سر الصندوق رقم 317.. حكاية كشفت دموع الملك الذهبي توت عنخ آمون

كتب: إسراء عبد العزيز

سر الصندوق رقم 317.. حكاية كشفت دموع الملك الذهبي توت عنخ آمون

سر الصندوق رقم 317.. حكاية كشفت دموع الملك الذهبي توت عنخ آمون

وسط آلاف الكنوز الذهبية التي ملأت مقبرة توت عنخ آمون، كان هناك صندوق صغير يحمل الرقم 317، خبّأ في داخله قصة تفوق في قيمتها كل ما حولها، لم يكن الصندوق يحتوي على جواهر أو تماثيل، بل على سر أبوي مؤلم، يكشف الجانب الإنساني الخفي للفرعون الذهبي الذي بكى بناته قبل أن يودّع الدنيا.

توت

سر الصندوق رقم 317 في مقبرة توت عنخ آمون

وسط آلاف القطع الأثرية التي ملأت مقبرة توت عنخ آمون، كان هناك صندوق خشبي غير مزخرف وُضع في غرفة الكنوز، لا يلفت النظر للوهلة الأولى، حمل الصندوق الرقم 317 في سجلات «كارتر»، لكنه كان يخفي كنزًا لم يقدر بثمن ففي داخله وجد تابوتان صغيران على هيئة آدمية، موضوعان بعناية متقابلة، لكن ما كان داخل هذه التوابيت هو ما جعل الصندوق رقم 317 أكثر صناديق العالم غموضًا.

كان كل تابوت خارجي مصنوعًا من الخشب المطلي بالراتنج الأسود، بينما احتوى داخله على تابوت أصغر حجمًا مكسوًا بالذهب الخالص، وقد زينت الأكفان بشرائط ذهبية دقيقة، وصنع القناع الجنائزي من الذهب المذهب بنفس طراز توابيت الملك نفسه.

داخل التوابيت عثر على مومياءين صغيرتين محنطتين بعناية مذهلة ولم يعرف في البداية من تكونان، حتى بدأت الأبحاث الحديثة في فك اللغز بعد مرور أكثر من 80 عامًا على الاكتشاف، وفي إطار المشروع المصري للمومياوات «Egyptian Mummy Project» الذي أطلقه عالم الآثار زاهي حواس بالتعاون مع الدكتورة سحر سليم أستاذة الأشعة بكلية الطب جامعة القاهرة، تم إخضاع المومياءين لتقنية الأشعة المقطعية ثلاثية الأبعاد لأول مرة في يوليو 2008.

المومياء الأولى كانت لجنين عمره نحو 9 أشهر، والثانية لنحو 6 أشهر من الحمل وأكد تحليل الحمض النووي DNA analysis أنهما ابنتا الملك توت عنخ آمون من زوجه عنخ إسن آمون، آخر أميرات الأسرة الثامنة عشرة، وفقًا لـ النتائج المنشورة في المجلة الأمريكية للأشعة «American Journal of Roentgenology, 2011».

وقد سماهما العلماء رمزيا 317a و317b، تيمنا برقم الصندوق الذي احتضنهما طوال هذه القرون، وفقًا لـ «National Geographic»، وباستخدام أحدث تقنيات التصوير، حددت الدكتورة سحر سليم أن الجنين الأكبر كان مكتمل التكوين تقريبًا، إذ ظهرت لديه مراكز تعظم واضحة وبراعم أسنان، بينما كانت الأخرى في منتصف فترة الحمل.

لم تكن المومياءان لقطعتين أثريتين فحسب، بل لشاهدتين على مأساة إنسانية خفية الملك الشاب الذي فقد بناته قبل ولادتهن، فاختار أن يدفن معهن في مقبرته، ليكون اللقاء الأخير بين الأب وبناته في العالم الآخر.

.

قدسية الحياة في فكر المصريين القدماء

في الفكر المصري القديم كان الجنين كائنًا كاملًا له روحه وحقه في الحياة والدفن ولذلك لم يكن غريبًا أن يمنح هذان الجنينان طقوسًا جنائزية ملكية، شملت التحنيط، والتابوت الذهبي، والمكان المقدس إلى جوار والدهما الملك، وآمن المصريون القدماء أن الحياة تبدأ من الرحم لا من الميلاد، وأن حماية الجنين واجب مقدس، فكرة تسبق بآلاف السنين كل القوانين الحديثة التي أقرت بحق الإنسان في الحياة.

فبعد رحلة طويلة امتدت لـ100 عام، في 3 أبريل 2014، تم نقل المومياءين الصغيرتين من كلية طب قصر العيني إلى المتحف المصري الكبير، وفي أكتوبر 2016 انضمت إليهما توابيتهما الذهبية، واليوم يحتضن المتحف المصري الكبير ليس فقط كنوز الملك توت عنخ آمون، بل أيضًا القصة الإنسانية الخالدة لملك وأب فقد بناته، فخلد ذكراهما إلى جواره في قبره.

فعندما يقف الزائر أمام الصندوق رقم 317 داخل قاعة عرض توت عنخ آمون في المتحف المصري الكبير، لا يرى مجرد أثر أثري، بل يرى وجعًا إنسانيًا عمره 3300 عام.


مواضيع متعلقة