علي الفاتح يكتب: مصر التي تُطل من شُرفة «الأوكتاجون»..!

كتب: محرر

علي الفاتح يكتب: مصر التي تُطل من شُرفة «الأوكتاجون»..!

علي الفاتح يكتب: مصر التي تُطل من شُرفة «الأوكتاجون»..!

لدينا إشارات مهمة أن هناك تغيراً في السياسات الداخلية يلوح في الأفق، وأن وعياً جديداً يتولد بأهمية المشاركة الحزبية والمجتمعية في صناعته، وبدور الصحافة والإعلام في تسريع وتيرته، وتصحيح مساراته، ومنحه المصداقية والموثوقية لدى الرأي العام.

أبرز هذه الإشارات حديث الرئيس عبدالفتاح السيسي، أثناء افتتاح «الأوكتاجون»، عن توجيهه الحكومة بوضع استراتيجية اقتصادية وطنية جديدة يتم تطبيقها بعد الانتهاء من برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي.

حتى الآن لا أحد يعلم ما إذا كانت حكومة الدكتور مصطفى مدبولي ومجموعتها الاقتصادية هي من سيرسم ملامح تلك الاستراتيجية، لا سيما وأننا على ما يبدو مقبلون على مرحلة مغايرة، والحكومة الحالية اعتادت العمل في سياق خطط وبرامج اقتصادية ارتبطت بالصندوق.

لكن، وفي كل الأحوال، يتعين على الحكومة إعلان المدى الزمني لانتهاء برنامجها للإصلاح الاقتصادي الحالي، وألا تنفرد بوضع استراتيجية مصر الاقتصادية، خاصة وأن هناك بين خبراء الاقتصاد وأساتذته في الجامعات المصرية من لديه ملاحظات على الأداء الحكومي والسياسات الاجتماعية المتبعة، وهذا طبيعي مع أي جهد بشري ومع حكومة تعمل كثيراً، ما يعني أن الخطأ في بعض التوجهات والقرارات وارد، تماماً كما أن هناك نجاحات لا تخطئها عين.

بناء استراتيجية اقتصادية وطنية جديدة لن يبدأ من الصفر، فهناك مخرجات الحوار الوطني في الملف الاقتصادي، والذي قادته الدولة مع معظم الأطياف من مختلف الاتجاهات السياسية، ومن الممكن الاعتماد عليها في رسم الملامح الأولى لتلك الاستراتيجية.

قد تمثل مشاركة مختلف الأحزاب انطلاقاً من برامجها الاقتصادية والاجتماعية المتعددة في بناء هذه الاستراتيجية البداية الحقيقية لخلق آلية سياسية لتفعيل توجيهات الرئيس بشأن تنشيط الحياة الحزبية، وتعزيز دور الأحزاب في عملية بناء وتحديث الوطن.

لا أحد في الدولة المصرية ينكر معاناة المصريين جراء تداعيات الإصلاح الاقتصادي، بل إن الرئيس نفسه أثنى في أكثر من مناسبة على صبر وتحمُّل المصريين، لذلك تحتاج الاستراتيجية الوطنية الجديدة أن تنال مصداقية ودعم الرأي العام.

أولى ركائز هذه المصداقية أن يرى المصريون ويسمعوا مشاركة كل الأصوات الوطنية، بثراء تنوعها واختلافها، في بناء برنامج اقتصادي وطني جديد ومغاير يعمل بعيداً عن سياسات صندوق النقد الدولي.

توجيه الرئيس للحكومة بضرورة الاستماع للمواطن، وفتح المجال العام، عبر إعلام وطني يعرض الرأي والرأي الآخر في إطار من الاحترام المتبادل والتفاهم العام، ليس بعيداً عن هذا الطرح.

فعملية المشاركة في بناء استراتيجية اقتصادية لن تتم فقط داخل الغرف المغلقة وقاعات الاجتماعات، وإنما عبر وسائل الإعلام المختلفة من صحف وفضائيات وبرامج إذاعية.

وهذا ما من شأنه تسريع وتيرة تشييد هذه الاستراتيجية، وتصحيح مساراتها أثناء وضعها، وبعد تطبيقها، وهو ما سيمنحها المصداقية والموثوقية لدى الرأي العام المصري لأنه، وبمعنى من المعاني، شارك في صناعتها، وفي تصحيح بعض توجهاتها خلال الممارسة العملية لها بتعبيره الحر والملتزم عن المشكلات والتحديات التي يواجهها في حياته اليومية.

ما يتعين الوقوف عنده طويلاً أن حديث الرئيس عن إعلام حر وطني، وإنصاف الحكومة للمواطن ومعاناته، وتنشيط الحياة الحزبية، والإسراع بعمل قانون ينظم إجراء الانتخابات المحلية، وتوجيه الهيئات الصحفية والإعلامية المختلفة للتعاون مع وزارة الدولة للإعلام لمراجعة السياسات الإعلامية وتقييم الأداء، جاء بما يمكن وصفه «في إطار حزمة إصلاحات شاملة»، وضعها تحت عنوان رئيسي «الإنصات للمواطن وتمكينه من توصيل صوته عبر إعلام متنوع».

يتعين أن نتمسك بروح وحرفية نص ما قاله الرئيس بصيغة التوجيه وليس التمني.

فتح صفحات الجرائد والبرامج التليفزيونية أمام الآراء المختلفة لا يحتاج الكثير من الوقت، على أن يتم ذلك وفق القواعد المهنية والصحفية التقليدية، التي نعرفها جميعاً.

الصحافة المصرية ثرية بأبنائها المهنيين والوطنيين القادرين على إدارة حوار مجتمعي بين جميع الشرائح والفئات وبين الحكومة ورجل الشارع، بعيداً عن أكاذيب وشائعات، بل وخرافات مواقع التواصل الاجتماعي.

لا بد من إتاحة الفرص أمام الكفاءات المهنية الملتزمة بقواعد ميثاق الشرف الصحفي والإعلامي، لا سيما وأن الإعلام المصري بحاجة إلى وجوه جديدة تقوم بهذا الدور ليستعيد مصداقيته وموثوقيته.

على الحكومة أن تكون حاضرة في قلب هذا المشهد بالتفاعل الإيجابي مع ما يعرض من مشكلات للمواطنين، سواء عبر برامج التليفزيون أو حتى صفحات بريد القراء في مختلف الصحف والمجلات كما كان يحدث في الماضي.

وما دمنا بصدد الحديث عن إعداد مشروع ينظم انتخابات المجالس المحلية، فهذه مناسبة أخرى لتبرهن الحكومة على استجابتها الإيجابية والفعالة لتوجيهات الرئيس، وتبدأ بعقد نقاشات جادة مع مختلف الأحزاب والقوى السياسية، وتتوافق معهم على صيغة ديمقراطية لإنجاح هذه الانتخابات وتشكيل مجالس المحليات التي طال غيابها.

وهي أيضاً فرصة أخرى ليكون الإعلام إحدى أدوات فتح المجال العام لعرض آراء وتصورات وأفكار مختلف السياسيين الحزبيين والمستقلين حول مشروع هذا القانون.

ربما نكون أمام فرصة حقيقية للمشاركة في صناعة التغيير، الذي يرضى عنه غالبية المصريين، التغيير الذي يليق بوجه مصر القوية العزيزة، التي تطل من شرفة «الأوكتاجون» على العالم كملكة.

فبهاء ملكتنا لن يكتمل دون استكمال بناء باقي عناصر قوة جبهتها الداخلية الشاملة لتزهو على الدنيا بشدة بأس جيشها القادر على الوصول إلى آخر نقطة في امتدادات نفوذها الحيوي إقليمياً ودولياً، وقوة إعلامها، وحيوية حياتها الحزبية والسياسية، والمشاركة الفعالة لكل أبنائها في عملية البناء بالرأي والمراقبة والمتابعة، وتصحيح المسار كديناميكية مستمرة تضمن استدامة قوة وتأثير الدولة المصرية.


مواضيع متعلقة