أمام الكاميرا.. حين تحول يوسف شاهين إلى ممثل يعبر عن نفسه

كتب: أحمد عبدالرحمن

أمام الكاميرا.. حين تحول يوسف شاهين إلى ممثل يعبر عن نفسه

أمام الكاميرا.. حين تحول يوسف شاهين إلى ممثل يعبر عن نفسه

لم يكن يوسف شاهين مجرد مخرج سينمائى ترك بصمته على تاريخ السينما المصرية والعربية، بل كان فناناً شاملاً آمن بأن السينما مساحة مفتوحة للتعبير، لا تعترف بالفواصل الصارمة بين المخرج والممثل، لذلك لم يكن ظهوره أمام الكاميرا أمراً عابراً أو استعراضياً، بل كان اختياراً مرتبطاً برؤيته الفنية وشخصيته الجدلية.

أشهر ظهور ليوسف شاهين كممثل جاء في فيلم «باب الحديد» (1958)، حين جسّد شخصية «قناوي»، بائع الجرائد المعذّب نفسياً، فى أداء اعتبره كثيرون واحداً من أعظم الأدوار فى تاريخ السينما المصرية، لم يكن «شاهين» هنا مخرجاً فقط، بل كان ممثلاً غاص في أعماق شخصية مأزومة، كاشفاً عن فهم عميق للنفس البشرية، ومؤكداً أن الكاميرا يمكن أن تكون أداة اعتراف بقدر ما هي أداة حكي.

وفي فيلم «حدوتة مصرية» (1982)، ظهر «شاهين» بشخصه الحقيقي تقريباً، صارخاً في أحد مساعديه بجملته الشهيرة: «يمين إيه ح تخش في الحيط»، وهي اللقطة التي تحولت إلى أيقونة سينمائية وأحد أشهر الإفيهات في تاريخ السينما، هذا الظهور لم يكن مجرد مزحة، بل انعكاس لفلسفة شاهين الصدامية، ورفضه التجميل الزائف للواقع.

أشهر ظهور في «باب الحديد».. وأحد أشهر إفيهات السينما أطلقها في «حدوتة مصرية»

كما شارك «شاهين» فى مشاهد قصيرة وخاطفة في أفلام أخرى، مثل ظهوره في «إسماعيل ياسين في الطيران» (1959)، حيث ظهر بشخصيته الحقيقية كمخرج، وترك عباراته التلقائية لإسماعيل ياسين تتحول إلى جزء من الذاكرة الشعبية، وظهر أيضاً فى لقطة سريعة بفيلم «ابن النيل» أثناء هروب محمود المليجي من الشرطة، وكأن وجوده كان دائماً إشارة ذكية لمن يعرف تاريخه.

لم يقتصر تمثيل يوسف شاهين على المشاهد العابرة، بل قدم أدواراً فى أفلام من إخراجه مثل «فجر يوم جديد» (1965) بشخصية «حمادة»، و«اليوم السادس» (1986)، و«إسكندرية كمان وكمان» (1990)، حيث لعب شخصية «يحيى السكندري»، التى اعتبرها كثيرون انعكاساً مباشراً لسيرته الذاتية وصراعاته الفكرية، كما ظهر في أعمال وثائقية وسينمائية بصفته «نفسه»، مثل «كاميرا عربية» (1987)، و«عاشقات السينما» (2002)، و«ويجا» (2005)، الذي شارك فيه مجاملة لتلميذه خالد يوسف، في مشهد يحمل دلالة رمزية عن انتقال الشعلة بين الأجيال.

يوسف شاهين، الذي عرف بمعارضته للرقابة والتطرف، لم يكن يخشى المواجهة، سواء خلف الكاميرا أو أمامها، اعتبر نفسه جزءاً من جيل الليبراليين المصريين، وظل حتى آخر أيامه يكافح ضد ما اعتبره قيوداً فكرية واجتماعية، مؤمناً بأن السينما فعل حرية قبل أن تكون صناعة، هكذا، لم يكن تمثيل يوسف شاهين إضافة هامشية إلى مسيرته، بل كان امتداداً طبيعياً لرغبته الدائمة فى قول رأيه بصوت عالٍ، حتى لو كان هذا الصوت صادراً من داخل الكادر.

«الشناوى»: لديه كاريزما لكنه ليس ممثلاً بالمعنى الاحترافى

وتحدث الناقد الفنى طارق الشناوى عن تجربة يوسف شاهين فى التمثيل، موضحاً رأيه بوضوح فى مدى احترافية شاهين كممثل، وذلك فى تصريحات خاصة لـ«الوطن»، قائلاً: إن ظهور يوسف شاهين فى فيلم «إسماعيل ياسين فى الطيران» كممثل، كان قائماً بدور المخرج وكان يؤدى فكرة لمحة المخرج والعصيبة وتفاصيله وغيره، وحدوتة مصرية نفس الحكاية، وإسكندرية كمان وكمان كان عامل قانون 103، وقد اشترك فى الاحتجاج ولكن «يوسف» لا ينطبق عليه مواصفات ممثل، ولكن عنده كاريزما وحضور لا أستطيع إنكارها، إلا أنه ليس ممثلاً بالمعنى الاحترافى والعلمى. وأضاف «الشناوى» متطرقاً إلى تجربة يوسف شاهين فى فيلم «باب الحديد»، مؤكداً أنها كانت حالة استثنائية فى مسيرته، قائلاً: وأنا مش بعتبر أن يوسف شاهين ممثل موهوب، ولكن صادف شخصية قناوى فى فيلم «باب الحديد» توافق معاه يعنى جعل جرح فى داخله فى نغمة إبداعية، فعبر عنها بالصوت والحركة بتفاصيل الأداء، فنجحت، وهذا دور استثنائى يشبهه لأنه أضاف عليه ملامحه فعمل هذا الوهج.

وأوضح طارق الشناوى أن يوسف شاهين بحكم كونه مخرجاً، كان يتدخل أحياناً فى توجيه الممثلين، مشيراً إلى أن بعضهم كان يلتزم بتوجيهاته، بينما يتمرد آخرون عليها، واختتم «الشناوى» حديثه بالإشارة إلى حس يوسف شاهين الفنى وقدرته على تمييز الأداء الجيد، مستشهداً بتجربته مع الفنان محمود المليجى، قائلاً: «ولكن يوسف ممكن يحس، لو أداء جيد ممكن يحس، زى فى فيلم الأرض، أكيد شعر، وهو قال كده كذا مرة إن محمود المليجى طاير بهذا الفيلم».


مواضيع متعلقة