هاني شنودة مهندس الموسيقى الحديثة.. قدّم «الكينج والهضبة» ومزج بين الآلات الشرقية والغربية في توزيع الأغاني

كتب: أحمد عبدالرحمن

هاني شنودة مهندس الموسيقى الحديثة.. قدّم «الكينج والهضبة» ومزج بين الآلات الشرقية والغربية في توزيع الأغاني

هاني شنودة مهندس الموسيقى الحديثة.. قدّم «الكينج والهضبة» ومزج بين الآلات الشرقية والغربية في توزيع الأغاني

يُعد الموسيقار هاني شنودة واحداً من أبرز الأسماء التي صنعت ملامح الموسيقى الحديثة في مصر والعالم العربي، بعدما نجح على مدار أكثر من خمسة عقود في تقديم مشروع فني متكامل جمع بين التلحين والتوزيع والتأليف الموسيقي واكتشاف المواهب، ليصبح أحد أهم المجددين في تاريخ الأغنية المصرية، وتميزت تجربته بقدرته على المزج بين الآلات الشرقية والغربية، وتقديم شكل جديد للأغنية العربية يعتمد على التوزيع الموسيقي الحديث، في وقت كانت فيه الأغنية التقليدية هي المسيطرة على الساحة الفنية، وهو ما جعله أحد أبرز رواد «موسيقى البوب» في الوطن العربي، وصاحب مدرسة موسيقية أثرت في أجيال متعاقبة من الفنانين والموسيقيين.

أسس فرقة «المصريين» باقتراح من نجيب محفوظ وترك إرثاً فنياً في «الموسيقى التصويرية»

وشكّل تأسيسه لفرقة «المصريين» عام 1977 نقطة فارقة في تاريخ الغناء المصري، حيث جاءت الفكرة، وفق ما رواه هاني شنودة في أكثر من لقاء، باقتراح من الأديب العالمي نجيب محفوظ، الذي شجّعه على تقديم تجربة غنائية جماعية مختلفة عن السائد آنذاك، ونجحت الفرقة في تقديم نموذج جديد يعتمد على تعدد الأصوات والهارموني والتوزيع الموسيقي العصري، لتصبح خلال سنوات قليلة واحدة من أهم الفرق الغنائية في العالم العربي.

وقدّمت «المصريين» عشرات الأغنيات التي حققت نجاحاً جماهيرياً كبيراً وما زالت تحتفظ ببريقها حتى الآن، من بينها «ماشية السنيورة»، و«ماتحسبوش يا بنات»، و«لما كان البحر أزرق»، و«غنوا للحياة»، و«هزني»، و«بحبك لا»، و«مين يقدر ساعة»، و«تحسبوه»، وغيرها من الأغنيات التي أصبحت علامات بارزة في تاريخ الأغنية المصرية، لما حملته من أفكار موسيقية غير تقليدية وكلمات بسيطة قريبة من الجمهور. ولم تتوقف إنجازات هاني شنودة عند نجاح فرقة «المصريين»، بل لعب دوراً محورياً في اكتشاف وصناعة عدد من أهم نجوم الغناء في الوطن العربي، ويُنسب إليه اكتشاف عمرو دياب، بعدما التقى به في بورسعيد وأدرك موهبته مبكراً، وشجّعه على الانتقال إلى القاهرة، ليقدم له أولى خطواته الفنية ويضعه على طريق النجومية.

كما كان صاحب الدور الأبرز في تقديم محمد منير للجمهور، بعد أن رشّحه له الشاعر عبدالرحيم منصور، فتعاونا في أول أعمال «الكينج» التي صنعت انطلاقته الحقيقية، كذلك اكتشف عدداً من أعضاء فرقة «المصريين» مثل إيمان يونس ومنى عزيز وممدوح قاسم وعمر فتحي، وواصل دعمه للمواهب الجديدة حتى السنوات الأخيرة، إذ تبنى موهبة الحاجة نبيلة الشهيرة بـ«بلبلة الشرقية» بعد انتشار مقطع فيديو لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وقدم لها أعمالاً غنائية جديدة، كما أعلن دعمه للمطرب الشاب أحمد النقاش، الذي لفت الأنظار بصوته خلال عمله في دهانات الحوائط، مؤكداً إيمانه الدائم بأن الموهبة الحقيقية تستحق الفرصة مهما كانت ظروف صاحبها.

وفي مجال الموسيقى التصويرية، ترك هاني شنودة إرثاً فنياً لا يقل أهمية عن نجاحاته الغنائية، حيث وضع الموسيقى التصويرية لعشرات الأفلام التي أصبحت علامات في تاريخ السينما المصرية، وتميزت مؤلفاته بقدرتها على التعبير عن الحالة الدرامية وصناعة هوية موسيقية خاصة لكل عمل، لتتحول كثير من مقطوعاته إلى أعمال مستقلة يحفظها الجمهور حتى اليوم، ومن أبرز هذه الأعمال موسيقى أفلام: «المشبوه»، و«الحريف»، و«غريب في بيتي»، و«الغول»، و«شمس الزناتي»، إلى جانب عدد كبير من الأفلام التي تعاون خلالها مع كبار المخرجين ونجوم السينما المصرية، ونجح في أن يجعل الموسيقى عنصراً أساسياً في بناء الأحداث وليس مجرد خلفية مصاحبة للمشاهد.

كما امتدت بصماته إلى الدراما التليفزيونية والمسرح، حيث قدّم موسيقى العديد من الأعمال التي حققت نجاحاً كبيراً، وظل طوال مسيرته مؤمناً بأن الموسيقى لغة عالمية قادرة على التعبير عن المشاعر دون كلمات، ولم يكتفِ بالنجاحات التي حققها، بل استمر في تقديم الحفلات والندوات الموسيقية، ونقل خبراته إلى الأجيال الجديدة، ليبقى اسمه حاضراً باعتباره أحد أهم رواد التجديد الموسيقي في مصر، وبفضل مسيرته الممتدة وإسهاماته في تطوير الأغنية العربية واكتشاف النجوم وصناعة الموسيقى التصويرية، أصبح هاني شنودة أحد الرموز الفنية التي تركت أثراً لا يُمحى في تاريخ الموسيقى المصرية والعربية، ولا تزال أعماله مصدر إلهام للموسيقيين والجمهور.

مصطفى حمدي: كتب شهادة ميلاد مهنة الموزع الموسيقي على أغلفة شرائط الكاسيت

من جانبه قال الناقد الموسيقي مصطفى حمدي، مؤلف كتاب «مذكرات هاني شنودة.. عراب الموسيقى»، إن رحيل «هاني» خبر مؤلم؛ لأنه كان المايسترو الذي منحنا محبة وفناً وإنسانية لا تُقدر ولا تُعوض. وقال عبر حسابه الخاص على موقع التواصل فيسبوك، إنه فخور بمبادرته بشأن إلقاء الضوء على التجربة الموسيقية والإنسانية لـ«شنودة» في كتابه، متابعاً: حطّم سيد درويش تابوه الغناء العثمانلي في عصور سابقة، وأدخل محمد عبدالوهاب ومحمد فوزي فيما بعد إيقاعات السامبا والرومبا لموسيقانا المصرية، وبعدهما جاء هاني شنودة ليلقي ببذرة التوزيع الموسيقي الحديث في تربة الموسيقى المصرية ويكتب الكلمات الأولى في شهادة ميلاد مهنة الموزع الموسيقي على أغلفة شرائط الكاسيت.

وفي تصريحات لـ«الوطن»، أشار«حمدي» إلى أن الكتاب سلّط الضوء على دور «هاني» في تغيير شكل الموسيقى بشكل عام، من خلال تعاونه مع أحمد عدوية في أغنية «زحمة يا دنيا زحمة» وهو ما غيّّر شكل الموسيقى الشعبية وقتها، وعمّق تأثير الأغنية في الشارع، كذلك علاقته بعبدالحليم حافظ، الذي كان يخطط لتأسيس فرقة موسيقية مصرية غربية، قبل شروع «شنودة» في إطلاق فرقة «المصريين»، لكن المشروع لم يكتمل بسبب رحيل «العندليب» وقتها في لندن، وهو أحد العوامل التي دفعت «هاني» لتأسيس فرقة «المصريين». وحسب ما قاله هاني شنودة في المذكرات «كنت أول من أدخل الآلات الحديثة مثل الدرامز والإلكتريك جيتار في الأغنية الشعبية مع أحمد عدوية، والجميع قلدونا بعدها، وقدّمت محمد منير وعمرو دياب، وأسست فرقة موسيقية تغني باللهجة المصرية، من خلال موسيقى مواكبة لتطور الغرب، فعلت ذلك لأنني مؤمن بمقولة الفيلسوف ثيروندايك: الفرق بين العبقري والمجنون هو النجاح، نعم ما قدمته وصفه البعض بالجنون وقتها لأنه كان جديداً ومختلفاً».


مواضيع متعلقة