عنف السينما.. وعنف الواقع: فتوة نجيب محفوظ أصبح بلطجيا
عنف السينما.. وعنف الواقع: فتوة نجيب محفوظ أصبح بلطجيا
- العنف الأسري
- عنف السينما
- الفتوة
- جرائم الأطفال
- الجرائم الأسرية
- العنف الأسري
- عنف السينما
- الفتوة
- جرائم الأطفال
- الجرائم الأسرية
المشهد الأول: وسط تجمهر فى إحدى الساحات الشعبية بمصر القديمة، يشق الصف ويخرج من بين الفقراء، يقبض بيديه على عصا غليظة، يلوّح بها فى الهواء إيذاناً ببدء معركة محسومة نتيجتها مسبقاً، يهوى بـ«النبوت» على رأس خصمه، لتكون كلمة النهاية الممزوجة بهتافات الحاضرين «فتوتنا اسم الله عليه»، ويحملونه على الأعناق ويطوفون به أرجاء حارتهم، فهو الحاكم الشعبى المختار لحماية الفقراء وتحقيق العدل فى المنطقة التى يفرض عليها نفوذه.
المشهد الثانى: جروح غائرة رسمت خريطة غير واضحة على ملامح وجهه اليافع، يقف عارى الصدر يتوعد الجميع بالموت ويحمل سلاحاً يفوق حجمه، سيل من الألفاظ السوقية ممزوج بوصلة وعيد يفرض بها نفوذه على سكان المنطقة. وما بين المشهدين تاريخ طويل من التحولات الاجتماعية والاقتصادية والاخلاقية التى طرأت على المجتمع المصرى وعكستها شاشة الفن السابع.
"أديب نوبل" يتصدر بـ6 أفلام.. و"منتجو 2011" دفعوا بـ"البلطجى والراقصة وأغانى المهرجانات"
قدّم الروائى الكبير نجيب محفوظ فى أعماله صورة لعالم الفتوات فى حوارى الحسينية والجمالية القديمة، وكانت التجربة السينمائية الأولى التى تطرقت لعالم الفتوات على يد المخرج نيازى مصطفى عام 1945، فى فيلم «فتوات الحسينية» المأخوذ عن رواية لأديب نوبل، وتوالت كتابات «محفوظ» عن الفتوات التى أصبحت مصدراً هاماً لصنّاع السينما، منها «الحرافيش» التى قدمت حكايات تمثل 10 أجيال متتالية من الفتوات، وتحول بعض تلك القصص إلى أفلام، منها «شهد الملكة» عام 1985، و«الحرافيش» 1986، والفيلمان من إخراج حسام الدين مصطفى، و«المطارد» إخراج سمير سيف 1985، و«التوت والنبوت» إخراج نيازى مصطفى 1986، و«الجوع» إخراج على بدرخان 1986، إضافة لفيلمين عن قصتين قصيرتين «الشيطان يعظ» إخراج أشرف فهمى، و«فتوات بولاق» إخراج يحيى العلمى، إنتاج عام 1981.

ولم يكن الفتوة دائماً هو البطل نصير الضعفاء فى كل الأفلام، حيث تطرقت السينما إلى الفتوات الذين استخدموا قوتهم البدنية وسلطتهم فى الظلم والبطش وفرض الإتاوات على الفقراء والمستضعفين فى أماكن نفوذهم. ويأتى فريد شوقى على رأس الفنانين الذين قدموا شخصية الفتوة الشرير فى فيلم «فتوات بولاق»، كما كان فيلم «الشيطان يعظ» من الأعمال التى ضمت نماذج سيئة للفتوات الذين استخدموا سلطتهم فى البطش مثل «الدينارى والشبل» أو فريد شوقى وعادل أدهم، ومن أبرز النماذج فى السينما المصرية شخصية الفتوة حسونة السبع، التى قدمها حمدى غيث فى فيلم «التوت والنبوت»، حيث كان يفرض إتاوات كبيرة على أهل الحى ويبالغ فى اضطهادهم وإذلالهم.
وشهدت فترة الثمانينات زخماً سينمائياً فى تناول سيرة الفتوات، أعقبها تغير تدريجى، حتى وصلت السينما إلى مرحلة البلطجة، حيث قدم أحمد السقا دور البلطجى فى فيلم «إبراهيم الأبيض» للمخرج مروان حامد، عام 2009، ولاقى هجوماً كبيراً فى ذلك الوقت، وتضاعفت تلك النوعية من الأفلام حتى وصلت إلى ذروتها بعد اندلاع ثورة 25 يناير، التى أصبح معها البلطجى هو بطل الفيلم بعدما فرض نفسه درامياً بسبب تخبط الأوضاع الأمنية فى ذلك الوقت، وأصبحت وصفة سهلة أمام صنّاع السينما فى تحقيق إيرادات ضخمة، وهى الوصفة التى اعتمد عليها المنتجون فى تحقيق أرباح وعُرفت فى ذلك الوقت بـ«التوليفة السبكية»، التى تعتمد على البلطجى والراقصة وأغانى المهرجانات.

وفتحت تلك النوعية من الأفلام الباب أمام صعود محمد رمضان، حيث قدّم من خلالها دور البلطجى، وبدأها بـ«الألمانى»، ثم «عبده موتة»، والأخير حقق إيرادات وصلت إلى 22 مليون جنيه، و«قلب الأسد» الذى قدم فيه شخصية «فارس الجن»، وكلها شخصيات لاقت رواجاً لدى فئة اجتماعية وعمرية معينة، ووصل الأمر إلى تقليد تلك الشخصيات دون وعى.
وأوضح الكاتب الروائى يوسف القعيد الفرق الشاسع بين الفتوات الذين عبّر عنهم نجيب محفوظ فى أعماله الروائية، ثم انتقلت إلى شاشة السينما، وبين البلطجية فى الأعمال الفنية الحالية، قائلاً: «البلطجة هى التى انتشرت فى وقتنا الحالى، وحلت محل عصر الفتونة، ولكن شتان الفارق بينهما، وهناك فرق كبير بين الفتوة والبلطجى، البلطجى كلمة تركية معناها حامل البلطة، والفتوة كان يحترم العادات والتقاليد والقيم فى المجتمع، بعكس البلطجى الذى يغتصب حقوق الناس بقوة السلاح».
"قاسم": فريد شوفى ونور الشريف أبرز من قدم دور الفتوة الذى يحمى حقوق الناس ويحفظ الأمن.. و"رمضان" أشهر من قدم "البلطجى"
وقال الناقد محمود قاسم إن البلطجى يُعتبر التطور المعاصر للفتوة، فهو أداة من أدوات استخدام العنف ضد مجموعة من الناس، فى السابق كان «النبوت» هو رمز السلطة، أما الآن فحلّت مكانه الأسلحة البيضاء، كلاهما صاحب سطوة وقوة، وأضاف لـ«الوطن» أن الفتوات كان من بينهم الصالح والطالح كما عبّر عنهم نجيب محفوظ فى أعماله الروائية وكان وجودهم ضرورة فى حفظ الأمن وحماية حقوق المستضعفين، وهو عكس ما يقوم به البلطجية فى فرض نفوذهم وسيطرتهم دون وجه حق، ويُعتبر محمد رمضان أبرز من قدّم تلك الشخصية وارتبط بها فى مشواره السينمائى، بينما يُعتبر فريد شوقى ونور الشريف أبرز من قدم دور الفتوة فى السينما.