ماجدة القاضي تكتب: «الإخوان».. رهان الغرب الخاسر

كتب: محرر

ماجدة القاضي تكتب: «الإخوان».. رهان الغرب الخاسر

ماجدة القاضي تكتب: «الإخوان».. رهان الغرب الخاسر

لأكثر من تسعين عاماً، ظلت العلاقة بين الغرب وجماعة الإخوان المسلمين موضوعاً خصباً للجدل السياسي والفكري. فبينما ذهبت أدبيات عديدة في عالمنا العربي إلى اعتبار الجماعة إحدى الأدوات التي صنعتها القوى الاستعمارية الغربية لخدمة مصالحها في المنطقة، رفضت وجهات نظر أخرى هذا الطرح، مؤكدة أن الجماعة نشأت في سياق مصري ارتبط بالتحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها البلاد في النصف الأول من القرن العشرين.

ورغم استمرار هذا الجدل حتى اليوم، فإن التركيز عليه وحده قد يحجب السؤال الأكثر أهمية في فهم العلاقة بين الغرب وجماعة الإخوان. فالقضية لم تعد تقتصر على البحث في ظروف النشأة أو محاولة إثبات ما إذا كانت الجماعة صناعة غربية أم حركة محلية مستقلة، بقدر ما تتعلق بتتبع التحولات التي طرأت على نظرة الغرب إليها عبر العقود، وكيف انتقلت هذه النظرة من السماح بالنمو، إلى مرحلة الاستثمار السياسي، ثم إلى مرحلة مختلفة تماماً يمكن وصفها بمرحلة إدارة الفشل والاحتواء.

وخلال العقود الماضية، لم تكن علاقة القوى الغربية بجماعة الإخوان ثابتة أو مستقرة، بل خضعت لتحولات عميقة فرضتها المتغيرات الدولية والإقليمية، فتحولت الجماعة من ورقة اعتُبرت، في مراحل معينة، أداة يمكن الاستثمار فيها، إلى ملف يخضع اليوم للمراجعة. ولعل فهم هذه المرحلة هو المدخل الحقيقي لفهم كيفية تعامل الغرب مع الإخوان بعد تعثر مشروعهم السياسي.

من النشأة إلى الاستثمار.. كيف تحول الإخوان إلى رهان غربي؟

لم يكن الجدل حول نشأة الجماعة هو العامل الحاسم في تشكيل الموقف الغربي منها. فبغض النظر عن طبيعة العلاقة التي ربطت الإخوان بالسلطات البريطانية خلال العقود الأولى من عمر التنظيم، فإن الجماعة نجحت تدريجياً في فرض نفسها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مؤثراً داخل عدد من المجتمعات العربية والإسلامية. ومع اتساع هذا الحضور، بدأت دوائر غربية مختلفة تنظر إليها باعتبارها قوة لا يمكن تجاهلها في معادلات المنطقة.

وخلال الحرب الباردة وما تلاها، لم يكن الاهتمام الغربي بالجماعة نابعاً من تبني مشروعها الفكري، بقدر ما كان مرتبطاً بقيمتها الوظيفية في مواجهة خصوم آخرين اعتُبروا أكثر تهديداً للمصالح الغربية، من القومية العربية إلى الشيوعية.

ومع نهاية الحرب، برزت داخل بعض الدوائر السياسية والبحثية الغربية فرضية جديدة تقوم على إمكانية دمج الإسلام السياسي في العملية الديمقراطية، وتحويله إلى شريك بدلاً من اعتباره مصدراً للتهديد. وبلغ هذا الرهان ذروته مع الربيع العربي، عندما انتقلت الفرضية من قاعات البحث إلى الواقع السياسي. لكن ما بدا آنذاك فرصة لإعادة تشكيل العلاقة بين الغرب والإسلام السياسي، سرعان ما تحول إلى اختبار كشف حدود هذا الرهان، وفتح الباب أمام مراجعات عميقة لا تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.

كيف سقط الرهان الغربي على الإسلام السياسي؟

لم يكن الربيع العربي مجرد لحظة صعود للإسلام السياسي، بل كان أيضاً لحظة اختبار للفرضيات التي تشكلت داخل الدوائر الغربية حوله.

ففي تلك المرحلة، لم يكن الرهان الغربي منصباً على جماعة الإخوان وحدها، بقدر ما كان منصباً على فكرة أوسع، مؤداها أن دمج الحركات الإسلامية المنظمة في المجال السياسي قد يسهم في تحقيق استقرار طويل الأمد، ويحد من تأثير التيارات الأخرى. لكن نتائج التجربة جاءت أكثر تعقيداً مما توقعه أنصار هذه الفكرة.

ففي عدد من الدول التي شهدت صعود الإسلام السياسي، ظهرت أزمات تتعلق بإدارة الحكم، وبناء التوافقات الوطنية، والتعامل مع الاستقطاب السياسي والاجتماعي، فضلاً عن تصاعد وتيرة العنف. ومع تعثر التجربة وتزايد أزماتها، بدأ السؤال يتغير داخل العواصم الغربية الكبرى، فلم يعد يدور حول كيفية دمج هذه الحركات والاستفادة منها، بل حول حدود هذا الدمج وإمكاناته الفعلية على أرض الواقع.

ومع مرور الوقت، أصبحت المراجعات أكثر وضوحاً، بعدما تبين أن الظاهرة أكثر تعقيداً من أن تختزل في معادلة سياسية واحدة يمكن أن تصنع الاستقرار أو تخدم المصالح الغربية بمجرد إشراكها في السلطة. ومن هنا بدأت مرحلة جديدة، لم يعد عنوانها البحث عن فرص للشراكة، بل كيفية إدارة التداعيات التي خلفها فشل الرهان السابق، واحتواء آثاره داخل المجتمعات الغربية وخارجها.

-من الاستثمار إلى الاحتواء

إذا كان الربيع العربي قد مثل لحظة اختبار لرهان غربي طويل على إمكانية دمج الإسلام السياسي في معادلات الشرق الأوسط بما يحقق المصالح الغربية ويعزز الاستقرار، فإن السنوات التي تلته كشفت عن تحول أعمق، نابع من قناعة متزايدة بأن هذا الرهان لم يحقق النتائج المرجوة.

ومن هنا انتقل اهتمام دوائر صنع القرار الغربي إلى كيفية التعامل مع جماعة الإخوان والإسلام السياسي عموماً، وما يرتبط بهما من آثار سياسية واجتماعية وأمنية، وهو ما أدى إلى تغير واضح في الأولويات الغربية.

ويتجلى هذا التحول في السياسات التي انتهجتها عدة دول أوروبية خلال السنوات الأخيرة. فقد اتجهت فرنسا إلى تشديد الرقابة على المؤسسات الدينية والمدنية بعد سلسلة من الأزمات الأمنية المرتبطة بما سُمي بـ«الانفصالية الإسلامية»، من خلال تعزيز احترام مبادئ الجمهورية. كما وسعت ألمانيا نطاق المتابعة الأمنية للحركات والتنظيمات المرتبطة بالإسلام السياسي، خاصة في مجالات العمل المدني والثقافي والتعليمي.

أما بريطانيا، التي احتفظت لعقود بعلاقة أكثر تعقيداً مع الجماعة، فقد شهدت هي الأخرى مراجعات دورية للأنشطة والشبكات المرتبطة بها داخل البلاد، بدأت مع المراجعة التي أطلقتها حكومة ديفيد كاميرون عام 2014، وانتهت إلى التأكيد على أن الانتماء إلى الجماعة أو الارتباط بها ينبغي النظر إليه بوصفه مؤشراً يستدعي التدقيق الأمني، وهو ما عكس انتقال لندن من سياسة الانفتاح النسبي إلى مرحلة أكثر حذراً في التعامل مع التنظيم وشبكاته، حتى وإن لم تصل الحكومة البريطانية إلى حد تصنيف الجماعة منظمة إرهابية.

لكن اللافت أن هذه السياسات لم تتبع نحو المواجهة الشاملة أو الحظر الكامل، بقدر ما اتجهت إلى الرقابة والحذر وإدارة المخاطر. فالغرب لم يعد يتعامل مع القضية باعتبارها مشكلة تنظيم سياسي فحسب، بل باعتبارها منظومة أوسع من العلاقات والمؤسسات وشبكات التأثير التي تراكمت عبر عقود طويلة.

وفي المقابل، وبينما شددت الدول الأوروبية الرقابة على شبكات الإسلام السياسي، ظلت واشنطن أكثر تردداً في تبني مقاربة تقوم على تصنيف جماعة الإخوان منظمة إرهابية. فالمعضلة بالنسبة للإدارة الأمريكية لم تكن إصدار حكم أيديولوجي على الجماعة، بقدر ما كانت تتعلق بالتعامل مع شبكة واسعة ومتنوعة من الكيانات والفروع التي يصعب جمعها تحت توصيف واحد. وهو ما يعكس انتقال المقاربة الأمريكية من منطق الرهان السياسي إلى منطق أكثر براجماتية، يقوم على إدارة المخاطر والحفاظ على هامش من المرونة، بدلاً من تبني سياسة القطيعة الشاملة، عبر التعامل الانتقائي مع بعض الفروع دون التنظيم العالمي بأكمله.

ويمكن القول إن الغرب لم ينتقل من دعم الإخوان إلى محاربتهم، ولا من الرهان عليهم إلى القطيعة الكاملة معهم. فما حدث في الواقع أكثر تعقيداً، إذ انتقل من محاولة توظيف الإسلام السياسي داخل معادلات الاستقرار إلى محاولة إدارة تداعياته وتقليص مخاطره. وبين المرحلتين، تغير موضوع الاهتمام نفسه، من شريك محتمل إلى نفوذ يجب مراقبته.

وربما تكشف هذه التحولات أن المراجعة الغربية لم تكن مراجعة لجماعة الإخوان وحدها، بل مراجعة لسنوات طويلة من الافتراضات التي حكمت العلاقة بين الغرب وفكر الإسلام السياسي منذ نهاية الحرب الباردة.

ختام:

ربما لم يكن الرهان الغربي على الإخوان خطأ في قراءة الجماعة وحدها، بل خطأ في قراءة طبيعة الحركات الأيديولوجية نفسها. فقد افترضت دوائر غربية، لسنوات، أن إدماج الإسلام السياسي في العملية السياسية سيقود تلقائياً إلى الاستقرار بما يخدم مصالحها، لكن التجربة أثبتت أن الواقع أكثر تعقيداً من هذه المعادلة المبسطة.

واليوم، وبعد سنوات من المراجعات، لم يعد الغرب يتعامل مع الإخوان باعتبارهم شريكاً سياسياً محتملاً، كما لم يصل إلى حد القطيعة الكاملة معهم. وبين الرهان القديم وسياسات الاحتواء الحالية تكمن قصة واحدة: قصة محاولة توظيف فاعل أيديولوجي لتحقيق أهداف سياسية، ثم اكتشاف حدود قدرته وحدود الرهان عليه. ولهذا، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت جماعة الإخوان قد خسرت رهانها على الغرب، بل ما إذا كان الغرب نفسه قد خسر رهانه عليها.

**إعلامية مصرية، كاتبة وباحثة متخصصة في شئون الشرق الأوسط.

**من مجلة الوطن العربي.


مواضيع متعلقة