأنا ابن جريدة الجمهورية - صفحة «نادى أدباء الأقاليم» لمحسن الخياط - وأنا ابن مجلة «صباح الخير»، وابن نادى الأدب بقصر ثقافة نجع حمادى، وكل ما ذكرت ومن ذكرت، ساهموا فى تكوينى الشعرى، ثم لاحظت أن أهلى وأصدقائى لا يتجاوبون - بالقدر الكافى - مع أشعارى الفصحى، فقلت لنفسى: أنا لو كنت شاعراً حقيقياً، أكتب لأهلى وناسى بلغتهم التى يستعملونها، فكتبت شعر العامية، وراج بينهم، ثم فى مرحلة تالية، تعاملت مع الفنون الشعبية، ومنها «فن الواو»، وهأنذا على الطريق أسير.

وأعتقد أن ما يميزنى أننى أكتب الشعر بالسليقة، لذا فإن المتلقى لا يحس فيه بالتكلف وبدعة التصنع والحذلقة، وإضافة الاستعارات والمجازات إلى ما ليس يستحق، وأعرف أن المباشرة تجهض التجربة الشعرية، وتبعد بالشعر عن جوّ تحليق الصور الموحية، وعدم القدرة على التكثيف، وأعرف أن الشعر وسيلة للإيحاء، وليس أداة لنقل معانٍ مُحدّدة، وأعرف أن الفرق بين شاعر وشاعر يكمن فى الرؤية الشعرية والأسلوب، وأعرف أن الشاعرية ليست ترويض اللغة والقافية والتراكيب، وإعادة صياغة المعانى والصور القديمة.

■ احكِ لنا ملابسات ما حدث من الشاعر مصطفى كامل - نقيب الموسيقيين الحالى - حين ضمّن أحد أدوارك فى أغنية، وكيف انتهى الأمر؟

- هناك مربع شهير من «فن الواو» جاء فى ديوان (واو.. عبدالستار سليم) الصادر تحت رقم (105) عن سلسلة «أصوات أدبية» التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة، يقول:

عينى رأت سِـرْب غزلان

فيهم غزالة شريدة

والقلب لما اتنغز لان

شاور وقال لى شارى دا

■■■

والجدير بالذكر أن هذا المربع كان شهيراً، يحفظه القاصى والدانى، كنت دائماً ألقيه - ضمن ما ألقى من مربعات «فن الواو» فى الأمسيات الشعرية التى تستضيفنى فى شتى أنحاء مصر، ويحفظه مشاهدو التلفاز، ويحفظه مستمعو الإذاعة، كما أنه تمّ نشره فى عدّة دوريات أدبية، ذات يوم فاجأنى صديق شاعر وصحفى فى جريدة «صوت الأمة»، هو الشاعر (خالد حنفى) بتساؤل يقول: «هوّ انت بعت شغلك للمغنى مصطفى كامل؟»، الحقيقة تفاجأت بالسؤال، لأنى لم أكن حتى أعرف مصطفى كامل، فسألته: لماذا؟ فأخبرنى بصدور ألبوم غنائى لمصطفى (أقصد شريط كاسيت) بعنوان «أقوى من الأيام»، وعلى رأس أغانى الشريط المربع الذى ذكرته آنفاً، فلما أجبته بالنفى، استغرب هو أيضاً هذا الوضع، وطلب منى تحضير ردّ مكتوب، لأنه سوف ينشر فى الأسبوع القادم خبر هذه الواقعة، وهذا السطو الذى حدث - دون استئذان أو شراء أو حتى اتفاق - وقد كان، وبدأت عجلة المحاورات، وطرح مصطفى كامل أسباباً واهية مثل (ماكنتش أعرف) و(الملحن هو اللى جابهولى)، ورفعت عليه قضية فى المحكمة، تولاها المستشار «عاطف النجمى»، وفى النهاية اكتفيت بطرح الواقعة على الناس، وجعلت منها رأياً عاماً.. وسامحته.

ولشديد الأسف فإننى كنت متوقعاً أن ينبرى اتحاد الكتاب - الذى أنا أحد أعضائه القدامى - للدفاع عنى، أو حتى يرسل محاميه للوقوف فى المحكمة، أو حتى لمجرد الاطلاع على أوراق القضية، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث، لا من اتحاد الأدباء ولا من الأدباء كأفراد وزملاء، مع العلم أن هناك قانوناً اسمه (حماية الملكية الأدبية)، وفى ظل التقاعس وعدم الاهتمام، وعدم ترابط الأدباء، فنجد أن ظاهرة السرقات الأدبية مستشرية فى الوسط الأدبى دون رادع، وصدق المثل الذى يقول (من أمن العقاب، أساء الأدب)، وشاعت وانتشرت ظاهرة السرقات الأدبية.

■ كم مرة كانت كتاباتك عرضة للسرقة، وماذا فعلت؟

- هذا يذكّرنى بقول الشاعر المغفور له د. صلاح عبدالله، حيث كان يقول لى: (يا عبدالستار، أنت مثل حنفية الحكومة فى الأرياف، كل اللى فايت يشرب منها)، والحقيقة أنّ كثيراً من إبداعاتى تعرضت للسرقة مرات عديدة لكن أشهرها (والتى وصلت للمحاكم) هى قضية مصطفى كامل، التى سامحته فيها، وقضية هشام الجخ ولم أسامحه فيها، لأنه كابر ولم يعترف بأنه سرق، حتى حكمت لى المحكمة بذلك، وقضية طالب كلية الطب، الذى ألقى إحدى قصائدى فى برنامج الإعلامية هدى العجيمى «مع الأدباء الشبان»، ونسبها إلى نفسه، وسامحته أيضاً.

■ حدثنا عن الواقع الثقافى فى الصعيد وكيفية النهوض به.. وبماذا تحلم أن تكون مصر المستقبلية، وكيفية تحقيق ذلك؟

- الصعيد يبعد عن القاهرة (مركز الإشعاع والزخم الثقافى) مسافات طويلة، ولما كان هناك تدنٍّ فى الحالة الاقتصادية - بصفة عامة فى الصعيد - لا يمكّن المبدع من السفر من أسوان إلى القاهرة - على سبيل المثال - ولما كانت مركزية النشاط الثقافى والإعلامى متمحورة فى القاهرة، (الإذاعة والتليفزيون والصحافة، والحراك الثقافى، والندوات وعُمُد النقد)، وانصراف النقاد عن المتابعة لمبدعى الصعيد لدرجة أن النقاد كانوا لا يعرفون حتى أسماء المبدعين، وكذلك أيضاً كان الصعيد محروماً - أدبياً - من الاحتكاك بالعالم الخارجى فلا هم يرشحون للسفر إلى الدول الأخرى (ولا يلتقون بنظرائهم الضيوف القادمين إلى مصر، والذين تكون القاهرة محط رحالهم)، كل ذلك كان يحتكره أبناء القاهرة، فضلاً عن وجود دار الأوبرا، والمجلس الأعلى للثقافة، هذا بالإضافة إلى تأزم الواقع الثقافى العام، فضلاً عن الفكر المترسخ فى الأذهان، أقصد فكرة تهميش الصعيد على مر السنين.. كل ذلك انعكس على أدباء الصعيد، ما جعل شعراء الصعيد مثلاً - وبالتحديد - يبحثون عن الشعر فى رغوة الحياة وفقاقيعها، ظناً منهم أن هذا هو التجديد، لذا أرى أن هذا سيظل على حاله ما لم يحدث تغيير جذرى، والتعامل بالعدل مع كل مبدعى مصر، ومدّ يد العون للواعدين منهم أينما كانوا، ورحم الله زكريا الحجاوى الذى كان يجوب البلدان المصرية شمالاً وجنوباً وطولاً وعرضاً ليبحث عن المواهب.

نعم، هناك اجتهادات فردية هنا وهناك من أبناء الصعيد، يهتمون بالمواهب، على قدر جهدهم، إلا أن هذا الجهد متواضع جداً، بالنسبة للأعداد الغفيرة من الموهوبين، وكل هذا لا يشفى الغليل، ولا يروى الظمأ، وبلغ بنا الأمر أن بعضاً من أبناء الصعيد عندما انتقلوا إلى القاهرة ووجدوا فرصتهم لمعوا وأصبحوا نجوماً، والأمثلة على ذلك كثيرة.

■ ما الجديد فى مشروعك الإبداعى؟!

- أقوم بتجميع الأعمال الكاملة، التى نُشرت من قبل، والتى لم يتمّ نشرها بعد، وأذكر أنه صدر مؤخراً على التوالى ديوانان شعريان عن فلسطين والحرب الدائرة على أرض غزة وأرض الضفة، أحدهما بعنوان (إلى وجه فلسطينىّ) من شعر الفصحى، والثانى بعنوان (ضهر الكلام موجوع) من شعر العامية و«الموال» و«الواو»، أيضاً فى المطبعة الآن من الإبداعات الجديدة التى كتبت حديثاً ولم تُنشر على سبيل المثال ديوان بعنوان «قطر الندى»، وأيضاً دفعت إلى المطبعة بديوان «مواويل عبدالستار سليم»، ما سبق نشره وما لم يُنشر منه من قبل، إذ إن المشروع الإبداعى لم يقتصر على الشعر فقط، بل صار متنوعاً، وهو موزع ما بين النقد والشعر بالفصحى والشعر بالعامية المصرية، والاهتمام بالشعر الشعبى على تنوع ألوانه، وكذلك الاعتناء بالناشئة، ففى خلال هذا العام والعام السابق له، صدر لى الكتاب النقدى (ماذا تعرف عن فن الواو؟) وهو كتاب يدور حول طبيعة هذا الفن الذى كاد يندثر، لأنه فن غير مدون، فقط هو محفوظ فى صدور عشاقه ومريديه، ولما وجدت أن الشعراء الجدد أحبوا هذا الفن وبدأوا يكتبونه، وجدت أن من واجبى التقعيد لهذا الفن ومواصفاته وبحره الشعرى وطريقة تقفيته، هذا التقعيد لم يتناوله أحد من قبل.

كذلك صدر لى كتاب مقالات حول الفنون الشعبية والغناء بعنوان (تفانين شعرية) يضم مقالات نقدية، وعن المجلس الأعلى للثقافة صدرت أربعة مجلدات بعنوان (ديوان الواو) جمع وتحليل عبدالستار سليم، كذلك بالأمس القريب صدر لى الجزء الثانى من كتاب بعنوان (مائة شخصية من التاريخ) للناشئة/الجزء الثانى.. والجزء الأول صدر العام الماضى، وهذه الأجزاء لشخصيات عالمية ساهمت فى بناء صرح الحضارة الإنسانية، بصرف النظر عن جنسية كل منهم أو لونه أو ديانته، من تاريخ قبل الميلاد وإلى الآن، وذلك لما وجدت النشء لا يعرفون هذه الأسماء، ولا أصحابها، ولا ماذا قدموا للإنسانية من علوم وفنون، ولقد تم مؤخراً تنظيم ملتقى أدبى شهرى، بالاشتراك مع الكاتب الصحفى والمؤرخ محمد الشافعى، لمناقشة القضايا الثقافية فى كل المجالات، مع شريحة الأدباء والنقاد والمثقفين، وقد جذب هذا الملتقى عدداً كبيراً من المهتمين بشكل حقيقى بإنقاذ الواقع المتأزم. أما إنتاجى فى الفترات السابقة، فلم يكن قليلاً، فلقد أصدرت دار الهلال -لى- المجموعة الكاملة من شعر الفصحى، لكن يا صديقى العيب فى عدم متابعة الاختصاصيين، فمن الواضح أن هؤلاء اكتفوا بمن يعرفون، وليسوا على استعداد لمعرفة المزيد، فالكثير منهم لا يعرفون شاعراً وباحثاً اسمه عبدالستار سليم، ونقول لهؤلاء: تعرفونه أو لا تعرفونه، هذه ليست غلطته، لكنها غلطة الإعلام السطحى الذى يروّج - صباح مساء - للساحة الثقافية تناتيش الشعر الفارغ كرغاوى الصابون وفقاقيع الهواء، من خلال ميكروفونات وشاشات فضائيات احترفت التزييف والرقص على نغمات الفيديو كليب، وربما نشارك جميعاً فى هذا الخطأ - كما أشار البعض - إذ أهملنا الأصوات الجادة، التى تفتش عن المعانى الخالدة فى دفاتر الشعراء، واحتفينا بالطبل والزمر الاحتفالى، والذى لا طائل من ورائه، ونحن نتحمل ذنب الأجيال القادمة التى سترث عنا كل هذا الهراء..!

دور الدولة

يجب أن تقف بجوار الشعراء المطبوعين، والفنانين الصادقين، وعليها - أيضاً - أن تقلع عن أن تقدم للصفوف الأولى الفنانين والشعراء المدّعين؛ لأن الثقافة الحقيقية هى قاطرة التقدم وصانعة الحضارة للدول. وقد جاء فى كتاب (فنون الأدب الشعبى) لأحمد رشدى صالح أن «طه حسين» كان يقول إن كل أديب لا يستقى مادّته وروحه من حياة الشعب، فليس أديباً، ولا هو كاتب للأدب.. وعلى ذلك فلا بد أن نعرف ماذا يقول الشعب، وكيف يعيش، وكيف يحكى حكاياته وأقاصيصه. أيضاً لكل أدب بيئته التى لا يمكن فصله عنها.


مواضيع متعلقة