سامح فايز يكتب: كيف نقرأ ظاهرة لا مركز لها؟

كتب: محرر

سامح فايز يكتب: كيف نقرأ ظاهرة لا مركز لها؟

سامح فايز يكتب: كيف نقرأ ظاهرة لا مركز لها؟

لا يبدو الحديث عن «نهاية الإخوان» دقيقاً بقدر ما يبدو مريحاً. المريح أنه يمنحنا إحساساً بأن ملفاً معقداً قد أُغلق، وأن خصماً واضحاً قد تراجع. لكن الأدق أن نقول إن ما انتهى هو الشكل التنظيمي الذي عرفناه، لا الفكرة التي حملها، ولا طرق عملها التي تعلّمت كيف تتكيّف. ما نعيشه اليوم ليس «ما بعد الإخوان» بقدر ما هو «ما بعد التنظيم الإخواني»، أي انتقال من بنية هرمية يمكن رصدها إلى حالة موزّعة يصعب الإمساك بها.

في النموذج القديم، كان كل شيء قابلاً للتحديد: قيادة، مستويات تنظيمية، قنوات اتصال، ومسارات قرار. هذا الوضوح جعل المواجهة ممكنة، لأنك تعرف أين تضرب، ومن تُحاسب، وكيف تُفكك. لكن هذا النموذج نفسه أصبح عبئاً مع تغيّر البيئة، خاصة مع صعود الفضاء الرقمي الذي لا يحتاج إلى مركز لكى يعمل. ومع الضغوط السياسية والأمنية التي أعقبت 2013، تراجعت فاعلية البنية التقليدية، وبدأت الفكرة تتحرك خارج جسدها التنظيمي، عبر منصات وأفراد وشبكات غير مركزية.

هنا تظهر المفارقة: تفكك التنظيم لم يؤدِّ بالضرورة إلى تراجع التأثير، بل في بعض الأحيان إلى اتساعه. لأن ما كان يُدار من أعلى أصبح يُعاد إنتاجه عبر مستويات متعددة، دون حاجة إلى تنسيق مباشر. لم يعد الانتماء شرطاً، ولا العضوية ضرورة. يكفي أن يتبنى الفرد سردية معينة، وأن يعيد استخدام مفردات بعينها، وأن يقرأ الأحداث داخل إطار محدد، حتى يصبح جزءاً من الأثر. بهذا المعنى، تحوّلت الفكرة من «انتماء» إلى «قابلية»، ومن «تنظيم» إلى «حالة». تظهر هذه الحالة بوضوح في طريقة تداول الخطاب. لم تعد الرسائل تُبنى داخل قنوات مغلقة ثم تُضخ إلى الجمهور، بل تُنتج في مساحات مفتوحة، وتُختصر في صيغ قابلة للتداول: مقطع قصير، جملة لافتة، أو حكاية بسيطة. ومع كل إعادة نشر، لا ينتشر المحتوى فقط، بل يترسّخ معناه، لأن التكرار يمنح الإحساس بالبداهة. هكذا تتحول بعض القوالب التفسيرية -مثل اختزال السياسة في ثنائيات حادة، أو قراءة الدولة بوصفها خصماً دائماً- إلى مفاتيح جاهزة تُستخدم في مواقف مختلفة، دون حاجة إلى بناء حجة جديدة في كل مرة.

هذا التحول يغيّر أيضاً موقع الجمهور. لم يعد متلقياً سلبياً، بل مشاركاً في إنتاج المعنى: يقتطع، ويعلّق، ويعيد الصياغة. ومع الزمن، تتكوّن دوائر يتكرر داخلها نفس النوع من التفسير، فيتعزز الشعور بالاتساق، ويقل الاحتكاك بقراءات مغايرة. في هذه البيئة، لا تُقصى الأفكار بالمنع، بل بالتزاحم؛ ما يظهر يزداد حضوراً، وما لا يظهر يتراجع حتى لو كان أكثر عمقاً. لذلك، يصبح السؤال عن «ما الذي يُرى» لا يقل أهمية عن السؤال عن «ما الذي يُقال».

الخطأ الشائع هنا هو الاستمرار في التعامل مع الظاهرة بأدوات صُممت للتعامل مع تنظيمات. هذه الأدوات -مهما كانت ضرورية- تظل محدودة الأثر إذا لم تُستكمل بفهم أعمق لكيفية تشكّل المعنى وانتشاره. فالمسألة لم تعد فقط في ضبط الموارد أو تفكيك الشبكات، بل في تفكيك القوالب التفسيرية نفسها، وفي تقديم بدائل قادرة على تفسير الواقع دون اختزاله. هذا عمل أبطأ، وأقل إثارة، لكنه أكثر تأثيراً على المدى الطويل، لأنه يعيد بناء المجال الذي تتحرك فيه الأفكار، بدل الاكتفاء بملاحقتها بعد أن تنتشر.

لا يعني ذلك التقليل من أهمية المواجهة القانونية والأمنية للتنظيمات، بل يعني إدراك حدودها. فحين تتحول الفكرة إلى حالة، تصبح المواجهة متعددة المستويات: إعلامية، وثقافية، وتعليمية. المطلوب ليس فقط الرد على خطاب بعينه، بل توسيع ما يُرى ويُسمع، وإتاحة مسارات قراءة أكثر تعقيداً، تعترف بتعدد الزوايا وتفكك الثنائيات السهلة. لأن الفراغ في هذا المجال هو ما يسمح للقوالب الجاهزة بأن تملأه.

في المحصلة، لسنا أمام نهاية بقدر ما نحن أمام تحوّل. من تنظيم إلى شبكة، ومن عضوية إلى تأثير، ومن قيادة إلى انتشار. وهذا التحول يفرض أسئلة جديدة: كيف نقرأ ظاهرة لا مركز لها؟ وكيف نتعامل مع فكرة لا تحتاج إلى تنظيم كى تعيش؟ الإجابة لا تكون بالحنين إلى أدوات الماضي، بل بفهم شروط الحاضر، حيث لا تُقاس قوة الخطاب بما يقوله فقط، بل بقدرته على أن يُرى، وأن يُعاد تداوله، وأن يبقى حاضراً بعد أن يُقال.


مواضيع متعلقة