اعترافات يوسف في «7 مشاهد».. طفل الإسماعيلية الذي قتل الطفولة بـ«منشار لعبة»
اعترافات يوسف في «7 مشاهد».. طفل الإسماعيلية الذي قتل الطفولة بـ«منشار لعبة»
كتب - محمود الجارحى وعمرو الورواري
المشهد الأول:
في صباح الاثنين الماضي، استيقظت الإسماعيلية على يومٍ عادي، أو هكذا ظنّ الجميع، في بيتٍ صغيرٍ متواضع بحي المحطة الجديدة، كان «محمد أحمد» — 12 عامًا — يستعد للذهاب إلى درسه ككل يوم، أمسكت الأم بيده، ووضعت له «الساندويتش» في الحقيبة، ثم ودّعها بابتسامةٍ صغيرة قائلا: «هاخد الدرس وأرجع على طول يا ماما»، لكنه لم يعد، هكذا سجل محضر الشرطة ما جاء على لسان الأم.
المشهد الثاني:
مساء نفس اليوم لم يظهر محمد. الهاتف مغلق، وملامح القلق تسرّبت إلى البيت كالدخان، الأب خرج يبحث في الشوارع، عند المدرسة، والدرس، لا أثر، وفي اليوم الثالث بعد 72 ساعة من الانتظار والدموع، اتجه الأب الى مركز شرطة الإسماعيلية، وتقابل مع المقدم أحمد جمال رئيس المباحث، وطلب تحرير محضر رسمي باختفاء نجله، وعلى الفور أخطر المقدم أحمد جمال، العقيد محمد هشام مفتش مباحث مركز الإسماعيلية، وبدأت الأجهزة الأمنية تفريغ كاميرات المراقبة وتتبع خط سير الطفل، وفي آخر لقطة ظهر «محمد» يدخل منزل صديقه «يوسف أيمن عبد الفتاح» — 13 عامًا — في قرية نفيشة، بعدها اختفى كل شيء.
المشهد الثالث:
جاء في التحريات والفحص الذي جري بمعرفة ضباط المباحث تحت قيادة اللواء محمد عامر مدير أمن الإسماعيلية، واللواء أحمد عليان مفتش المباحث، أنّ الكاميرات التقطت صورة أخرى، الطفل «يوسف» ينزل من بيته يحمل أكياسًا سوداء وشنطة مدرسة على ظهره. مشيه كان متوترا، خطواته مترددة، كأنّه يسابق نفسه قبل أن يدرك ما فعل، وبتتبع خط سيره، وصل رجال البحث إلى منطقة «البركة» — مكب نفاياتٍ مهجور — وهناك توقفت الحياة للحظة، فتحوا الكيس الأسود، فخرجت منه أشلاء طفلٍ صغير، قطعة من قميصٍ أزرق، فردة حذاء، ودماء لم تجف بعد، الوجوه صُدمت، والعيون لم تصدّق، فحتى الجريمة نفسها بدت أكبر من أن يتحملها عقل.
المشهد الرابع:
اتجهت قوة من المباحث تحت قيادة العميد مصطفى عرفة رئيس مباحث المديرية، وداهمت منزل المتهم، بمجرد فتح باب الشقة ساد صمتٌ يؤلم القلب، رائحة دمٍ خافتة، منشار كهربائي لتقطيع الأخشاب، شاكوش، حبل، قفازات طبية، ملاءة سرير ملوّثة بالدماء، وعدة علب يُشتبه أنها تحوي مواد مخدرة، كأن المكان نفسه يروي ما جرى دون كلمات.
المشهد الخامس:
آنذاك جلس يوسف في الزاوية، وجهه باهت، عيناه لا تعرفان إلى أين تنظران. وحين سأله المحقق بهدوء: «عملت كده ليه يا يوسف؟»، قال بصوتٍ مبحوح: «كنا بنلعب لعبة فيها قتل، حسّيت إنِّي أقدر أعمل زيهم، وبعدها مفهمتش أنا بعمل إيه».
المشهد الخامس:
دقائق معدودة وحضر محقق النيابة، ومثّل الطفل الجريمة بنفسه، أشار إلى مكان الضحية، إلى الشاكوش، إلى المنشار، إلى الأكياس السوداء، كل حركةٍ كانت ترجف، كل كلمةٍ كانت تخرج كأنها اعترافٌ، لكن وراء هذا الهدوء، كان المحقق وفريق البحث يشعرون أن هناك شيئًا ناقصًا، هل فعلها وحده؟، من علّمه أن يُخفي آثار جريمته بهذه الدقة؟، ولماذا بدا كأنه يحفظ القصة مسبقًا؟، وعلى الفور تم رفع كل البصمات، ومسح مسرح الجريمة بالكامل، حتى أدق التفاصيل، تحسبًا لأي مفاجأة قد تغيّر مسار القضية.
المشهد السادس:
عقب الانتهاء من تمثيل المتهم للجريمة، وتسجيلها بالصوت والصورة من قبل فريق التحقيق، أصدرت النيابة عدة قرارات إيداع المتهم دار رعاية لمدة سبعة أيام قابلة للتجديد، وعرض جثمان المجني عليه على الطب الشرعي لتحديد سبب الوفاة، وعرض المتهم على الطب الشرعي لبحث حالته النفسية والعقلية، وتفريغ الكاميرات وعرضها على الأدلة الجنائية للتأكد من شخصه، وتحليل عينات دم وبول للمتهم للكشف عن أي مواد مخدرة.
المشهد السابع:
في مشهدٍ يوجع القلب ويقشعر له البدن، شيّع المئات من أهالي الإسماعيلية، أمس، جنازة الطفل «محمد أحمد» – ضحية جريمة المنشار – وسط حالة من الحزن والانهيار، تحرك موكب الجنازة من أمام مسجد القرية، وجثمان الصغير محمول على الأكتاف داخل نعشٍ أبيضٍ مغلق، كانت النساء يصرخن في صمت، والرجال يسيرون بعيونٍ دامعة، حين وصل النعش إلى المقابر، ساد صمتٌ ثقيل كأن الهواء نفسه توقف، السماء ملبدة بالغيوم، والريح باردة على غير عادتها، وقفت الأم مغمى عليها بين أيدي قريباتها، بينما الأب كان يقترب ببطءٍ من القبر، يده ترتجف، وصوته مبحوح، يهمس بكلماتٍ لم يسمعها أحد سوى التراب.
بعد انتهاء الدفن، جلس الأب على الأرض للحظاتٍ طويلة لا يتكلم، يحدّق في التراب كأنه ينتظر أن يسمع صوته الصغير يقول: «رجعت يا بابا»، ويدخل في نوبة بكاء ويتحدث قائلا: «دفنت ابني، بس والله مش قادر أنام، صورة المجرم وهو ماسك المنشار وبيقطّع فيه مش بتفارق خيالي، بتخيله كأني شايفه قدامي وهو بيعمل كده».
مدينة الإسماعيلية ما زالت تبكي طفلها الصغير، والناس في الشوارع يتحدثون عنه كأنه ابن كل بيت، في كل زاوية من المدينة، حديث واحد لا يتغير: «البراءة ماتت، يا ريتنا كنا نعرف نحمي أولادنا قبل ما اللعبة تقتلهم».









