حسين القاضى: تنقل وظيفة المشروع الإسلامى من المحلية إلى العالمية.. ومن «الصدام» مع الغرب إلى «التعايش» معه
ما كتبه العالم الدكتور أسامة الأزهرى، فى بحثه المنشور بـ«الوطن»، أمس، بعنوان: (المشروع الإسلامى بين الحقيقة والوهم)، يمثل تشخيصا أزهريا غير مسبوق لما استشرى من آفات وأوهام وأوجاع وصلت إلى درجة الاستحلاء.
وأبدأ بملحوظتين فى الشكل، أولاهما: أن أسلوبه هذه المرة اختلف عن سابقه، فالبحث لا يصنف من كتاباته النخبوية المتخصصة ككتابه: (إحياء علوم الحديث)، ولا من كتاباته التكوينية ككتابه: (أسانيد المصريين)، ولا من كتاباته الجماهيرية ككتابه: (صائد اللؤلؤ)، وإنما جمع بين النخبة والمتوسطين والجماهير، الثانية: خلو البحث من الملاحظات الانطباعية العجلى، وتميز بنية مصطلحاته بالدقة فى انتخاب التعبيرات، فنجده يضع تعريفا للمشروع الإسلامى الحقيقى، وبيانا لسماته، وتوضيحا لغاياته، دون أن يختلط التعريف بالسمات بالغايات.
بعد هذا المدخل قد يلاحظ القارئ أن الشيخ إنما أبحر فى خيالات تشاؤمية بعيدا عن الواقع المتاح، والحقيقة هذا ادعاء إن وقع فهو غير صحيح، بل إن ما بُذل من مجهودات مادية لخدمة المشروع الإسلامى «الوهمى» لو بُذل نصفه لنشر المشروع الإسلامى «الحقيقـــى» لتغير الواقع، ثم إن روح التفاؤل ســـارية فى الأطروحة، والدليل تركيزه على بيان المشروع الإسلامى «الحقيقى»، وليس على فضح المشروع «الوهمى»، فالأصل عنده توليد المفهوم الجديد وتقديمه، وبضدها تتميز الأشياء.
إن هذا البحث تعدى ما فى بطن كاتبه، من أنه مشروع «إسلامى»، إلى بنية ووظيفة أعم وأشمل، حتى صار مشروعا «إنسانيا»، صالحا للتبشير به لدى الجميع، آية ذلك موقفه من قضايا المرأة والطفولة والحريات واتساع الحضارة وتطبيقاتها لتتسع للمسلم والمسيحى، واليهودى، والاشتراكى، والعلمانى، والليبرالى، والملحد، ولا يشعر فيها أحد فى المعاملة أنه مكره ولا مكروه ولا مضطهد، وشدة تأكيد الشيخ على المضمون الأخلاقى وأنه غاية الدين وأهم مقاصده.
إن كثيرا مما قدمه الشيخ يُعد من «الفريضة الغائبة»، وبخاصة تأكيده على عدم جدوى النقل المستمر عن الثقافات الأخرى لنهضة جديدة مركبة على خصائص مغايرة عن خصائصنا، ثم نتكلف تركيبها عن طريق تجميلها بالآيات القرآنية، ثم ندَّعى أنه قد تمت أسلمتها.
وهنا نؤكد أن المشروع الإسلامى لم يؤت من ضعف العاطفة الجياشة، أو سوء النيات، وإنما أوتى من ضيق الأفق، وعدم احترام قدرات الخصم، والخلط بين البعد الغيبى وبين احترام الأسباب.
لقد استطاع الشيخ فى بحثه أن ينقل «وظيفة» المشروع الإسلامى، لا من حالة «الوهم» إلى حالة «الحقيقة» فقط، بل من حالة السكون والتخلف والعجز إلى حالة الحركة والنقاء والنفاذية والإشراق، ومن «المحلية» إلى حالة «العالمية»، ومن حالة «التوتر والتشنج والصدام» مع الآخر إلى حالة «التعايش» مع الممارسات والخطابات المغايرة، ومن حالة «الاصطفاف الأيديولوجى» إلى حالة «الوظيفة الجماعية».
ربما فات الشيخ أن يحمِّل جزءا من المسئولية للأزهر وللدولة وللباحثين الذين أغرقوا فى التسويق والتشويق للمشروع «الوهمى»، أو انتقدوه دونما تقديم البديل «الحقيقى». مما جعل الوهميين يرونهم «منقِصين» لا «منقِذين».
لكن لا يختلف اثنان على أن هذا البحث من ورائه قراءة ورصد، وعلى قدرة كاتبه على تطبيق ما يكتبه وتغذيته، وإحداث الانتعاش له من خلال تلاميذه ومحاضراته، ولذا فإننى أطالبه بكتابات شارحة لأهم القضايا التى تناولها، وعلى رأسها الموقف من التراث والأقباط والعلمانيين والخصوصية الحضارية والوعى بالزمن والمتغيرات.
ولا أنسى الإشادة بأن الشيخ أقام لبحثه هذا لجنة تحكيم من العلماء والمفكرين، مع دعوته إلى إقامة حوار مجتمعى حول أطروحته، وهذا منهج فكرى وبحثى يستحق كل تقدير، ويكشف عن قابلية عالية ومهمة للتواصل وتبادل الرؤى، نفتقدها فى كثير من المعاصرين، والله الموفق.
لقراءة مبادرة الأزهري علي هؤا الرابط:المشروع الإسلامى بين الحقيقة والخرافةالأخبار المتعلقة:أحمد دراج: ستنجح بالنقاشعبدالله الناصر: متوافقة تماماً مع الظروف والطباع المصرية ولا تستورد النماذج الفاشلةعلى نجم: يجب تفعيلها على أرض الواقعسعيد اللاوندى: «حديثة قديمة» ويجب تفعيلها من جانب الفقهاء وشيخ الأزهرآمنة نصير: الأزهر مطالب بتقديم مشروع حقيقى وليس وهمياً مثلما فعلت الجماعةعلوى أمين: يحكمنا الإسلام ولا نحكم بهمحمد الشحات: مشروع الإخوان لم يكن إسلامياًترحيب سياسى وإسلامى بمبادرة «الأزهرى»