أوروبا تبدأ تحركات جدية لتحويل مليارات روسيا المجمَّدة إلى أسلحة وذخيرة لأوكرانيا
أوروبا تبدأ تحركات جدية لتحويل مليارات روسيا المجمَّدة إلى أسلحة وذخيرة لأوكرانيا
فى قلب النقاشات الأوروبية المحتدمة حول الحرب فى أوكرانيا برزت قضية الأصول الروسية المجمَّدة باعتبارها أحد أكثر الملفات حساسية وخطورة فى آن واحد، فهذه الأموال التى تصل قيمتها إلى نحو 140 مليار يورو، والمودعة فى البنوك الأوروبية منذ فرض العقوبات على موسكو، كانت حتى وقت قريب خارج أى خطة استخدام مباشر، لكن المشهد تغيَّر خلال الأسابيع الأخيرة، إذ بدأ قادة الاتحاد الأوروبى يناقشون بجدية تحويل هذه المليارات إلى مصدر تمويل رئيسى لتسليح «كييف»، فى خطوة وُصفت بأنها تحوُّل جذرى فى مسار الحرب، وفى شكل تعامل أوروبا مع الأزمة الأوكرانية.
وجاء فى تقرير لصحيفة «بوليتيكو» أنه منذ اندلاع الحرب، قبل أكثر من عامين، اكتفت «بروكسل» باستخدام فوائد الأصول المجمَّدة لتقديم دعم محدود لـ«كييف»، تجنباً لأى مواجهة قانونية معقدة، أو ردود فعل انتقامية من موسكو، غير أن تطورات الميدان وتصاعد حاجة الجيش الأوكرانى إلى السلاح والتمويل دفعت القادة الأوروبيين إلى التفكير خارج الإطار التقليدى، وهكذا ظهر مقترح «قرض التعويضات بلا فوائد» الذى طرحته رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، كحل يمكن من خلاله استخدام الأموال الروسية المجمَّدة لشراء أسلحة أوروبية لصالح «كييف»، وأوضحت «فون دير لاين» أن الهدف مزدوج، دعم أوكرانيا عسكرياً، وضمان تعزيز الصناعات الدفاعية الأوروبية فى الوقت ذاته، وقالت بلهجة حاسمة: «نحتاج إلى حل أكثر استدامة للدعم العسكرى، ولهذا طرحت فكرة قرض يعتمد على الأصول الروسية المجمَّدة، سنقوِّى صناعتنا الدفاعية من خلال ضمان استخدام جزء من القرض لشراء الأسلحة من أوروبا».
هذا الطرح لقى دعماً واضحاً من المستشار الألمانى، فريدريش ميرتس، الذى شدَّد على أن الأولوية يجب أن تكون للسلاح، لا لإعادة الإعمار، وبالنسبة له ولعدد من الدبلوماسيين الأوروبيين، المنطق بسيط: «إذا خسرت أوكرانيا الحرب، فلن يكون هناك ما يعاد بناؤه». أما فرنسا، ورغم تحفظها على بعض الجوانب القانونية، فلم تُخفِ تأييدها لهذه المقاربة، فيما بادرت السويد وفنلندا إلى إرسال رسالة مشتركة تطالب باستخدام الأموال لتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، ودمج أوكرانيا فى منظومة التعاون العسكرى للقارة.
ومع ذلك لم يخلُ المشهد من انقسامات حادة، بحسب الصحيفة الأوروبية، حيث لوَّحت كل من المجر وسلوفاكيا باستخدام حق النقض ضد أى قرار يمس الأموال الروسية، ما أعاد فتح النقاش حول إمكانية الانتقال إلى آلية التصويت بالأغلبية المؤهِّلة، بدلاً من الإجماع التقليدى، بينما أشار خبراء قانونيون فى المجلس الأوروبى إلى أن معاهدات الاتحاد تسمح بهذا الخيار فى «الظروف الاستثنائية»، التى تهدد التضامن الداخلى، وهو ما قد ينطبق على الحالة الأوكرانية، لكن هذا المسار محفوف بالمخاطر، إذ يخشى البعض من أن يتحوَّل إلى «سابقة» تمتد إلى ملفات أخرى، وتُضعف مبدأ الإجماع الذى يقوم عليه الاتحاد الأوروبى.
فى المقابل برز تيار آخر داخل الاتحاد يطالب بمنح «كييف» حرية أوسع فى إنفاق القرض، بحيث لا يُخصَّص فقط للتسليح، بل يُستخدم أيضاً لتغطية النفقات الأساسية، ودعم الميزانية العامة للدولة الأوكرانية التى تواجه ضغوطاً هائلة، وبدورها طرحت المفوضية الأوروبية مقترحاً وسطاً يقضى بتوزيع القرض بين شراء الأسلحة الأوروبية وتقديم دعم مالى مباشر للحكومة الأوكرانية، تاركة للقادة مهمة تحديد النسب النهائية.
وبعيداً عن الخلافات السياسية يظل الجانب القانونى أحد أعقد التحديات، فروسيا هدَّدت، عبر قادتها السابقين، باللجوء إلى المحاكم الدولية لمقاضاة أى دولة أوروبية تقدم على «الاستيلاء على ممتلكات موسكو»، وفى بروكسل يعمل الخبراء على صياغة مبررات قانونية تحمى الاتحاد من أى تبعات قضائية مستقبلية، مع الحرص على عدم إيجاد «سابقة» يمكن استغلالها فى قضايا أخرى، بينما أشار أحد أبرز الأصوات القانونية، الدكتور آرمين فون بوجداندى، من معهد «ماكس بلانك»، إلى أن النصوص الأوروبية تسمح بمثل هذه الإجراءات فى الحالات القصوى، لكنه حذَّر من أن «المياه لا تزال عميقة، وأى خطوة غير محسوبة قد تفتح أبواباً غير مرغوبة».
وأضافت «بوليتيكو» أن الجانب الاقتصادى يزيد الصورة تعقيداً، فالأموال المجمَّدة موجودة حالياً فى حسابات لدى البنك المركزى الأوروبى، تحت إدارة مؤسسة «يوروكلير» المالية فى بلجيكا، وهى أموال لا تتحرك، وتظل بلا فائدة عملية، بينما تتزايد حاجة أوكرانيا للتمويل، فالنقاش الدائر الآن بين وزراء المالية ونوابهم يتمحور حول كيفية تحويل هذه الأصول إلى قرض قابل للتنفيذ دون أن ينهار تحت طعن قانونى محتمل أو خلاف سياسى داخلى.
فى السياق ذاته جاءت أزمة العلاقات الأوروبية - الأمريكية لتدفع بروكسل أكثر نحو الاعتماد على نفسها، فالتوترات مع إدارة الرئيس دونالد ترامب جعلت القادة الأوروبيين أكثر اقتناعاً بضرورة بناء استقلالية استراتيجية، سواء فى مجال الدفاع، أو فى إدارة ملفات الحرب الأوكرانية، ومن هنا يُنظر إلى استخدام الأموال الروسية المجمَّدة ليس فقط كأداة لدعم كييف، بل كخطوة لتعزيز سيادة القرار الأوروبى.
ومع اقتراب القمة غير الرسمية للقادة الأوروبيين، فى كوبنهاجن، يجد الاتحاد نفسه أمام لحظة حاسمة، فإما أن ينجح فى توحيد صفوفه واتخاذ قرار تاريخى بتحويل أموال روسيا المجمَّدة إلى سلاح استراتيجى يغيِّر موازين الحرب، وإما أن يظل رهين الانقسامات والجدل القانونى، تاركاً المليارات من الأصول الروسية حبيسة دفاتر البنوك.