حكاية أول عبارة غزل موثقة في التاريخ البشري.. كتبها الملك رمسيس الثاني
حكاية أول عبارة غزل موثقة في التاريخ البشري.. كتبها الملك رمسيس الثاني
في شمال مصر، كانت مدينة أواريس صغيرة، تحتوي على قصر الفرعون ستي الأول، والد رمسيس الثاني، حيث بدأت قصة حب الفرعون المنتظر مع نفرتاري، بعدما أهدى الملك ستي الأول ابنه رمسيس الثاني، بمناسبة تعيينه نائبًا ووليًا للعهد، سيدتين من بين كوكبة النساء الملكتان الرئيسيتان نفرتاري وإيزيس نفرة، وكانتا أقرب رفيقات الملك رمسيس في العشرينيات من عمره، لكن بشكل خاص تمتعت نفرتاري منذ البداية بالرقة والرشاقة والجمال، وكانت الأقرب إلى قلب رمسيس من بين كل النساء.
قصة حب خلدها التاريخ
بعد وفاة ستي الأول، انتقل الحكم فورًا إلى رمسيس الثاني، الذي كان يبلغ آنذاك 25 عامًا، وقد قام بمراسم تكريم والده المتوفى، ثم أبحر إلى وادي الملوك برفقة أسرته، وفق ما تقتضيه الطقوس السائدة وصاحبه الكهنة وزوجتاه، نفرتاري، زوجته الأولى، وإيزيس نفرة، زوجته الثانية، وفق ما روته الكاتبة الفرنسية فيولين فانويك في كتابها «غرام الفراعنة» في رحلتها لتوثيق اهتمام المصري القديم بالحب واحترام العلاقات الغرامية.

بعد استقرار ستي الأول في مقبرته بوادي الملوك، لم يفكر الفرعون إلا في الاحتفال بأعياد الأويت الرائعة من أجل الإله آمون، وفي إحدى أجنحة قصره المعروف باسم قصر الصيف بأواريس، جلس يتحدث مع نفرتاري عن مشاريعه المقبلة، وقال لها:«سوف تنساب مركب آمون الذهبية فوق مياه النيل، كالمعتاد، من الكرنك إلى الأقصر، أريد أن يستمر عيد الأويت فترة لا تقل عن شهر كامل، وسأعين كبير كهنة الإله آمون.. وستحضرين هذه الاحتفالات، وسأمنح بعض المكافآت والترقيات... هل ستشرقين بتألقك في هذا العيد، أويت؟» بحد وصف «فيولين».
كان للفرعون متعة كبيرة في زيارة نفرتاري في حجرتها الخاصة، المليئة بروائح البخور العطري الذي يفتن الحواس، مستمتعًا بعزفها على القيثارة يتحدث إليها في جميع شؤون الحياة، ووصفت «فيولين» غرفة نفرتاري قائلة:« أرضية الحجرة كانت مغطاة برسوم تمثل مناظر طبيعية بحرية، بينما نقشت الجدران بمشاهد النباتات والزهور فائقة الرقة والنعومة، وتزينت أعمدة الحجرة بغصون النباتات المتسلقة البديعة الألوان».
حب واحترام مبتادل
كانت نفرتاري تولي احترامًا كبيرًا لما يتخذه زوجها من قرارات، وكانت تعرف جيدًا حدود دورها، فلا تتدخل في شئونه، ولم تلجأ مطلقًا إلى تعاويذ السحرة أو الطلاسم لجذب الفرعون أو سحره، وكان رمسيس يبادلها الحب الجارف العميق:«كل ما تأمله نفرتاري في حياتها ألا تفترق عن زوجها، وأن لا يسأمها أبدًا، حتى يحين اليوم الذي سيتوجهان فيه معًا إلى عالم الأبدية وغالبًا ما كانت تحادث نفسها قائلة: إذا انتقل زوجي إلى العالم الآخر، فلن يواسيني شيء في الوجود كله».
ماذا حدث في العام 24؟
في تصريحات لـ «الوطن» قال الباحث الأثري عماد مهدي، في العام الرابع والعشرين من حكم الملك، بلغت نفرتاري أوائل الأربعينيات من عمرها، وكان العمل قد انتهى في معبدي أبو سمبل، وجاء وقت افتتاح المعبد، حيث اتجه الأسطول النهري الملكي يوم 21 فبراير 1255 قبل الميلاد جنوب طيبة، يرافقه الحشد، الملكة نفرتاري، ابنتها الكبرى مريت آمون، وكبار رجال الدولة، ومع شروق شمس ذلك اليوم، أضاء المعبد ونفذت أشعة الشمس لتضيء وجه الملك.
لكن الملكة نفرتاري، صاحبة المعبد الذي بُني من أجلها، لم تستطع مغادرة المركب، فأنابت ابنتها مريت آمون مكانها في افتتاح المعبد، ولم تر الجملة الشهيرة على جدرانه:«هي التي من أجلها تشرق الشمس».
واستشهدت الملكة في طريق العودة، وحملت في موكب جنائزي مهيب إلى مقبرتها بوادي الملكات، تاركة فراغًا كبيرًا في قلب الملك، وعبارة غزلٍ خالدة لم يمحوها الزمان، كتبتها أنامل رمسيس الثاني لأول مرة في التاريخ البشري، لتخلد حبًا لم تمتد إليه الأيام.