د. طارق أبوهشيمة يكتب: مدارج السالكين إلى تزكية النفس

كتب: محرر

د. طارق أبوهشيمة يكتب: مدارج السالكين إلى تزكية النفس

د. طارق أبوهشيمة يكتب: مدارج السالكين إلى تزكية النفس

قضية التربية في عالمنا اليوم تواجه تحدياً كبيراً وتشهد تراجعاً واضحاً في دور مؤسسات التربية التقليدية، التى كانت تمثل عبر التاريخ أحد أهم روافد بناء الشخصية الإسلامية المتوازنة، وهذا التراجع قد أفسح المجال للبدائل الرقمية والذكاء الاصطناعى بوصفهما بديلاً سريعاً وسهلاً للحصول على المعرفة، الأمر الذى أوجد نوعاً من المعرفة السطحية التى تفتقر إلى التحقق العلمى والتأصيل المنهجى، فخلَّفت بدورها شخصية غير متوازنة وذات وعى هش.

ولا شك فى أن هذه التقنيات الحديثة قد مثَّلت فرصة كبيرة للتعلُّم ونشر العلم وتيسير الوصول إليه، لكن الإشكالية لا تكمن فى الوسيلة بقدر ما تكمن فى غياب الضوابط العلمية والمرجعية الموثوقة، إذ انفصال طالب العلم عن مؤسساته الأصيلة، بجانب غياب منهج التدرج التربوى المصاحب لمرحلة التلقى على أيدى العلماء قد أوجد نوعاً من الخلل تمثَّل فى أمرين مهمين: أولهما خلل فى بناء العقل العلمى، والآخر خلل فى تزكية النفس وصياغة ضميرها الأخلاقى، وبالتالى خرج لنا إنسان يمتلك قدرة كبيرة على الوصول إلى كم هائل من المعلومات، لكنه يفتقر إلى البوصلة التى تهديه إلى الفهم الصحيح أو توجِّه سلوكه فى الحياة. لأجل هذا تبرز أهمية العودة إلى كتب التربية الكبرى فى التراث الإسلامى، التى كانت تمثل مشاريع متكاملة لتربية الإنسان وبناء شخصيته، ومن أبرزها كتاب «مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين» للإمام ابن قيم الجوزية، ذلك النموذج الفريد من المؤلفات التى جمعت بين بناء العقل العلمى وتزكية النفس، إذ لم يقتصر ابن القيم فيه على عرض المفاهيم الإيمانية أو شرح المقامات الروحية، بل قدَّم رؤية تربوية عميقة لمسار الإنسان فى علاقته بربه، وفى تهذيب سلوكه، وفى ترسيخ الوعى بالغاية من العلم والعمل.

فهذا الكتاب الذى ألَّفه ابن القيم كى يشرح ويُعقِّب على كتاب «منازل السائرين إلى الله» للإمام الهروى الحنبلى لم يقف عند حدود شرحه وتقديم تفسير للنص الأصلى فحسب، بل تحول إلى عمل مستقل جمع فيه بين التحليل العقدى وتزكية الروح والتأصيل العلمى، ليصبح من أهم الأسفار التى جمعت بين عمق الفكر الشرعى وروح التربية الإيمانية فى التراث الإسلامى.

وإذا كانت الوسائل الرقمية قد أغرقت الأجيال الجديدة بسيل من المعلومات التى جعلتهم يلتهمون المعلومات بسرعة مع عجز عن القراءة المعمقة لها، وبالتالى قلَّصت من حجم الاستفادة مما يقرأون، فإن قراءة «المدارج» لا بد أن تكون قراءة متأنية وتأملية وفى سياق تربوى لتعظيم الاستفادة منه، حيث يتوقف فيها المتعلم أمام كل منزلة من منازل السير، ليرتقى فى سلم التربية. كما أن هذه الأجيال الجديدة لا بد لها من الوقوف أمام هذا السفر بشىء من التأمل والتعمق، لأن الكتاب ليس مجرد نص تراثى، بل دليل علمى لإصلاح النفس التى أرهقتها المادية وأنهكتها الأحداث المتسارعة، وهو سبيلها فى بحثها عن المعنى والطمأنينة.

وفى النهاية، يظل مدارج، السالكين شاهداً على عبقرية ابن القيم فى الجمع بين العلم والعمل، وبين التحليل العقلى والتجربة الإيمانية، ولذلك فإن العودة إليه اليوم ليست مجرد استعادة لكتاب من كتب التراث، بل هى استعادة لرؤية تربوية عميقة يمكن أن تسهم فى تجديد الخطاب الأخلاقى والروحى فى عالمنا المعاصر.


مواضيع متعلقة