18 ألف طفل شهيد في غزة.. أسماء صغيرة على قائمة الموت الطويلة
18 ألف طفل شهيد في غزة.. أسماء صغيرة على قائمة الموت الطويلة
فى غزة، لا تقاس الحرب بعدد الصواريخ أو الدمار، بل بعدد الطفولات التى انطفأت قبل أن تكتمل، أطفال لم يعرفوا من العالم سوى أصوات الانفجارات، ووجوه آباء يهرعون لحمايتهم، ثم يغيبون تحت الركام، خلف كل رقم فى قوائم القتلى قصة صغيرة، وخلف كل اسم مذكور فى التقارير وجه كان يملأ البيت بالضحك قبل أن يصبح ذكرى على الجدران، فبين أنقاض البيوت، وشوارع فقدت ملامحها، تروى حكايات وجوه لم تكبر بعد، أطفال فى عمر الزهور، ومواليد لم يعيشوا على هذه الدنيا سوى لساعات قليلة، لم يختاروا الحرب، لكنهم وجدوا أنفسهم فى قلبها.
«الجارديان»: أطفال «غزة» دفعوا الثمن الأكبر للحرب.. ورغم وقف إطلاق النار ما زال الألم مستمراً بين الركام وذاكرة العالم الصامت
فى محاولة لتخليد ذكرى هؤلاء الأطفال، وللفت انتباه العالم لفداحة جريمة الإبادة التى يرتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلى ضد أبناء شعب أعزل، نشرت صحيفة «الجارديان» تقريراً يتضمن قوائم بأسماء عدد من الشهداء الأطفال، واعتبرت أن فى كل قصة من قصصهم ملامح لبراءة سُحقت تحت القصف، وأمل دُفن حياً فى ذاكرة العالم الصامت، وأكدت أن هذه ليست مجرد شهادات، بل «وثيقة حية» على ثمن الحرب، الذى دفعته غزة من مستقبلها قبل حاضرها، رغم الإعلان عن وقف الحرب، فما زال الألم مستمراً.
استندت الصحيفة البريطانية فى تقريرها إلى البيانات الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية فى غزة، مشيرةً إلى أنه بنهاية يوليو الماضى، ضمت قائمة الشهداء 60 ألفاً و199 اسماً، من بينهم 18 ألفاً و457 طفلاً دون سن 18 عاماً، وأضافت أن القائمة خلت من أسماء آلاف آخرين ما زالوا محاصرين تحت أنقاض المبانى المدمرة، أو أُلقيت جثثهم فى الشوارع، ولم تتمكن فرق الإنقاذ من الوصول إليهم، فضلاً عن آلاف الضحايا الآخرين الذين فقدوا أرواحهم ليس بسبب الحرب بشكل مباشر، وإنما نتيجة الحصار والأوضاع الكارثية التى خلّفتها الحرب.
من بين الأسماء الواردة فى قائمة الأطفال الشهداء، يبرز اسم المولودة «يقين يوسف سامى التلاوى»، التى استُشهدت عن عمر يوم واحد، والرضيعة «يمنى عمر رياض الريفى»، التى فقدت حياتها بعد 4 أشهر فقط من ولادتها، و«سلاف أسامة الوصيفى»، 5 سنوات، و«شام يوسف خميس العصار»، 6 سنوات، و«زياد أحمد القاق»، 10 سنوات، و«عبدالعزيز محمد أبوطه»، 14 سنة، إضافة إلى «راكان حمدى يحيى النجار»، 10 سنوات.
وبحسب «الجارديان»، كان «راكان» يعيش مع والديه «حمدى وآلاء»، اللذين يعملان طبيبين، فى «خان يونس»، جنوب قطاع غزة، مع 9 أشقاء، ووفق روايات عدد من الأصدقاء والزملاء، فإن الأطفال يحملون الجنسية المصرية، وكانت الأسرة تخطط للانتقال إلى القاهرة؛ لتسجيل الأبناء فى إحدى جامعات العاصمة المصرية، وفى صباح يوم 23 مايو 2025، غادرت الأم «آلاء» المنزل متوجهة إلى عملها كطبيبة أطفال فى «مجمع ناصر الطبى»، وبعد دقائق قليلة، استهدفت إحدى الغارات الإسرائيلية منزل العائلة، ما أسفر عن استشهاد «راكان» وثمانية من أشقائه، بينما أُصيب الأب «حمدى» والابن العاشر بإصابات بالغة، وبعد عدة أيام لفظ الأب أنفاسه متأثراً بإصابته، وعن تلك الجريمة، قال الدكتور أحمد الفرا، زميل الأم فى المجمع الطبى: «أملى الوحيد ألا يكون هؤلاء الذين قُتلوا مجرد أسماء على الورق».
تتضمن القائمة أسماء عدد آخر من الأطفال الشهداء فى غزة، منهم «لؤى محمد فتحى»، الذى استُشهد عن عمر عامين، و«محمد سامى جواد»، 15 سنة، و«فتحى زايد المجدلاوى»، 7 سنوات، و«عبدالكريم رأفت الأسطل»، 11 سنة، و«جود محمد منصور»، أقل من يوم، و«جونة أحمد رمزى» 4 سنوات، إضافة إلى «عمر أحمد عبدالناصر شملخ»، 4 أشهر، الذى عرضت الصحيفة ظروف استشهاده فى اليوم الثانى للحرب، 8 أكتوبر 2023، حيث كان يعيش «عمر» فى شقة داخل منزل كبير يتميز بلونه الوردى، فى حى «الشيخ عجلين»، جنوب غرب مدينة غزة، على ساحل البحر المتوسط، كان المنزل يضم 4 شقق موزعة على طابقين، وتقطنه ثلاث عائلات، وأسفر قصف إسرائيلى استهدف المنزل عن استشهاد 10 أشخاص من عائلة واحدة.
من بين قصص الأطفال الشهداء، التى تناولتها صحيفة «الجارديان»، تبرز قصة الطفلة «يقين خضر فتحى حماد»، ذات الـ12 ربيعاً، التى كانت تعتبر «أصغر مؤثرة» فى قطاع غزة، كانت تقدم نصائح عملية للبقاء أثناء القصف، عبر وسائل التواصل الاجتماعى، مثل طرق الطهى البديلة عند انقطاع الغاز، لعبت دوراً فعالاً فى «تجمع عوناً»، منظمة غير ربحية فى غزة مخصصة للإغاثة الإنسانية، وفى أحد آخر منشوراتها كتبت «يقين»: «كان اليوم فرحاً لأيتام غزة، كنا نوزع عليهم ملابس جديدة، لنمنحهم بعض السعادة»، واستُشهدت «يقين» جرَّاء سلسلة غارات جوية استهدفت المنزل الذى تقيم فيه عائلتها فى «دير البلح»، فى 23 مايو 2025، وعُثر على جثمانها عبارة عن أشلاء تحت الأنقاض.
وفى 25 يناير 2024، أُصيب الطفل «ناهض محمد عادل رامز»، صاحب الـ15 عاماً، برصاص قناص إسرائيلى، إلى جانب شقيقه «رامز»، 20 عاماً، بينما كانا ينفذان أوامر عسكرية إسرائيلية بإخلاء منطقة غرب «خان يونس»، ونقل «المرصد الأوروبى المتوسطى لحقوق الإنسان»، عن شهود عيان، أن «ناهض» كان يحمل علماً أبيض لقيادة عائلته أثناء عملية الإخلاء، وبعد خطوات قليلة من الخروج من المنزل، أُصيب برصاصة فى ساقه، وحين حاول العودة قُتل برصاصة فى الظهر، ثم أخرى فى الرأس، بينما أُصيب شقيقه «رامز» برصاصة اخترقت صدره، عندما حاول إنقاذ أخيه، فاستُشهدا على الفور.
يتضمن تقرير «الجارديان» قصصاً لعدد آخر من الأطفال الشهداء، الذين ستظل أسماؤهم تضىء الشوارع التى يملؤها الركام والظلام، لتعيد تذكير العالم بأن للبراءة ثمناً، وأن العدالة مهما تأخرت، فإن دماءهم ستبقى البوصلة التى تهدى الضمير الإنسانى إلى حقيقة أن ما حدث فى غزة ليس حرباً، بل اختبار أخلاقى للعالم كله.