إيمان كمال تكتب: آسر ياسين.. حين تصبح الاختيارات أهم من «نمبر 1»
إيمان كمال تكتب: آسر ياسين.. حين تصبح الاختيارات أهم من «نمبر 1»
للوهلة الأولى تبدو شخصية «حسن»، التى يجسدها الفنان آسر ياسين ضمن أحداث مسلسل «اتنين غيرنا»، شخصية سهلة. فمن على السطح نشاهد نموذجاً مثالياً للبطل -الجان بريمير- الوسيم الذى يخطف قلب البطلة «نور أبوالفتوح»، التى تجسدها دينا الشربينى خلال الأحداث.
إلا أن هذه السهولة، وهذا الأداء البسيط، يخفيان وراءهما انفعالات داخلية لرجل يعانى حالة من الانكسار والهزيمة، بعد أن قررت زوجته الأولى الانفصال عنه، ليجد نفسه بعيداً عن هذه الزوجة التى منحها مشاعره، وعن ابنه، فى مواجهة هزة نفسية واضحة. وهى الحالة التى عبر عنها آسر ياسين ببراعة، من خلال انفعالات محسوبة جاءت دون «أفورة» أو مبالغة.
صراع بين عالمين
بين عالمين متناقضين يعيش «حسن» صراعاته الداخلية. فهو من ناحية الابن والشقيق المثالى الذى تحسب عائلته لرأيه ألف حساب، فهو شخص متزن داخل العائلة. وفى هذا العالم العائلى يظهر «حسن» واثقاً من نفسه، قادراً على اتخاذ القرار.
لكن الصورة تختلف تماماً حين نقترب من حياته الخاصة. فخلف هذا الاتزان الظاهرى يظهر «حسن» فى بعض الأحيان كرجل مرتبك، وسلبى أحياناً، يرضخ لرغبات زوجته السابقة حتى لو دفع ثمن ذلك ابتعاده عن ابنه الوحيد الذى يعيش معها فى أمريكا، حيث اختارت أن تقيم. وبين رغبته فى أن يكون أباً حاضراً فى حياة ابنه، وواقعه الذى يفرض عليه البعد، يعيش «حسن» حالة مستمرة من الصراع والقلق الداخلى الذى لا يظهره للآخرين.
هذا التناقض بين الصورتين هو ما منح الشخصية عمقها الإنسانى. فقد نجحت الكاتبة رنا أبوالريش فى رسم ملامح شخصية من لحم ودم، فهو ليس مجرد نموذج للحبيب الرومانسى لكنه إنسان يعيش صراعات داخلية واضطراباً يجعله سلبياً فى اختياراته أحياناً، رغم ما يظهره للآخرين من اتزان وسيطرة.
هذه السلبية ليس شرطاً أن تكون ضعفاً بقدر ما تعكس القلق والحيرة التى يعيشها. ففى كثير من المواقف يميل «حسن» إلى الانسياق وراء ما يبدو كأنه مفروض عليه، أكثر من قدرته على اتخاذ القرار الذى يريده فعلاً. وكأن الشخصية تجد نفسها أسيرة الظروف والاعتبارات المختلفة، بين دور الأب ومسئولياته، وبين رغبته الإنسانية فى أن يمنح نفسه فرصة أخرى للحياة مع الفتاة التى وقع فى حبها وشعر بالمسئولية تجاهها، وهى العلاقة التى أخرجته من حالة الجمود التى عاشها سنوات.
هذا البناء النفسى المعقد للشخصية انعكس بوضوح فى أداء آسر ياسين، التى جسدها بقدر كبير من المصداقية والهدوء فى التعبير. فلم يعتمد الأداء على الانفعالات المبالغة، لكنه ركز على التفاصيل الصغيرة، مثل نبرة الصوت ونظرات التردد التى تكشف عما يدور داخل الشخصية.
الرومانسية لا تعنى التكرار بالضرورة
رغم الأجواء الرومانسية التى تدور خلالها أحداث مسلسل «اتنين غيرنا»، والتى قد تجعل العمل للوهلة الأولى قريباً فى تيمته من مسلسل «قلبى ومفتاحه» الذى قدمه آسر ياسين العام الماضى فى دويتو فنى مع مى عز الدين، فإن المقارنة بين العملين تكشف عن اختلاف واضح فى طبيعة الشخصيات التى قدمها. فقد حقق «قلبى ومفتاحه»، الذى أخرجه تامر محسن، نجاحاً كبيراً وقت عرضه، وكان يعتمد فى الأساس على حالة رومانسية دافئة تجمع بين بطليه، لكن ذلك لا يعنى أن التجربة الجديدة تعيد تقديم نفس النموذج. فشخصية محمد عزت التى قدمها آسر ياسين العام الماضى تختلف تماماً عن شخصية «حسن» فى «اتنين غيرنا»، التى يقدمها هذه المرة مع المخرج خالد الحلفاوى وفى دويتو فنى جديد مع دينا الشربينى. والاختلاف هنا ليس فقط فى القصة والأحداث، لكن فى البناء النفسى للشخصيات وطبيعة الصراع الذى يواجهه البطل داخل التجربة.
«محمد عزت» فى «قلبى ومفتاحه» هو شاب بسيط يحمل قدراً من الحلم والرغبة الصادقة فى الاستقرار وتكوين أسرة. ورغم ما يواجهه من تعثرات مهنية وضغوط حياتية، فإنه يظل واضحاً مع نفسه ومع من حوله. وعندما يقع فى حب «ميار»، الشخصية التى جسدتها مى عز الدين، لا يتردد فى التعبير عن مشاعره أو السعى وراء هذا الحب، بل يواجه العقبات التى تعترض طريقه بإصرار واضح، مدفوعاً برغبته فى بناء علاقة مستقرة تقوم على الصراحة والوضوح.
على النقيض من ذلك، تأتى شخصية «حسن» فى «اتنين غيرنا» أكثر تعقيداً من الناحية النفسية. فرغم نجاحه المهنى واستقراره الظاهرى، يجد نفسه عاجزاً عن اتخاذ القرار الذى يريده بالفعل. يعيش «حسن» حالة من التردد المستمر، خاصة حين يجد نفسه أمام اختيار صعب: هل يبدأ حياة جديدة مع قصة الحب التى منحته قدراً من الثقة والاستقرار النفسى، أم يعود إلى حياته السابقة ليمنح زواجه فرصة أخرى من أجل ابنه، محاولاً الحفاظ على ما تبقى من تلك العلاقة القديمة؟. وهو صراع يكشف عن جانب إنسانى شديد الواقعية.
ومن هنا يمكن فهم الفارق بين التجربتين، رغم اشتراكهما فى الإطار الرومانسى العام. فالرومانسية فى أعمال آسر ياسين لا تعنى بالضرورة تكرار نفس الشخصية أو إعادة تقديم نفس النموذج العاطفى. بل على العكس، تبدو هذه الأدوار فرصة لاكتشاف أبعاد مختلفة للشخصيات، سواء على المستوى النفسى أو الإنسانى، وهو ما يجعل كل تجربة تحمل خصوصيتها المختلفة.
وظهر هذا الاختلاف أيضاً فى ردود فعل الجمهور تجاه الشخصيتين. فبينما حظى محمد عزت فى «قلبى ومفتاحه» بقدر كبير من التعاطف، باعتباره شاباً صادقاً فى مشاعره وواضحاً فى اختياراته، جاءت ردود الفعل تجاه شخصية «حسن» فى «اتنين غيرنا» مختلفة. وتحمل قدراً من الغضب والانتقاد بسبب حالة التردد التى تحكم قراراته وحساباته المختلفة. وهو ما يعكس فى النهاية نجاح الشخصية درامياً.
خارج المنافسة
فى النصف الأول من رمضان استطاع آسر ياسين أن يحقق حضوراً لافتاً فى «اتنين غيرنا» بسلاسة وبساطة فى الأداء، مؤكداً مرة أخرى قدرته على تقديم شخصيات إنسانية قريبة من الجمهور. وفى الوقت الذى تشتعل فيه صراعات بعض الفنانين، وينشغل البعض بتأكيد أنهم الأعلى مشاهدة أو الأجدر بلقب «نمبر 1»، يبدو آسر ياسين بعيداً عن هذه المعارك، ينشغل فقط بما يقدمه على الشاشة، ويراهن على النص الجيد والشخصية المختلفة أكثر من المقارنات أو الصراعات الدعائية.
وربما لهذا السبب تبدو مسيرته قائمة على التنوع والتجديد، حيث يفضل فى كل مرة أن يخوض تجربة مختلفة.
وبالنجاح الكبير الذى حققه مسلسل «اتنين غيرنا» وردود الفعل الواسعة التى حصدها فريق العمل، تضيف التجربة محطة جديدة فى مسيرة ممثل يراهن دائماً على الاختلاف، خارج سباق الأرقام والمنافسات، مكتفياً بمنافسة أكثر هدوءاً وعمقاً وتقديم شخصيات تظل قادرة على البقاء فى ذاكرة الجمهور.