سامح فايز يكتب: الإخوان ومنطق الرصاص
سامح فايز يكتب: الإخوان ومنطق الرصاص
تكشف دراسة تاريخ تنظيم الإخوان أن العنف لم يكن حادثاً منفصلاً في مسيرته، ولا واقعة انتهت بانتهاء أصحابها، وإنما ظهر في أكثر من مرحلة كلما دخل التنظيم واحدة من أزماته السياسية والتنظيمية. تغيرت الأسماء، وتبدلت القيادات، واختلفت أدوات التنفيذ، لكن بقيت هناك محطات متكررة انتقل فيها الصراع من ساحة السياسة إلى ساحة السلاح. ولهذا فإن الربط بين حادث من أبرز حوادث التنظيم الإرهابية، عام 1954، ومحاولة اغتيال الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وما شهدته مصر بعد عام 2013 من ظهور تنظيمات مثل «حسم» و«لواء الثورة»، لا يقوم على تشابه الأشخاص أو الظروف، وإنما على ملاحظة نمط تاريخي يرى أن الأزمات الكبرى التي واجهها التنظيم صاحبها، في مراحل مختلفة، عودة إلى أنماط من العنف اختلفت في الشكل واتحدت في النتيجة.
بدأت هذه القصة قبل حادث المنشية بسنوات، عندما أنشأت الجماعة ما عُرف بـ«النظام الخاص»، وهو جهاز سري عمل خارج الهيكل التنظيمي العلني. وكشفت قضية السيارة الجيب عام 1948 عن جانب من بنيته، بعدما ضُبطت سيارة تحتوي على أسلحة ووثائق وأسماء وخطط، لتصبح القضية واحدة من أهم القضايا التي سلطت الضوء على طبيعة هذا الجهاز. وفي العام نفسه اغتيل المستشار أحمد الخازندار، ثم اغتيل رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي باشا، وهي وقائع شكلت نقطة تحول في علاقة الدولة بالجماعة، ورسخت قناعة لدى الدولة بأن التنظيم لم يعد مجرد حركة دعوية أو سياسية، وإنما أصبح يمتلك ذراعاً سرية قادرة على تنفيذ عمليات عنف.
جاءت محاولة اغتيال الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية في السادس والعشرين من أكتوبر 1954 لتفتح فصلاً جديداً أكثر حدة، انتهى إلى أحكام بالإعدام على عدد من قيادات الجماعة، بينما خُفف الحكم الصادر بحق المرشد العام حسن الهضيبي. ولم تكن نتائج المنشية قضائية فقط، بل كانت سياسية أيضاً، إذ دخلت الجماعة منذ ذلك التاريخ في صدام طويل مع الدولة المصرية، استمر بأشكال مختلفة عبر العقود التالية.
لم تتوقف آثار تلك المرحلة عند حدود السجون والمحاكم، بل امتدت إلى المجال الفكري. ففي الستينات برز سيد قطب بوصفه أحد أكثر منظري الجماعة تأثيراً، وتحولت بعض كتاباته، وفي مقدمتها «معالم في الطريق»، إلى مرجع استندت إليه لاحقاً تيارات إسلامية متشددة. وفي عام 1965 أعلنت الدولة المصرية إفشال محاولة إعادة بناء الجهاز السري والتخطيط لعمليات تستهدف مؤسسات الدولة، وانتهت المحاكمة بإعدام سيد قطب ويوسف هواش وعبدالفتاح إسماعيل عام 1966، بينما صدرت أحكام متفاوتة بحق آخرين. وبصرف النظر عن الجدل الفكري الذي صاحب هذه المرحلة، فإنها رسخت لدى الدولة قناعة بأن المواجهة لم تعد أمنية فقط، بل أصبحت أيضاً مواجهة مع أفكار تمنح العنف غطاءً نظرياً.
عاد المشهد إلى التبدل مرة أخرى بعد أحداث الثلاثين من يونيو 2013. فقد شهدت مصر موجة من العمليات الإرهابية استهدفت رجال القوات المسلحة والشرطة والقضاء، إلى جانب منشآت عامة ومرافق حيوية. وخلال تلك السنوات أعلنت وزارة الداخلية والنيابة العامة ضبط خلايا متعددة، بينما نظرت المحاكم المصرية عشرات القضايا المرتبطة بأعمال عنف، وصدرت أحكام في عدد منها. وبرز في تلك المرحلة اسما تنظيمي «حسم» و«لواء الثورة»، اللذين صنفتهما الدولة المصرية تنظيمين إرهابيين، وربطت التحقيقات القضائية عدداً من المتهمين فيهما بوقائع استهدفت شخصيات عامة ومنشآت حيوية.
وتعد قضية اغتيال المستشار هشام بركات، النائب العام، في يونيو 2015، من أبرز القضايا التي عكست طبيعة هذا التحول. كما شهدت البلاد اغتيال العميد أركان حرب عادل رجائي عام 2016، إلى جانب عمليات استهدفت أبراج الكهرباء والارتكازات الأمنية، في نمط اعتمد على الخلايا الصغيرة والعبوات الناسفة والرصد المسبق، وهو ما يختلف في أدواته عن التنظيمات السرية التقليدية، لكنه يلتقي معها في توظيف العنف لتحقيق أهداف سياسية.
تكشف هذه المحطات أن أدوات العنف تغيرت مع الزمن. ففي الأربعينات كان التنظيم السري هو الإطار، وفي الخمسينات برزت محاولة استهداف رأس الدولة، وفي الستينات ظهر الجدل الفكري الذي منح بعض التنظيمات اللاحقة مرجعياتها، بينما اعتمدت التنظيمات المسلحة بعد عام 2013 على الخلايا المحدودة والاغتيالات والعبوات الناسفة. تغير السلاح، وتبدلت وسائل التنفيذ، لكن النتيجة بقيت واحدة، سقوط ضحايا، وتهديد الأمن العام، وفتح جولات جديدة من المواجهة بين الدولة والتنظيمات المسلحة.
ولا يعني هذا تجاهل اختلاف الظروف بين كل مرحلة وأخرى، فلكل قضية سياقها وأدلتها وأحكامها، ولكل جيل ظروفه السياسية. لكن قراءة التاريخ لا تقتصر على سرد الوقائع، بل تسعى أيضاً إلى اكتشاف الأنماط المتكررة. وفي الحالة المصرية يبدو أحد هذه الأنماط واضحاً، فكلما دخل التنظيم في أزمة كبرى، عادت قضية العنف إلى الواجهة بصورة أو بأخرى، وهو ما جعل الدولة المصرية تتعامل مع هذا ملف، عبر العقود، باعتباره قضية تتعلق بالأمن القومي، لا مجرد خلاف سياسي عابر.
لهذا لا ينبغي أن تُقرأ حادثة المنشية باعتبارها واقعة من الماضي، ولا أن تُقرأ القضايا المرتبطة بتنظيم «حسم» باعتبارها أحداثاً منفصلة عن سياقها التاريخي. فبين المحطتين أكثر من ستين عاماً، تغير خلالها العالم مرات عديدة، لكن دراسة هذه المراحل تكشف كيف يمكن للأفكار التي تبرر استخدام القوة أن تعود في صور مختلفة كلما توافرت لها الظروف المناسبة. وربما كان هذا هو الدرس الأهم الذي تقدمه التجربة المصرية، فحماية الدولة لا تبدأ فقط من مواجهة السلاح، وإنما تبدأ أيضاً من حماية الوعي، وتجفيف منابع الفكر الذي يمنح العنف شرعية، وترسيخ دولة القانون باعتبارها الطريق الوحيد لإدارة الخلافات السياسية.