ريم خيري شلبي: كان يقول دائما إن أبناءه أهم إنجاز في حياته
لم أدر إلا وأنا أضع يدي على جرس الباب رغم أن معي المفتاح، فربما يفتح لي الباب بنفسه، ويكون أول وجه أراه يوم العيد، فأنا أعلم أنه لا ينام حتى الصباح، بخاصة ليلة العيد قبل أن يطمئن أننا تجمعنا كالعادة ويُعطي كلًا منا الظرف الخاص به المكتوب عليه اسمه مهما كان سنه أو مركزه، لكنه للأسف لم يفتح الباب، فتح لي أحمد ابني، فقد كان يبيت هذه الليلة عند ماما. نظرت إليه وقد حبست دموعي حتى لا تراها أمي التي بالكاد تتنفس منذ أن فارقنا أبي إلى عالمه الآخر، والتي تشعر في كل لحظة أن مجرد تنفسها هو خيانة له؛ فهي تعتبر أن الحياة قد انتهت بفراقه وتنتظر بفارغ الصبر اللحظة التي تلحق فيها به.
دائمًا ما أشعر أن لديها الكثير والكثير لتخبره به رغم أنها لا تكف لحظة عن الحديث معه، ورغم أنها لم تقطع طقسًا من طقوس حياتها معه، فهي تنهض من النوم في نفس ميعاد كوب اللبن الذي يأخذه عند الفجر ليدخل بعده يصارع في محاولة للنوم لسويعات قليلة، وتذهب إلى مكتبه كالعادة وتلقي عليه السلام وتقرأ له الفاتحة وتذرف بعضًا من الدموع التي تنهمر بشكل لا إرادي، ثم تذهب لتتوضأ وتصلي الفجر وتقرأ مزيدًا من القرآن بجوار سريره. فلم يعد يربطها بحجرة نومه إلا الصلاة وقراءة القرآن.
نظرت إلى أحمد ابني الذي أصبح في الثانوية العامة وهو يقف بجوار مكتبة أبي التي تراها فور دخولك من باب المنزل، وتذكرته وهو طفل عمره لا يتعدى الثلاثة أشهر وأبي يحمله بين يديه ويتجول به في المكتبة ذهابًا وإيابًا يقف أمام أحد الرفوف المحمّلة بالكتب والمجلدات للحظة ثم يواصل السير مرة أخرى حتى أشفقت عليه وظننت أنه ربما يبحث عن كتاب معين. ذهبت إليه لآخذ أحمد أو أساعده في البحث عن ضالته وإذا به يخبرني أنه لا يبحث عن شيء ولكنه يخلق ألفة بين أحمد والمكتبة حتى يرتبط بها ويحب الكتب. تعجبت كثيرًا لهذا الرجل الحنون الذي لم أر مثله في حياتي ومدى ارتباطه بالأشياء وحرصه عليها ومراعاة مشاعرها وكأنها تنبض وتتألم، وشعرت كثيرًا أنه يوجد بينهما حوار وأنه يتحدث معها وتخبره عن آلامها.
كان حريصًا دومًا على العناية بكل مقتنياته: أوراقه، أقلامه، ملابسه، مكتبه الذي لا يكف أبدا عن "توضيبه"، وكنت أشعر أن أشياءه نفسها تشعر بسعادة به أكثر من سعادته هو شخصيًا بها، لأنها تعلم جيدًا أنها في أيد أمينة.
كنت أتعجب كيف يستطيع أن يقرأ كتابًا بأكلمله مهما كان حجم هذا الكتاب دون أن يقوم بثني أطرافه أو جلدته، تشعر أن الكتاب لم يُقرأ من قبل. تمسك الجريدة من بعده وكأنها خارجة من المطبعة للتوّ، أقلامه يفرغ حبرها وهي في قمة أناقتها. لم أر شيئًا يخصه في غير مكانه، أناقته في المنزل تفوق أناقته خارجه. كنت أخجل من نفسي وأنا أراه يدخل حجرتي ليلًا ليطمئن عليّ.. يرتب كتبي وأوراقي على المكتب، ويفرد ثنايا الورق ويغلق القلم بـ"اللبيسة" فأخبئ رأسي في الغطاء خجلًا منه.
اشتقت كثيرًا إلى لمساته في حياتي وحنيّته المفرطة وحضنه الدافئ الذي تتمنى أن تقف بك الدنيا عنده، ونظرته الحانية التي تشملك في لحظة وتأخذك لعالم من الصفاء والحب.
أول عربية أشترها بابا في حياته كانت العربية الفولكس "الخنفسة" التي ظهرت في فيلم للرجال فقط بطولة سعاد حسنى ونادية لطفي، وكانت ملك الممثلة ليلى يسري التي قامت بدور "صابحة" بائعة اللبن، أخذها منها بـ900 جنيه، لم ولن أنسى فرحتنا بهذه السيارة..
الجميل في الموضوع إن بابا مكنش بيعرف يسوق واتعلم السواقة على العربية دي، كان مسميها عزيزة وكان بيحبها جـــــدًا..
تقدروا تقولوا إنها كانت الزوجة الثانية في حياته، كانت عربية أصيلة واتحملت منه الكتير ؛
أولاـ: لأنه كان بيسوق جديد..
ثانيا: لأنها كانت أصيلة مهما بيعمل فيها بتستحمل..
أذكر في مرة كنا أنا وزين أخويا في إسكندرية عند عمي وبابا جه عشان ياخدنا بعزيزة، العربية اتقلبت بيه على الطريق الزراعي ثلاث مرات واتعدلت لوحدها، طبعا الناس كلها جريت على العربية على أساس إن اللي فيها انتهى،،،
فتحوا باب العربية نزل بابا زي الفل،
قالوا أكيد العربية مش هتمشي،،،
لكن عزيزة الأصيلة ما تعملهاش مشيت زي الفل!!
.. وأذكر مرة أخرى بعد بابا ما نزل الشغل لقيناه راجع تاني بعد شوية ومعاه ناس كتير منعرفهاش، وكلهم بيضحكوا
فيه إيه؟؟ قالوا حاجة بسيطة كان فيه تصليح في الشارع وفيه حفرة كبيرة نزل الأستاذ فيها ببوز العربية، المهم شدنا العربية والحمد لله الأستاذ والعربية بخير..
ومن أجمل ذكريتنا مع عزيزة إنى كان لازم أنزل أطمئن على بابا لحد لما يمشى لأنه فيه أغلب الأيام كانت عزيزة بتحتاج زقة وانا أدوّر على أي حد اندهـــله، لحد ما بقت عادة والناس بتيجى لوحدها تطوعا عشان تزق عزيزة..
أد إيه كان بيفخر طول الوقت بعزيزة،،
خاصة إن كان معظم زمايله وأصحابه راكبين أفخم العربيات، لكن عزيزة إللى جت بالشقا كان ليها طعم تانى وشهرة محصلتش، عزيزة كانت أول ما تدخل قيتباى من أول الأوتستراد كل الناس بتنده بعض وتقول الأستاذ جه، ياما شوفت بعينى وأنا راكبة جنبه الستات إللى قاعدين قدام الأحواش إللي ساكنين فيها وهما بيقوموا يقفوا حبا فيه وكل واحدة فيهم
تقوله:والنبي تتفضل عندنا شوية يا أستاذ..
كنت طفلة حنونة، وبسبب هذه الحنية كان قلبي يتألم طوال الوقت من كل شيء ولأي سبب؛
مرة لرؤية شحاذ أو كلب مريض أو قطة صغيرة يعبث بها الأطفال في الشارع، حتى اكتشفت أن لأبي نفس الصفات وأنه يحاول أن يداريها طوال الوقت..
وذات صباح، وأنا طفلة في الثالثة من عمري أعطتني إحدى جاراتنا بالمعادي قطة صغيرة كانت وعدتني بها عندما تلد قطتها، شعرت وقتها بشعور الأم حينما تلد طفلًا لأول مرة،ظللت أضمها إلى صدري وأملس على شعرها الناعم الذي أذكره وأذكر لونه الحائر بين البيج والكاكاو، حتى أخذتها في حضني ونمت من التعب على الكنبة، وأفقت من نومي فجأة وإذا بها غير موجودة بحثت عنها في البيت كله لم أجدها وعلمت أن بابا أخذها خوفا عليّ وسربها خارج المنزل، ظللت أبكي.. حتى خرج من المنزل وذهب ليبحث عنها في كل مكان لكنه لم يجدها وكان في غاية الأسى لنومي وأنا حزينة كل هذا الحزن، ولم يهدأ حتى أتى لي بغيرها، ومن يومها وظل في بيتنا قطة، تذهب واحدة وتأتي الأخرى وكانت أمي بارعة في رعاية الحيوانات، وعطوفة عليها للغاية حتى أنها كانت تتحدث إليها وتفهم حديثها.
مرت الأيام لم أفوّت منها يومًا واحدًا إلا وأنا أراقب أبي في كل لحظة..
كيف يتعامل مع القطة وهو قصير البال وكيف يتعامل معي ثم مع أخي الأصغر حتى أصبحنا بنتين وولدين، وكنت أعلم جيدا بما أنني الابنة الكبرى لهذه العيلة أن أبي كان لا يرغب في الأطفال من الأصل وأننا أتينا كما كانت تقول أمي دائما غلطة!
ولم أنس أبدا أن أتساءل وأنا أرى الحب والعطف الذي يكاد يسقط منه في كل لحظة.. كيف لم يكن يرغب في الأطفال وكيف يحبهم كل هذا الحب!،
لدرجة أنه حينما كبرنا بعض الشيء كنا نستعين بأطفال الجيران حتى نرى ابتسامته المشرقة كل يوم..
وكيف لهذا الأب الرائع ثم الجد الأروع أن يلصق بنفسه تلك التهمة. تهمة عدم الرغبة في الأطفال.
حتى مرت السنين وكان يوم ميلاده السبعين واتصل بي الصديق والأخ خالد حلمي من مجلة الإذاعة والتليفزيون ويطلب مني أن أقوم بعمل حوار مع أبي يسع أكثر من ثلاث صفحات في المجلة وكانت فرصتي التي لا تعوض..
كان من أهم أسئلتي لماذا لم تكن ترغب في أن يكون لديك أبناء؟
وكان رده الذي علمني درسًا من أهم دروس حياتي، حيثُ ذكّرني بواقعة القطة..
وقال لي: أنه لا يحب أن يتحمل مسؤولية كائن إلا إذا كان لديه القدرة الكاملة على رعايته، وهو كان يرى أنه مازال لا يملك المال ولا الوقت لتحمل مسؤولية أطفال.. ربما يأتي عليه يوم لم يكن يملك القدرة على إطعامهم أو تعليمهم.
كان يعلم جيدًا أن الرازق هو الله وأنه لا يخلق أحدا دون رزق ولكنه كان يعلم أيضا أن الاعتماد على الله دون السعي كبيرة من الكبائر.
وحينما سألته عن شعوره اليوم وهو أب لأربعة وجـدّ لخمسة في ذلك الوقت؟
أخبرني أن كل واحد فينا أتى بشبه معجزة، وكان لكل واحد فينا رزق خاص ومرحلة جديدة يمر بها، وأنه مدين طوال الوقت لأمي التي صبرت معه وتحملت العبء بمفردها حتى لا يشعر يوما بالذنب ولا الأسى، وأنه لا يتخيل حياته على الإطلاق دون أي واحد فينا، وأننا أهم إنجاز أنجزه في حياته.. رحمة الله على أبي.
ملف خاصإسلام خيري شلبي: كان متحفظا في إظهار الثناء والفرحة
خيري شلبي وزوجته
أبي لم يكن يحب عيشة الرفاهية، كان يعتقد أن الرفاهية تفسد الإنسان، ولم يقبل عضوية نادي المعادي برغم أنه عرض عليه بالمجان كعضو شرفي... للمزيدزين خيري شلبي: أمي كانت قارئه الأول
"ما أنا إلا حكواتي سريح، شرير ومجنون، ولو كنت عاقل مكنتش هأبقى خيري شلبي"، هكذا عرَّف الكاتب الراحل نفسه ببساطته المعتادة... للمزيدحاتم حافظ يكتب: خيري شلبي.. وأنا
تتحول الوجوه في كتاباته إلى أوطان، والكلمات إلى لوحات، فيعرف دائمًا كيف يصل بقلمه داخل النفس البشرية يتناولها بمشرط الطبيب، ليغوص داخل أعماقها... للمزيد