أشرف غريب يكتب: فريد شوقي يعيش رمضان على طريقة «غاندي»
أشرف غريب يكتب: فريد شوقي يعيش رمضان على طريقة «غاندي»
للفنان فريد شوقي ذكريات كثيرة مع شهر رمضان، خاصة أنه في فترة شبابه كانت له كثير من الاهتمامات والصداقات، ساهمت في تنوع خبراته الحياتية، ومن هذه الحكايات الرمضانية تلك الحكاية التي كتبها بنفسه لمجلة الكواكب سنة 1956:
«كنت في مستهل أيام شبابي أقيم مع أسرتي في حي الحلمية.. حي الارستقراطية القديمة والبيوتات الكبيرة، وكان الاحتفال بشهر رمضان في هذا الحي يأخذ أبهج مظاهره الدينية في بيوت الفقراء والأغنياء على السواء، وما زلت أذكر حلقات الذكر التي كانت تقام في بيت المرحوم محمد توفيق نسيم باشا، رئيس الوزارة المصرية في ذلك الحين، والتي كان يتوسطها صديقه وزميله المرحوم عبدالعزيز محمد باشا، وكذلك السهرات التي كانت تقام في بيوت محمود باشا حسين وتيمور باشا وعيسوي زايد باشا والشيخ الببلاوى وغيرهم، وكان كل بيت يتنافس على الاتفاق مع مشاهير المقرئين لإحياء سهرات رمضان، وكانت هذه البيوت تفتح أبوابها على مصاريعها لاستقبال الجيران والأصدقاء ولقضاء أمتع سهرات رمضان.. وكان يحلو لي الطواف على هذه البيوت مع بعض الأصدقاء، لنمتع أنفسنا بالاستماع إلى مشاهير المقرئين، وإلى الأحاديث الدينية الممتعة التي كان يشترك فيها الساهرون.
وفي إحدى هذه السهرات عرفته وتوطدت بيننا صلة الصداقة القوية.. كان ابن أسرة عريقة الأصل من عائلات الحلمية، وقد عُرف بين أصدقائه بالتقوى.. وكنت أراه قبل ذلك يسير في شوارع الحلمية لا يتحدث إلى أحد ولا يكلمه أحد، وكان الناس يعجبون به ويقدرونه ويحترمونه، فقد كان رغم ثراء أسرته زاهداً في الدنيا كارهاً لمظاهرها، يعيش عيشة بسيطة في غرفة متواضعة ومنعزلة في قصر أسرته المنيف.. وقد توطدت بيننا صلة الصداقة منذ اللقاء الأول، ودعاني إلى تناول طعام الإفطار معه في اليوم التالي، فذهبت إليه، وعندما قادني بواب البيت إلى الحجرة التي يعيش فيها أحد سادة هذا البيت فوجئت بصديقي جالساً فوق حصيرة بجوار سرير قديم عليه فراش متواضع، وبعد تبادل التحية دعاني صديقي إلى الجلوس فوق السرير فلم يكن في الحجرة كرسى واحد.. لاحظ دهشتي لمظهر الغرفة المتواضع فقال: لا تندهش فقد ألفت هذه الحياة بعد أن شبعت من حياة الرفاهية.
وانطلق مدفع الإفطار، وقام صديقي وأدى صلاة المغرب، ثم قام بنفسه يعد مائدة الإفطار التي لم تكن تزيد على طبق به «بلح أبريمي» وإناء مملوء باللبن.. كان هذا هو الإفطار الذي تناولناه.. وبعد ذلك أخرج كتاباً عن حياة غاندي، وأخذ يقرأه، ويشرح لي فلسفة غاندي في السياسة والمجتمع وإيمانه الشديد بإخلاص هذا الرجل لقضية بلاده، وفلسفته ونظرته إلى الحياة.
ولا أخفي عليكم أنني لم أكن أعرف عن غاندي إلا ما كانت تنشره الصحف، ولكني بدأت أحس بميل لدراسة حياة هذا الزعيم الهندي، فطلبت من صديقي أن يقرضني كتاباً عن حياة الزعيم غاندي، فوافق بشرط أن أقرأ هذا الكتاب تحت إشرافه، وخرجنا في تلك الليلة نطوف بيوت الحي لقضاء سهرة رمضان.. وفي السحور دعاني إلى تناول الوجبة معه، وكان الجوع قد استبد بي، إذ لم يكفني كوب اللبن والبلح الأبريمي اللذان قدما إلينا في الإفطار، وحاولت الاعتذار ولكنه أصر، فقلت لنفسي ربما يكون سحوره من الطعام الدسم، ولكني فوجئت به يقدم على المائدة اللبن وحده. اللبن من غير بلح.. وامتدت سهرتنا حتى أذان الفجر، وانصرفت إلى البيت وقد امتلات نفسي إعجاباً بحياة هذا الزاهد الذي يعيش على اللبن طول شهر رمضان.
وفي اليوم التالي وجدت قدمي تسوقانني إلى بيت هذا الصديق.. ولما رآني هلل مرحباً وهو يسألني كيف قضيت يومي بعد أن عشت على اللبن في اليوم السابق.. فقلت إن حضوري اليوم هو دليل إعجابي به واعتزامي النسج على منواله فقال: أخشى ألا تحتمل هذه الحياة بعد أن تعودت حياة الرفاهية، وأن تصاب بالضعف إذا عجز جسمك عن مقاومة الجوع.. وعشت طوال شهر رمضان مع هذا الزاهد على اللبن والبلح الأبريمي، وفلسفة غاندي الذي درسته دراسة عميقة بفضل إرشادات صديقي الذي اقتبس من فلسفة الزعيم الهندي ما يفيده ويتناسب مع الدين الإسلامي.
وكنت أحرص بعد ذلك على أن أقضي شهر رمضان من كل عام مع صديقي هذا، نعيش على اللبن ونقرأ ونطوف ليلاً ببيوت الحي نستمع إلى المقرئين ونسمر مع السامرين، ثم شاءت ظروفي في الحياة أن أنتقل إلى خارج القاهرة في أيام رمضان.. ثم انقطعت صلتي بهذا الصديق بعد أن شغلت بالكفاح في دنيا الفن، كنت أحرص على أن أعيش في رمضان على اللبن والبلح الأبريمي وأن أرفض غيرهما من الطعام، إلى أن فوجئت ذات يوم بأحد أصدقائي ينقل إلي نبأ وفاة صديقي الزاهد، وتقرير الأطباء أن وفاته ترجع إلى الضعف الشديد الذي أصاب جسمه بسبب نقص المواد الغذائية، وعلمت أن صديقي الزاهد كان يعيش أغلب شهور السنة على اللبن فقط، مما سبب له هذا الضعف، وأصابني الخوف الشديد، وكفرت بفوائد اللبن حتى إنني منذ وفاة صديقي قاطعت اللبن مقاطعة تامة».