علي الفاتح يكتب: فتنة «هرمز».. من الخاسر؟

كتب: محرر

علي الفاتح يكتب: فتنة «هرمز».. من الخاسر؟

علي الفاتح يكتب: فتنة «هرمز».. من الخاسر؟

ليس بوسع زعيم على طريقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانتصار في معركة دبلوماسية أو حرب عسكرية أو تجارية، صغرت أم كبرت، ذلك أنه لا يستمع إلا لصوته، وأصوات المشابهين له، مُبتعداً عن السياسة ومواءمتها التي تختلف تماماً في أدواتها ونتائجها عن حسابات الربح والخسارة لدى مقاول عقاري.
أغلب حروب ترامب التجارية، التي خاضها ضد معظم دول العالم، بما في ذلك حلفاؤه الأوروبيون، إضافة إلى الصين، باءت بالفشل واضطر، باللغة العسكرية، إلى التقهقر للوراء، وفي أحيان أخرى إلى الفرار سريعاً من أرض المعركة، على نحو ما شهدنا في صراعه مع التنين الصيني.
المسألة تُشبه تعاملك مع حبل مطاط يوفر لك مرونة الشد والجذب والإرخاء، فإن أنت شددت الحبل بأقصى قوتك، متجاهلاً ميزة صناعة المواءمات التي يمنحها لك المطاط سيأتي وقت تتآكل أطرافه، وتحدث به بعض الشقوق، لتُفاجأ بانقطاع الحبل وارتطامك بالأرض، حيث الصدمة الكبرى.
المطاط هنا يُمثل السياسة وما توفره من مرونة تجعلك تصنع مواءمات بين القوة والليونة، مما يسمح لك بتحقيق مكاسب مع بعض التنازلات غير المهينة.
«ترامب» لا يعترف بالسياسة، ومبدأه المعلن استخدام الضغط الأقصى بالقوة في أشد صورها لإخضاع الخصم، أو ما يسميه هو فرض السلام بالقوة، من المهم الإشارة هنا إلى أن منتقديه داخل الولايات المتحدة يؤكدون دائماً أنه لم ينجح في عقد صفقة تجارية شفافة ناجحة طوال حياته لاعتماده الدائم على هذا النهج.
فشل سيناريو فنزويلا، واحترقت كل قواعده العسكرية في المنطقة، وخسر مخزوناته الاستراتيجية من الصواريخ الهجومية والدفاعية، ما اضطره إلى اتباع أسلوب الثعالب ليوقع مذكرة تفاهم عكست حقيقة انتصار إيران بالصمود، وعبر صواريخها الباليستية وطائراتها المسيرة.
أرادها مناورة صغيرة لتهدئة أسعار البترول وإطفاء حرائق سعر جالون البنزين داخل أمريكا، لكنه سرعان ما عاد إلى طبيعته الأولى كرجل غشيم لديه يقين بأنه الأذكى والأقوى، عاد يريد تنفيذ مشروع الحرية لفتح مضيق هرمز بالقوة، الذي سبق وفشل فيه بسبب رفض المملكة السعودية استخدام أجوائها وأراضيها.
لكنه فوجئ بصدمة قرار الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز نهائياً، فلجأ إلى إعادة حصار موانئ إيران وشن هجمات عسكرية محدودة على محافظات ساحلها الجنوبي واستهداف البنية التحتية المدنية من مرافق وطرق وحتى مستشفيات وخطوط سكك حديدية، وما يتصور أنها مخازن للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.
يعتقد ترامب أن الضغط العسكري والاقتصادي، دون خوض حرب إقليمية واسعة، قد يأتي بأكله بمرور الوقت، خلال شهر أو شهرين يكون قد جهز بعض الجماعات الإيرانية المسلحة للدخول على خط الصراع لتكمل هي المهمة.
وربما فكر، كما ذكرت بعض التقارير الصحفية، في استخدام السلاح النووي التكتيكي ضد المنشآت النووية الإيرانية في الجبال المحصنة طبيعياً وأشهرها جبل الفأس.
بالتوازي مع ذلك، يكون قد نجح في إشعال حرب إقليمية عربية فارسية بضرب مصادر طاقة وبنية تحتية إيرانية مدنية لترد إيران على ما يقابلها في دول الجوار.
لذلك طلب دونالد ترامب من مجرم الحرب نتنياهو الانسحاب من بعض الأراضي في جنوب سوريا التي احتلها مؤخراً، عندما تكتمل حلقة النار حينها سينسحب ترامب بكامل حشوده العسكرية من منطقة الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه عزل الكيان الصهيوني عن أتون هذه الحرب، وهذا ما يفسر اتفاقه مع نتنياهو على عدم المشاركة في العمليات العسكرية الجارية الآن.
في مخطط ترامب العودة إلى المنطقة، بعد أن يكون الدمار قد عم الجميع ليسيطر على ثرواتها ومقدراتها النفطية، أما إذا خضعت إيران قبل أن تتمكن من إلحاق الدمار والخراب بحقول البترول والغاز والبنية التحتية في دول الجوار فسيعود ليفرض إتاوة قد تصل إلى 50% من إجمالي عائدات صادرات المنطقة وليس 20% كما أعلن أكثر من مرة في الآونة الأخيرة.
في واشنطن تلاحق ترامب من قاعدته الانتخابية، قبل معارضيه في الحزب الديمقراطي، عدة تساؤلات عن جدوى الحرب من الأساس واستراتيجيته للخروج منها بأقل الخسائر.
لن تمنح إيران ترامب فرصة اللعب على الوقت، فقد تذهب مباشرة إلى توسعة نطاق الصراع لتجبره على الانخراط في حرب شاملة بتوجيه ضربات مباشرة إلى حظائر طائراته داخل مطار بن جوريون الإسرائيلي والقواعد العسكرية التابعة لسلاح الجو في جيش الاحتلال.
وهذا ما فهمه الكيان الصهيوني من توجيه إيران 4 صواريخ باليستية إلى منطقة العقبة الأردنية، القريبة من أراضي فلسطين المحتلة، والخالية من أي قواعد عسكرية أمريكية أو وجود للجنود الأمريكيين.
علاوة على ذلك لن تتأخر إيران طويلاً عن تفعيل ورقة مضيق باب المندب لتجعل سلاح الوقت سيفاً على رقبة ترامب لا على عنقها، حيث ستحتدم أزمة الاقتصاد العالمي وتتسارع معدلات التضخم في الارتفاع، وهو ما سينعكس على المواطن الأمريكي.
الأزمة الحالية أكبر من أن تعمل على حلحلتها الوساطة التقليدية، ولا بد من عزل الصراع الصهيوأمريكي الإيراني عن المحيط العربي، ومحاولة إنهائه بإجراءات عملية.
يتعين أن تتوافق دول الخليج العربي مع القوى الإقليمية الكبرى مصر، تركيا، باكستان، لإبرام معاهدة عدم اعتداء مع الدولة الإيرانية، تتضمن إعلاناً عربياً بعدم السماح باستخدام أراضي الدول العربية وأجوائها ومياهها الإقليمية من قبل القوات الصهيوأمريكية في العدوان على إيران.
لدينا تجربة إفشال مشروع الحرية واحد، وإذا تم تكرارها بنفس الطريقة بحجة تعرض البنى التحتية المدنية ومصادر الطاقة للاستهداف الإيراني لن يجرؤ ترامب على مواصلة الحرب، بل ربما أوجدنا له مخرجاً ليفر منها بحجة تخلي العرب أنفسهم عن مصدر الحماية الوحيد والموثوق والمتمثل في الولايات المتحدة، حينها سيربح الجميع، وليستمر ترامب في تغريداته مدعياً الانتصار.


مواضيع متعلقة