أشرف غريب يكتب: يوسف شاهين.. المتمرد
أشرف غريب يكتب: يوسف شاهين.. المتمرد
ظل المخرج السينمائي في مصر -أى مخرج- مظلوماً من جانب النقاد والباحثين، بل والصحافة الفنية أيضاً حتى ظهور المخرج يوسف شاهين تحديداً، فقبل شاهين لم تكن لا الدراسات السينمائية -إن وجدت- ولا الصحافة المكتوبة تعطي المخرج السينمائي الاهتمام الذي يستحقه، أو تسلط الضوء على مسيرته وأسلوبه الفني، وذلك بفعل سيطرة النجم -أي نجم- وهيمنته على اهتمامات كل من حوله، صحيح أننا -كمتخصصين- نعرف اليوم الكثير عن أسماء عديدة من أجيال سابقة على «شاهين» من قبيل: أحمد بدرخان وهنري بركات ومحمد كريم ونيازي مصطفى وحسن الإمام وصلاح أبوسيف، وغيرهم إلا أن تلك المعرفة كانت لاحقة على ظهور يوسف شاهين الذي استطاع بشخصيته الفنية وقدرته على الخلق والابتكار تأكيد حضوره على الساحة السينمائية، سواء كان ذلك في المهرجانات الدولية أو على المستوى المحلى، وبفضل تلك النجومية التي حققها ابن الإسكندرية لنفسه انتبه النقاد والباحثون والصحفيون الفنيون إلى وجود المخرج -أي مخرج- وأدركوا أن أهميته لا تقل بأي حال من الأحوال عن أهمية الممثل النجم الذي هو بالنهاية صنيعة هذا المخرج وإحدى أدواته.
وفي يقيني أن أحد أهم ما ميز «شاهين»، إلى جانب نضجه الفكري والفني بطبيعة الحال، هو قدرته -بخلاف غيره- على التخلص من تبعية الممثل النجم، إذ لم يكن الرجل محسوباً على نجم بعينه كشأن محمد كريم -مثلاً- مخرج عبدالوهاب المفضل، أو أحمد بدرخان مخرج أفلام أم كلثوم، أو هنري بركات (فاتن حمامة) أو أحمد ضياء الدين (ماجدة) أو حلمى رفلة (محمد فوزى) أو فطين عبدالوهاب (إسماعيل ياسين) وإنما كان نجاح أي عمل معقوداً له مهما تغيرت أسماء النجوم التي تعمل تحت إدارته فيلماً بعد آخر، بل إن يوسف شاهين تحديداً كان له فريقه من الممثلين الذين يعتمد عليهم في معظم أفلامه، ومن ثم أصبح الممثلون والنجوم فى حالة شاهين -مهما عظمت أسماؤهم- هم التابعون له وليس العكس، والأمر نفسه عند صلاح أبوسيف حتى لو بدرجة أقل، المهم أن «شاهين» نجح فى كسر احتكار النجم الممثل للأضواء والاهتمام، وباتت أفلامه منسوبة له لا لأبطاله، وأصبحت للسينما التي يقدمها ملامح محددة مقترنة باسمه الكبير، اسمه الكبير الذي حمل على جناحيه وحده السينما المصرية إلى منصات التتويج فى المهرجانات الدولية الكبرى (الدب الفضى فى برلين 1978 وجائزة اليوبيل الذهبى في مهرجان كان عن مجمل أعماله 1997 فضلاً عن التانيت الذهبي قبلهما في قرطاج 1970) وبلغت قدرة يوسف شاهين على عدم الرضوخ لوصاية النجم أن رفض الاستجابة لسطوة نجم كبير فى حجم عبدالحليم حافظ حين أصر العندليب على التحكم في اختيار العناصر المشاركة في مشروعهما الذي لم يكتمل «وتمضي الأيام»، فقرر المخرج المتمرد إعطاء ظهره لنجومية العندليب بكل ألقها وبريقها مفضلاً الانسحاب تماماً من هذا المشروع الذي وئد في مهده بفعل شخصية «شاهين» غير الميالة للتهادن.
لقد كان يوسف شاهين مختلفاً عن غيره في كل شيء، متمرداً على واقعه مهما كانت المعوقات والصعاب، مؤمناً بما يفعل حتى لو عارضه الجميع، لا يحول بينه وبين هدفه حائل أو مانع، تعلم ابن الطبقة المتوسطة فى مدارس الطبقة الأرستقراطية (سان مارك ثم فيكتوريا كوليدج) ذهب للدراسة في أمريكا رغم أن أسرته لم تكن قادرة على ذلك، التحق بمعهد «باسادينا» لدراسة المسرح، فعاد ليقدم أول أفلامه، لتصبح السينما مجاله الأكثر رحابة وليس المسرح الذي درسه، كان المناخ عند عودته محبطاً ومع ذلك قدم فيلمه الأول «بابا أمين» سنة 1950 وهو في الرابعة والعشرين من عمره، كانت الميلودراما كما عند يوسف وهبي وحسن الإمام هى المسيطرة تنازعها الكوميديات الشعبية عند الباقين، فقدم في أول أفلامه فانتازيا اجتماعية كانت السينما المصرية حديثة عهد بها.
وقبل أن تبلور الثورة المصرية بعد يوليو 1952 فكرتها عن الملكية العامة وحقوق العمال والفلاحين والقوانين الاشتراكية استبق هو، وألح في أفلامه على أفكار كهذه في: صراع في الوادى - 1954، صراع في الميناء - 1956، وباب الحديد - 1958، وعندما تماست توجهات الدولة -في حينه- مع أفكاره كان هو أول من انتقد انحرافات المنتسبين لها حين قام بتعرية الفساد المتسبب في هزيمة 1967 وذلك في فيلم «العصفور» الذي نال ما ناله من التعنت والملاحقة.
ثم ها هو يوسف شاهين الفرانكفوني، ابن الثقافة الغربية، يقدم أقوى ما أنتجته السينما المصرية والعربية ضد الاستعمار الفرنسي للجزائر في فيلم «جميلة» سنة 1958، وها هو المسيحي الكاثوليكي يقدم سنة 1963 في «الناصر صلاح الدين» فيلماً يناهض الحملات الصليبية على الشرق حتى إن اكتسى فيلمه بطابع عروبي قومي بفعل التوجه العام للدولة المصرية في هذه الفترة غير عابئ بتلك الانتقادات التي وجهت له من جانب أنصار الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا ولبنان تحديداً.
وكان «شاهين» المتمرد صاحب واحدتين من أقوى المواجهات مع أجهزة المنح والمنع في مصر، أولاهما حينما رفضت الرقابة على المصنفات الفنية عرض فيلم «العصفور» سنة 1972 الذي كشف الفساد القائم في الجبهة الداخلية باعتباره أحد أسباب ما حدث في يونيو 1967، ووصل الأمر في صدامه مع وزارة الثقافة -آنذاك- أن سعى وزيرها يوسف السباعي إلى حرق النسخة السالبة (الأصلية) للفيلم، لولا أن «شاهين» كان قد توقع شيئاً من هذا، فأبقى عليها في فرنسا وقت أن كان يقوم بتحميض وطبع الفيلم هناك، ولم يتم عرض الفيلم إلا بعد مرور عامين على تصويره في أعقاب انتصارات أكتوبر 1973، ولولا أغنية فيلم العصفور «رايات النصر» المعروفة إعلامياً بشايلين في إيدنا سلاح لما وجدت الإذاعة المصرية ما تقدمه في الأيام الأولى لنصر أكتوبر.
ثم كانت معركته الكبرى سنة 1994 بشأن فيلم «المهاجر» حين أصر على استلهام قصة نبى الله يوسف عليه السلام رغم دعاوى الحسبة والتطرف الدينى والوصول إلى المحاكم حيث حكمت محكمة أول درجة فى ديسمبر من العام نفسه بمنع عرض الفيلم ومصادرة نسخه ومنع تصديره إلى الخارج قبل أن تلغي محكمة الاستئناف الحكم في مارس 1995 وتعيد إلى «شاهين» حقه في حرية التعبير الذى ظل مستمسكاً به في كل أعماله اللاحقة كما في أفلام المصير والآخر وهى فوضى، فضلاً عن موقفه المعلن في كل القضايا المثارة المحلية والدولية من خلال أفلامه حتى القصيرة منها مثل «القاهرة منورة بأهلها» و«11 سبتمبر» وغيرهما.
وبالنهاية فإن يوسف شاهين المختلف هو الوحيد في السينما المصرية والعربية وربما العالمية أيضاً الذى قدم عن نفسه وبنفسه أربعة أفلام عن سيرة حياته بدأها بـ«إسكندرية ليه» سنة 1978، ثم «حدوتة مصرية» سنة 1982 و«إسكندرية كمان وكمان» سنة 1990 قبل أن ينهيها بـ«إسكندرية نيويورك» فى عام 2004 دون أن يكتفى بهذه الأفلام الأربعة، حيث تجد في كل فيلم من أفلامه الأخرى ملمحاً أو أكثر من سيرة حياته.
لقد كان تمرد يوسف شاهين على السائد هو أحد أهم مفاتيح شخصيته، والداعم الأكبر لاختلافه عن الآخرين، ولولا هذا الاختلاف ما بات «شاهين» أهم مخرج عرفته السينما العربية خلال مائة عام هى تقريباً كل عمر الفيلم الروائي الطويل في مصر.