«الخُلع الغيابي» طلاق بدون علم الزوج.. التلاعب في محل الإقامة خلال التقاضي «كلمة السر»
«الخُلع الغيابي» طلاق بدون علم الزوج.. التلاعب في محل الإقامة خلال التقاضي «كلمة السر»
«مراتك خلعتك يا أستاذ شعبان»، جملة صادمة لم يستوعبها الشاب الثلاثينى حين سمعها من موظف الأحوال المدنية بينما كان يُجدد بطاقة الرقم القومى، ليصرخ بعدها قائلاً: «طب إزاى.. أنا متجوز ومعايا قسيمة الزواج».
هكذا بدا حال بعض الأزواج الذين خُلعوا دون علمهم، والذين ربما يكتشفون ذلك أثناء إنهاء معاملاتهم الرسمية، مثل تجديد بطاقة الرقم القومى أو استخراج أوراق حكومية، ليُفاجَأوا بأنهم مطلقون بحكم المحكمة، والسر هو تلاعب الزوجة بعنوان الزوج وكتابة عنوان خاطئ فى دعوى الخلع، ليصدر الحكم دون علمه. هنا تنقلب الآية الشائعة فى معظم قضايا الطلاق العادى، والتى يبدو فيها الرجل هو المسيطر والمرأة مغلوبة على أمرها، لتُصبح المرأة هنا هى الطرف الأقوى، ويعيش الرجل بعدها فى مرمى نيران وصم مجتمعى قاسٍ يخشى أن يعرفه الكثيرون من حوله، وبين هول صدمة لم يكن يحسب حسابها يوماً، مما يترك آثاراً نفسية كبيرة عليه، تتنوع، وفقاً للخبراء، بين الاكتئاب والتوتر وصولاً إلى ولادة أفكار انتقامية وعدائية تجاه المرأة أو فكرة الزواج ككل.
«شعبان»: طليقتى حرّكت دعوى النفقة على عنوانى الصحيح.. وأُرسلت «الخلع» على عنوان مش بتاعى!
لم يتوقع «شعبان»، الذى يعمل «نجار مسلح» باليومية، أن خلافاته مع زوجته، التى تربطه بها صلة قرابة، ستنتهى بهذه الطريقة.. ولم يكن يتوقع أن ينتهى خلاف عادى، على حد قوله، إلى حكم من المحكمة بالخلع الغيابى.
وصف الرجل سنوات زواجه الأولى بأنها مستقرة، إلى أن بدأت الخلافات تحتد بينه وبين زوجته، خاصة بعد إنجابهما طفلتهما الوحيدة: «هى جات مرة واحدة وقالت لى أنا عايزة أطلق.. وأخدت بنتى وسابت البيت وراحت عند أهلها».
التلاعب فى محل الإقامة خلال التقاضى «كلمة السر»
تركها «شعبان» فى منزل أسرتها ثلاثة أشهر، أملاً فى أن تعود الأمور إلى مجاريها وتنتهى على خير، معتقداً أنها ستتراجع عن قرار الطلاق، ومتمسكاً برغبته فى تربية طفلته داخل بيت يجمع بين والديها، لكن المفاجأة كانت فى طلبات زوجته التى فاقت إمكانياته المادية، خاصة مع عمله باليومية، قائلاً: «كانت مش عايزة تعيش فى المنصورة، وعايزانى أشترى لها شقة جنب أمها، وأنا شغلى لا يسمح إنى أشترى شقة ولا أدفع إيجار عالى». ويضيف: «أصرّت على الطلاق، فقلت لها طالما أنتِ اللى طالبة الطلاق يبقى كل واحد ياخد حاجته بما يُرضى الله، لكنها رفضت وقالت هاخد كل حاجة مكتوبة فى القايمة، ورفعت عليّا قضايا تبديد منقولات ونفقة».
أيام صعبة عاشها «شعبان»، مُطارداً من رجال تنفيذ الأحكام، بعد صدور أحكام لصالح زوجته فى قضيتى التبديد والنفقة، لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك، إذ بادرت الزوجة بعدها برفع دعوى خلع، مستندة فى دعواها إلى أنها «تخشى ألا تقيم حدود الله».
الأمر الذى كاد أن يفقد معه «شعبان» عقله، وجعله يقول: «يعنى أنتِ رفعتِ قضايا النفقة والمنقولات على عنوانى الصحيح، ولما جيتى عند الخُلع كتبتى عنوان غلط مش بتاعى!».
أنواع الانفصال بين الأزواج تختلف ما بين «الطلاق العادى» الذى يتم بشكل ودى، و«الطلاق للضرر» الذى يتم من خلال المحكمة، لكن الأكثر إيلاماً على الرجل هو قضايا الخُلع التى رصدها الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، طبقاً لآخر دراسة لعدد حالات الطلاق الرسمية، فى مصر خلال عام 2023، حيث بلغ عدد حالات الطلاق بسبب الخلع 8684، مشيرة إلى أن نسبة حالات الخلع سجلت 81.3% من إجمالى الأحكام النهائية للطلاق الرسمى، وهى أعلى نسبة فى حالات الخلع، مقارنة بالأعوام السابقة.
اختيار المواجهة
الوصم المجتمعى الذى لحق بـ«شعبان» بين أقرانه من الرجال دفعه إلى الانعزال عن المناسبات والتجمّعات العائلية، بينما اختار آخرون مواجهة تجاربهم على الملأ، بينهم إيهاب شوقى، سائق فى منتصف الثلاثينات من العمر، والذى قرّر أن يروى حكايته أملاً فى الحصول على حل يرى به بناته بشكل طبيعى، وتوعية الشباب المقبلين على الزواج.
«إيهاب»: وصلتنى أنباء بأن زوجتى تستعد للزواج من آخر وفوجئت بأنها حصلت على حكم خلع غيابى
بدأت قصة «إيهاب» بمعرفة بسيطة تطورت إلى زواج، واجه منذ بدايته صعوبات فى الإنجاب بسبب إصابة زوجته بورم فى الرحم كاد يحرمها من الأمومة، لكنه لم يتخلّ عنها، وساندها فى رحلة العلاج، حسب تأكيده، حتى أنجبا طفلتين، الكبرى تعدى عمرها الخمسة أعوام. يصف «إيهاب» السنوات الأولى بأنها كانت الأسعد فى حياته، خاصة اللحظات التى كان يقضيها مع طفلتيه بعد يوم عمل شاق، قبل أن تتبدّل الأحوال، وتبدأ الخلافات فى الظهور، ويرجع السبب -حسب روايته- إلى تدخّل والدة زوجته فى تفاصيل حياتهما اليومية: «فجأة مراتى بدأت تتصنّع المشكلات، وكل تفاصيل بيتنا كانت بتحكيها لوالدتها، وأنا كنت باقول لها لازم يبقى عندنا خصوصية».. ومع تصاعد الخلافات، غادرت الزوجة منزل الزوجية وعادت إلى بيت أسرتها فترة طويلة.
ورغم محاولات «إيهاب» المستمرة لإصلاح العلاقة، باءت جهوده بالفشل، ليُحرم من رؤية طفلتيه عدة أشهر، قبل أن تصله أنباء من بعض الجيران والأقارب عن ارتباط زوجته بشخص آخر واستعدادها للزواج، وهو ما شكّل صدمة قاسية بالنسبة له: «إزاى وهى على ذمتى؟!».
لم يجد الرجل سوى اللجوء إلى محامٍ لاتخاذ الإجراءات القانونية، غير أن خطوته جاءت متأخرة، إذ فوجئ بأن زوجته كانت قد رفعت دعوى خلع بمحكمة الأسرة فى الكيت كات منذ أشهر، وحصلت بالفعل على حكم غيابى، مستندة إلى عنوان لا يخصه.
يقول «إيهاب» فى مرارة: «أنا مش زعلان إنها خانت العِشرة، كل زعلى على بناتى.. بقالى خمس سنين محروم من رؤيتهم، وكل مرة أدخل الشقة أتخيلهم وأفتكر قد إيه كانوا متعلقين بيّا.. قلبى واجعنى عليهم.. يا ترى عايشين إزاى دلوقتى؟»، مستكملاً حديثه بأنه يرى لنفسه الأحقية فى تربية أطفاله، بدلاً من جدتهم لأمهم، خاصة بعد زواج والدتهم، لكن ترتيبه فى قانون الحضانة لم يكن فى صفه: «جدة البنات قالت لى مش هتشوف بناتك طول ما أنا عايشة.. كان نفسى أنا اللى أربيهم بعد ما أمهم اتجوزت، أنا أولى بيهم، لكن قانون الحضانة بيقول الأب فى المرتبة الـ16، وده بعيد جداً ونفسى يتغير»، حسب قوله.
وينصح «إيهاب» الشباب المقبلين على الزواج بعدم الموافقة على كتابة جنيه واحد كمقدم صداق فى وثيقة الزواج، لأن ذلك يُسهّل إجراءات الخلع على الزوجة ويجعلها ترد الجنيه، باعتباره كل ما حصلت عليه، على عكس الواقع.. ويوضّح حديثه، قائلاً: «الست كده بتطلق نفسها وده بيبقى صعب على أى راجل، بيبقى مش معاك أى دليل على الحاجات اللى جبتها أثناء الزواج، وكله بيروح، وبتلاقى نفسك اتخلعت ومش معاك أى حاجة».
ثغرات «الخلع الغيابى»
ولأن المحامين كثيراً ما يكونون أول الخيط للتعرّف على ثغرات ودهاليز الأحكام المتعلقة بخلافات الزواج، سواء كانت طلاقاً أو خلعاً غيابياً، يشير كثير من المحامين إلى أنه مثلما أن الخلع قد يُستخدم بشكل سليم لإنهاء علاقة زوجية صعبة أو مستحيلة، إلا أنه أحياناً ما يُساء استخدامه فى صورة «الخلع الغيابى». ويوضح على صبرى، المحامى بالاستئناف وقضايا الدولة، أن مراحل رفع دعوى الخلع تبدأ بتقديم طلب تسوية داخل مكتب تسوية المنازعات الأسرية، حيث يتم تحديد موعده خلال 15 يوماً، وإذا لم يتم الصلح، يحق للزوجة أو وكيلها رفع الدعوى رسمياً لتحديد جلسة أمام المحكمة.
مؤسس «جمعية الدفاع عن حقوق الرجل»: يجب تطوير آلية إخطار الزوج بدعاوى الخلع عبر التبليغ الهاتفى أو الرسائل النصية بعد التأكد من رقمه
ويضيف «على» أن الجلسة الأولى عادة ما تُؤجل لعرض الصلح بين الزوجين، وإذا كان بينهما أبناء يُعرض الصلح مرة ثانية بحضور حَكَمين من الأزهر، فى محاولة للإبقاء على الأسرة، وإذا فشلت هذه المحاولات، يقضى القاضى بوقوع الطلاق البائن خُلعاً، بشرط أن ترد الزوجة مقدم الصداق المثبت فى وثيقة الزواج -والذى غالباً ما يكون جنيهاً واحداً فقط- وإذا لم يكن مذكوراً يتم إثباته بطرق أخرى.
المحامى على صبرى: «الخلع» يُساء استخدامه أحياناً.. وبعض الزوجات يتعمّدن تقديم معلومات مضللة عن عنوان الزوج ويحصلن على حكم صحيح قانوناً لكنه محل شك شرعاً
ويؤكد «على» أن «بعض الزوجات يرفعن الدعوى دون إعلان الزوج بعنوانه الصحيح، ومع ذلك يصدر الحكم قانونياً بناءً على محضر الإعلان، فإذا أثبت المحضر أن الزوج لم يُستدل على عنوانه أو أن المسكن مغلق، تستكمل المحكمة نظر الدعوى وتُصدر الحكم بالخلع». ويشير إلى أن «بعض الزوجات يتعمّدن تقديم معلومات مضللة، فيحصلن على حكم خلع صحيح قانونياً، لكنه محل شك شرعاً»، قائلاً: «هناك سيدات يرفعن دعوى خلع وهن ما زلن يعشن مع أزواجهن فى البيت نفسه، وبعد الحصول على الحكم يبدأن فى رفع دعاوى نفقة وتمكين من الشقة لطرد الزوج منها».
ويكشف «على» أن هناك أزواجاً لا يكتشفون أنهم خُلعوا إلا أثناء إنهاء معاملاتهم الرسمية، مثل تجديد بطاقة الرقم القومى أو استخراج أوراق حكومية، ليُفاجَأوا بأنهم مُطلقون بحكم المحكمة. ويرى المحامى أن الخُلع ليس فيه «مكاسب»، فبينما الزوجة تفقد حقوقها المالية، يظل الزوج مُلزماً بالإنفاق على الأبناء، قائلاً: «أنصح أى زوجين يقرّران الانفصال بأن يكون ذلك ودياً، بعيداً عن المحاكم، حتى لا تنتهى العلاقة بينهما بشكل تام».
«فى حالة غياب الزوجة فإن الدعوى تقف.. لكن فى غياب الزوج الدعوى تُستكمل»، هكذا أوضحت مها أبوبكر، المحامية المتخصصة فى حقوق المرأة والأسرة، مشيرة إلى عدم ضرورة حضور الزوج انعقاد الخصومة فى دعوى الخلع، لكن الزوجة تكون مُلزمة بالمثول أمام القاضى. وتضيف «مها» أن القاضى يحرص على الاستماع إلى أسباب الزوجة، ويعرض عليها الصلح، كما يوضّح لها أنها فى حالة الخلع تتنازل عن جميع حقوقها المالية مقابل إنهاء العلاقة الزوجية: «فيه زوجات بتبقى خايفة تعلم أزواجها، لأنه ممكن يترتب على ذلك عنف أو حرمان للأولاد من النفقة».
وترى «مها» أن قانون الخلع يحمل بُعداً إنسانياً بالدرجة الأولى، إذ يتيح للزوجة التى لم تعد تحتمل الحياة مع زوجها أن تنفصل عنه، حفاظاً على سلامتها النفسية وتهيئة بيئة مستقرة لأبنائها: «الزوجة فى الحالة دى بتبقى عايزة تنجو بنفسها.. بتروح للقاضى تقول له أنا مابقتش قادرة أعيش مع الشخص ده، وأخاف ألا أقيم حدود الله كزوجة». وتابعت: «فيه زوجات كتيرة أزواجها ممكن يبعدوا عنها فترات طويلة من غير ما يعرفوا عنها حاجة.. فى الحالة دى الأفضل للزوجة إنها ترفع قضية خلع، وتتنازل عن مستحقاتها مقابل الحصول على الطلاق».
ورغم أن جمعيات حقوق المرأة هى الأكثر حضوراً فى المشهدين الإعلامى والاجتماعى، إلا أن الرجال بدورهم أسّسوا عام 2022 «الجمعية المصرية للدفاع عن حقوق الرجل»، على يد مؤسسها أحمد رزق، وذلك لمساندة الأزواج المتضرّرين من قوانين الأحوال الشخصية، وعلى رأسها قانون الخلع.
وأوضح «رزق» أن القانون رقم 1 لسنة 2000 بإصدار قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية، وتحديداً مادته العشرين، تم إقراره بهدف إنصاف الزوجات، لكنه يُطبّق بشكل يضر بالرجال، قائلاً: «الرجل هو من يدفع فاتورة التفكّك الأسرى، سواء فى الطلاق أو الخلع، لأن الزوجة بمجرد حصولها على حكم الخلع تُلزم فقط برد مقدّم الصداق، الذى غالباً ما يكون جنيهاً واحداً، فى حين يخسر الزوج كل ما أنفقه من ذهب ومنقولات ومصاريف الزواج».
وأشار إلى أن بعض الزوجات يرفعن دعاوى الخلع دون علم أزواجهن، سواء كن يعشن معهم فى منزل واحد أو بعيداً عنهم، باستخدام عناوين وهمية، وهو ما يجعل بعض الأزواج يكتشفون أنهم «مخلوعون» بالصدفة عند إنهاء أوراق رسمية، وربما بعد شهور أو سنوات من صدور الحكم. وطالب «رزق» بتطوير آلية الإخطار بما يتماشى مع عصر الميكنة، عبر التبليغ الهاتفى أو الرسائل النصية بعد التأكد من رقم الزوج، بحيث يتم إعلامه بوجود دعوى تسوية أو خلع، كما شدّد على ضرورة حضور الزوج وموافقته قبل صدور الحكم، لضمان عدم ضياع حقوقه.
ورداً على ما يُثار بشأن استغلال بعض الزوجات قانون الخلع بشكل سلبى، أكدت د. آمال سلامة، عضو لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، رفضها التام لما يُعرف بالخلع الغيابى، واصفة إياه بأنه يُصبح «جُرماً» إذا قامت الزوجة بتضليل المحكمة عبر تقديم معلومات غير صحيحة عن الزوج، مطالبة بضرورة محاسبتها قانونياً. وأضافت «سلامة» أن الدستور المصرى فى مادته (11) يضمن جميع الحقوق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية للمرأة، لكن ذلك لا يعنى استغلال القانون لتحقيق مكاسب شخصية، مُشدّدة على أن تهديد الزوج بالخلع أو حرمانه من رؤية أبنائه أمر مرفوض، قائلة: «القانون يكفل للأب حق الرؤية ولا يمكن حرمانه من هذا الحق، والزوج المصرى الأصيل لا يقبل الاستمرار فى علاقة تُهدّد كرامته».
وفى ما يخص قانون الحضانة، أوضحت عضو لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، أن ترتيب الأب رقم «16» فى الحضانة يُمثل إشكالية كبيرة، مضيفة «هذا الترتيب غير عادل، ولا بد من العمل على تقليصه داخل المجلس، مع وضع ضوابط وشروط تضمن تربية الطفل فى بيئة صحية».
ومثلما طرقت قضايا الانفصال أبواب المحاكم طرقت أيضاً صفحات دار الإفتاء المصرية على السوشيال ميديا، وهو ما يفسره الشيخ خالد الجمل، إمام وخطيب بوزارة الأوقاف، بأن حكم الحاكم يقطع الخلاف، فالقاضى يحكم بالقانون وبالشرع فى الوقت نفسه، وإذا أصدر حكماً بالخلع فهذا يعنى أنه تأكد من إعلان الزوج، لأن الشرع يلزم أن يعلم الرجل أن زوجته خرجت من عصمته، لذلك حكم القاضى لا يصدر إلا بعد التأكد من إبلاغ الزوج، مشدّداً على أن أى تلاعب فى أوراق الإبلاغ يجعل الزوجة «آثمة»، لأنها تزوّر وتُضلل وتفعل عكس ما أمر الله به عند الطلاق فى قوله تعالى: «وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ».
ويضيف «الجمل» أن الشرع واضح فى مسألة الطلاق والخلع، فجميع الآيات القرآنية خُصّصت للرجل والمرأة معاً، وليس لطرف واحد كما يتصور البعض، مشيراً إلى أن الشرع لم يُغفل أى أمر، خصوصاً فى ما يتعلق بحقوق الأطفال، ويؤكد أن من يقطع الرحم، يقطعه الله من رحمته، ومن يُزوّر فإنه يغش الدين قبل القانون.
تل من الهموم
تترك الخلافات الزوجية تلاً من الهموم فى نفس كل طرف، لكن كما يشير متخصّصون فى علم النفس، قد يكون الرجل أحياناً الأكثر تضرّراً، لأنه عادة ما يعتقد أنه المسيطر، وبالتالى يأتى حكم الخلع ليقضى على اعتقاده هذا، ويتركه يعانى من آثار نفسية وصدمات كبيرة.
هذا ما توضّحه د. إيمان عبدالله، استشارى علم النفس والعلاج الأسرى، حول قضايا «الخلع»، مؤكدة أنها «تترك آثاراً نفسية عميقة على الرجل، إذ يكتشف البعض فجأة أنهم «مخلوعون» دون علم مسبق، الأمر الذى يسبب صدمة كبيرة لهم، خاصة فى ظل الثقافة المجتمعية التى تربط الخلع دائماً بنقص فى رجولة أو كفاءة الزوج».
«الزوج بيبقى مش متوقع من زوجته إنها تعمل كده»، هذا ما تؤكده «إيمان»، مشيرة إلى أن هذه الصدمة قد تدفع بعض الأزواج إلى الاكتئاب والشعور بالقلق والتوتر وقد يتطور الأمر إلى ولادة أفكار انتقامية وعدائية تجاه المرأة أو فكرة الزواج ككل، إذا لم تتم معالجتها نفسياً بشكل سليم، وفى حالات أخرى يشعر الرجل أن صورته الاجتماعية اهتزت، وأنه أصبح «أقل من غيره»، مما يولّد لديه عُقداً سلوكية طويلة الأمد.
فى المقابل، شدّدت «إيمان» على أن الخلع لا يعنى بالضرورة أن الزوج «سيئ أو معيب خُلقياً»، بل قد يأتى الانفصال نتيجة عدم توافق، أو غياب الانسجام أو الدفء الأسرى بينهما أو حتى مشكلات اقتصادية، ومن هنا تأتى أهمية الاختيار الصحيح للشريك منذ البداية، والبحث عن التوافق الثقافى والاجتماعى والعاطفى قبل الارتباط والزواج.
وأشارت أيضاً «إيمان» إلى أن تأثير الخلع على الأبناء، قد لا يأتى من الانفصال بقدر ما يأتى من الصراع بين الأبوين بعد الطلاق أو الخلع، فى حالة استخدام الأبناء كسلاح انتقامى، مما يكون داخل الأبناء غضباً داخلياً واضطرابات سلوكية أو نفسية، لافتة إلى أن «الحل يكمن فى إبقاء علاقة إيجابية بين الأب والأم بعد الانفصال وإبعاد الأبناء عن الصراعات»: «قولوا لأولادكم بابا كويس وماما كويسة.. إحنا انفصلنا بس لأسباب تخصنا وليس لعيب فيكم»، فهذا يحمى الأطفال من الشعور بالذنب وجلد الذات.
وعن الزوجات، تقول «إيمان» إن بعضهن قد يمررن بأزمات نفسية بعد الخلع إذا اتخذن القرار بشكل متسرّع أو دون وعى كامل بتبعاته، لكن فى حالات كثيرة يُمثل الخلع طوق نجاة لنساء يعشن مع أزواج مدمنين أو أزواج عنيفين، فيكون الخلع باباً للنجاة واستعادة الأمان.
ندم بعد فوات الأوان
ورغم أن كثيرات من السيدات اللاتى يلجأن للخلع يشعرن بفرحة الانتصار، لكن سعاد محمد، (وهو اسم مستعار)، التى أصابها الندم بعد أن تمكّنت من خلع زوجها غيابياً، تقول: «الخلافات بيننا كانت بسيطة.. عصبيتى كانت السبب، وكنت فاكرة إن تدخل أهلى هيحل، لكنه عقد الأمور أكتر».
تحكى «سعاد» أن زواجها كان تقليدياً عن طريق «الصالونات»، حيث كان زوجها أرمل يكبرها بـ14 عاماً، ويعمل فى إحدى الدول العربية، وجاء وقتها باحثاً عن زوجة.. وتضيف: «اتجوزنا وسافرت معاه.. كان بيعاملنى كأنى ابنته، كل طلباتى مجابة، لكن أنا بطبعى عصبية جداً وصوتى بيعلا من غير ما آخد بالى، وهو كان بيحاول يسيطر على عصبيتى بالعنف أحياناً.. مرة ضربنى لما صوتى على، ساعتها أنا اللى رجعت مصر، وقررت أكبر الموضوع».
بعد عودتها، حسبما تروى، «وقف أهلها بجوارها دون أن يستمعوا إلى رواية زوجها»: «افتريت عليه، وأهلى شجعونى أرفع قضية خلع.. وفعلاً رفعتها من وراه وكسبتها.. حتى لما حاول يصالحنى أنا اللى رفضت». لكن بعد سنوات قليلة، انقلب المشهد، فبعد أن تنازلت عن كل حقوقها المادية ووضعت حداً للزواج، وجدت نفسها وحيدة: «كنت فاكرة إنه هيندم بعد القضية ويجرى ورايا، لكن اللى حصل العكس.. هو كمل حياته واتجوز تانى ومبسوط.. وأنا حياتى وقفت»، تقولها بنبرة مليئة بالأسى.
ورغم محاولاتها العودة إليه بعد الخلع، رفض زوجها تماماً، وهو الأمر الذى أثر سلباً عليها، وعبّرت عنه قائلة: «ندمت ندم عمرى.. كنت باحبه جداً ولسه باحبه.. هو كان طيب وأنا اللى غدرت بيه، وبدل ما أعيش مبسوطة معاه، ضيّعت كل حاجة.. دلوقتى أنا لوحدى ومش عارفة أرتبط بحد تانى بعده».
وبعد تجربتها الصعبة قالت بحزن شديد: «ياريت أى ست تحاول تحافظ على بيتها وماتسمعش كلام حد من اللى بيحاولوا يزودوا طاقة الغضب بين الأزواج.. الحياة فيها دايماً الحلو والصعب، ولازم نتعلم إزاى نتجاوز الصعب، علشان نكمل حياتنا، مش علشان ننهيها».
حاولنا التواصل مع سيدات أُخريات ممن حصلن على حكم الخلع غيابياً.. لكن أغلبهن رفضن التحدّث حول تجربة الخلع لأسباب متعدّدة، أهمها أنها أصبحت هى الأخرى حاملة لوصم مجتمعى لم تكن تعرف أنه سيصيبها «دى ست قادرة وخلعت جوزها قبل كده».