النازحون بعد العودة: نشكر «القاهرة» على جهودها.. وننتظر إعادة الإعمار
النازحون بعد العودة: نشكر «القاهرة» على جهودها.. وننتظر إعادة الإعمار
على أطلال البيوت المدمَّرة فى غزة وقف الأهالى مذهولين، يتأملون ما تبقَّى من جدران كانت قبل عامين تحتضن الضحك ورائحة الخبز والزعتر وزيت الزيتون وأصوات الأطفال، لكنها تحوَّلت إلى رماد.
وبعد توصل مصر لاتفاق وقف إطلاق النار وانسحاب جيش الاحتلال ضمن اتفاق شرم الشيخ عاد آلاف الفلسطينيين إلى ديارهم فى غزة، لكن عودتهم هذه المرة لم تكن عادية، فالمدينة تستيقظ على صمت غريب مغلف بالحزن المكتوم بعد العاصفة، بعدما كانوا يحملون فى قلوبهم خوفاً وأملاً، فمع وصولهم كانت خطواتهم بطيئة، وعيونهم تتجول فى الطرقات كأنها تبحث عن بيت ضاع بين ثنايا الذاكرة، عن ذكرى، عن صورة، عن فستان طفلة، أو قطعة أثاث يمكن أن تعيد إليهم شعور البيت بعد الدمار الذى خلَّفه العدوان.
«صالحة»: معظم أهالينا استشهدوا لكن رجعنا بفضل مصر
فى شارع عمر المختار بحى الشجاعية وقفت «صالحة الأشقر» تبحث عما تبقَّى من منزلها، تحاول جمع بقايا الأبواب كما لو كانت تلملم قلبها المكسور، هنا كانت تعيش مع أسرتها المكونة من 7 أفراد، وفى هذه الزاوية استشهد ابنها، وداخل الغرفة تركت ألعاب طفلتها وملابسها، وبصوت يغلبه البكاء قالت: «كنت متخيلة هرجع ألاقى الشباك مكسور أو الباب مخلوع، ما كنتش متخيلة ما ألاقيش بيت خالص، المكان اللى تزوجت وأنجبت وعملت أسرة فيه، واللى راح ولدى فيه، مابقاش ينفع».
وأمام المنزل وقفت السيدة الغزية تحاول، ومعها بعض السيدات، عمل خيمة من القماش المهترئ، تؤوى أسرتها على أطلال منزلها انتظاراً لما ستسفر عنه بنود اتفاق شرم الشيخ وإعلان خطة إعمار مدينة غزة، متمنية أن تعيد بناء منزلها الذى تهدَّم على يد قوات الاحتلال الإسرائيلى، وتابعت: «نشكر مصر على جهودها فى إنهاء الحرب، وننتظر مبادرات إعادة إعمار غزة المكلومة، اللى ضاعت معالمها وسُويت منازلها ومبانيها بالأرض، ما عدنا نملك شىء، لا بيت ولا مال ولا ولد، معظم أهالينا استشهدوا».
«نشوان»: «مصر شايلة القضية على كتفها»
فى شمال قطاع غزة، صُدم العشرات من العائدين بحجم الدمار الذى حلَّ على منازلهم، بينهم ياسر نشوان، الذى وصل إلى منزله ولم يجد نصفه، وبمساعدة بعض الجيران حاول رفع الحجارة بأيدٍ مرتجفة وقال: «رجعت أدوَّر على بيتى، على الدرج اللى كنت أقعد عليه كل غروب، بس مفيش غير ركام وسكون، كل حاجة راحت، حتى ريحة البيت راحت، حتى الهواء تغيَّر، صارت رائحته تشبه الحنين إلى أيام كانت غزة فيها مدينة تنام على ضوء القمر لا على وهج القصف».
الفلسطينى الأربعينى عاد مسرعاً على أمل أن يجد المنزل الذى شيَّده وأثَّثه، لكنه لم يبقَ منه سوى باب حديدى مائل، وأضاف: «مش بس بيوت اتدمرت، حياتنا راحت معاها، بس الأهم إننا رجعنا، وتوقفت أصوات الطائرات والصواريخ والدبابات، راح نعيش ونبنى لكن نتمنى مساعدة الدول فى إعادة الإعمار، ولا ننسى دور مصر فى جهود توقف الحرب، وننتظر دعمها فى إعادة بناء حياتنا من جديد، ونشكر الرئيس عبدالفتاح السيسى، مصر طول عمرها شايلة القضية الفلسطينية على كتفها».
«فروخ»: نتمنى استعادة ما تبقَّى من حياتنا
أمام منزله المهدَّم، وقف الشاب الثلاثينى أحمد فروخ، يتذكر ملامح بيته الذى شيَّده منذ 10 أعوام، يتذكر كيف كان يعمل 18 ساعة يومياً حتى استطاع بناء المنزل والزواج فيه، وبصوت مخنوق قال: «فى كل زاوية كانت هناك ذكرى، جدران تحكى تفاصيل الحياة، لكنها تحولت إلى غبار، وأبواب البيوت صارت شواهد على ما كان يوماً دفئاً وأماناً، عدنا لنبحث عن ملامح ماضية، عن صوت فقدناه هنا أو صورة نجت من النار».
الشاب الثلاثينى أكد أنه سيقوم بإعادة نصب خيمة من القماش له ولزوجته وطفليه حتى إعادة بناء منزله، وتابع: «كل واحد فينا عرف بيته من شكل الحجارة ومن الصور والألعاب، واليوم سنقوم بعمل خيام من القماش على أطلال منازلنا، لكننا نتمنى أن نعود لحياتنا سريعاً، نتأقلم ونلملم ما تبقَّى منا، نحتاج إلى مساعدة العالم، إلى لجان دولية تتفقَّد أوضاعنا على الحقيقة وتبدأ فى حصر الدمار وإعادة الإعمار، لأننا لا نستطع البناء مرة أخرى، لأننا لا نملك المال، ونتيقن أن مصر لن تتركنا حتى نستعيد مدينتنا وبيوتنا».
«حلس»: «مفيش حجر فوق حجر.. كلها أنقاض»
وأمام ركام منزله فى حى الرمال شمال شرق غزة الواقع على امتداد شارع عمر المختار، الذى كان يُعتبر شريان غزة النابض، وقف الستينى سعد الدين حلس، يمسك ببقايا حجر مكسور، يتذكَّر شكل بيته المكوَّن من 4 أدوار، وملامح عائلته التى دُفنت أجساد بعضها تحت المنزل قائلاً: «مفيش حجر فوق حجر، كلها بقايا بيوت، هنا استشهدت عمتى رقية، وابنى علاء وبنتى عالية، هنا ماتت حياتنا وكُسرت قلوبنا، ورغم كل ده إحنا راجعين نبدأ من تانى لأن لو مات فينا الأمل كأنه ماتت غزة كلها، وشكراً لمصر على وقف إطلاق النار».
«حنيدق»: عرفت بيتى من أسماء أهلى المكتوبة على جدار مائل
الدمار فى غزة لم يكن مجرد مشهد بصرى، بل حالة صدمة أصابت كل من عاد، أحياء كاملة اختفت، شوارع كانت تعج بالحياة أصبحت خالية إلا من الغبار والأنقاض، المدارس، المستشفيات، المقاهى الصغيرة التى كانت تضج بالضحك، كلها أصبحت أثراً بعد عين، هكذا قال محمد حنيدق العائد من مخيم جباليا إلى منزله فى حى التفاح، وتابع: «جئنا محمَّلين بآمال أن نجد البنايات السكنية، لكننا وجدنا ركاماً وأنقاضاً لن نستطيع إعمارها ولو بعد عشرات السنين، جئنا نبحث عن ما تبقَّى من طفولتنا».
الشاب الفلسطينى الذى دوَّن بعضاً من أسماء أسرته قبل الحرب، لم يجد سوى بقاياها على الجدران، وواصل: «عرفت بيتى من أسماء أهلى المكتوبة على جدار مائل، لكن البعض يبحث عن علامات تدل على أن هذه الأماكن كانت بيوتهم، ونتمنى أن نعيش ونعمِّر بيوتنا مرَّة أخرى، لكن نخشى ألا تلتزم إسرائيل بوعودها بوقف كامل لإطلاق النار وانسحاب الجيش الإسرائيلى، لكن على أى حال رجعنا ونحن نحمل معنا مفتاح العودة اللى أقسمنا على الاحتفاظ به».
ورغم أن عودة الفلسطينيين إلى ديارهم كانت صدمة، لكنها كانت بداية جديدة فى مدينة لم تعد كما كانت، لكنها لا تزال تنبض، المواطنون يحملون آمالاً فى إعادة الإعمار مؤمنين بأن كل حجر يُهدم يمكن أن يُبنى من جديد، وكل حلم يُكسر يمكن أن يولد من رحم الألم، واتفق الجميع على شعار واحد وهو: «شكراً لمصر.. راح نبنى ونعمر».