حتى عام 1991 ـ عام التحاقي بكلية التربية ـ لم أكن أعرف خيري شلبي، كنت قد قرأت له عملًا أو عملين في زحمة قراءات الصبا ولم أنتبه له، في التسعينيات شاركنا في تكوين جماعة المنتدى الأدبي، وفيها سفكنا دماء كل الآباء، الغيطاني، أصلان، البساطي، وطبعًا نجيب محفوظ، فقط الخراط وصنع الله كان مسموحًا لهما بالوقوف على أعتاب المنتدى شرط ألا يتجاوزا عتبته، لم يكن اسم خيري شلبي مطروحًا لا باعتباره من الآباء المنسيين الذين لم نلوث أيدينا بدمائهم بعد ولا باعتباره واحدًا من الذين يُسمح بذكر أسمائهم داخل المنتدى الحداثي!
بعد عامين تقريبًا اضطررت لزيارة مجلة الشعر مع صديق كان مُرحبًا به في هوامش المجلة وكان يحتاج معجزة للوصول لمتنها، قابلنا خيري شلبي الذي استمع لشكوى صديقي جيدًا، ثم حكى لنا حكايات كثيرة مبهرة كانت سنوات شبابنا المتمرد لا تحتاجها، عند خروجنا من عنده قررنا أن نلحقه بالآباء الذين يستحقون ما يجرى لهم كل صباح في المنتدى الأدبي، خصصنا له ثلاثة اجتماعات لأكل لحمه وشرب دمه في الطقس اليومي الذي كنا حريصين عليه لاكتمال انقطاعنا عن الماضي.
في عام 1995 اضطررت لقراءة كتاب "موسيقار الكلمات" لخيري شلبي سرًا، كنت وقتها ـ بعيدًا عن المنتدى الأدبي ـ أكتب الأغاني العاطفية التي يغنيها لي البعض، ولذا فقد كنت مهتمًا جدًا بالقراءة في الأغنية، كتاب موسيقار الكلمات كان عن الشاعر مرسي جميل عزيز الذي كنت أحبه على نحو خاص، قراءة الكتاب أصابتني بالخيبة، الجدية التي درس بها خيري شلبي كلمات مرسي جميل عزيز جعلتني أفهم أنه لا جدوى من كتابتي للأغاني، وأن كتابة الأغاني ليست بالسهولة التي كنت أرجوها، كرهت مرسي جميل عزيز وكرهت خيري شلبي معًا وقررت أني لن أكون شاعرًا أبدًا.
في العام نفسه تقريبًا ـ أو ربما قبله ـ صدر كتاب "أصداء السيرة الذاتية" لنجيب محفوظ، مثَّل الكتاب لطمة عنيفة على رقاب أبناء جيلي، وربما على أقفيتهم، بدا محفوظ ـ الذي تعرض لتوه لمحاولة اغتيال ـ أكثر شبابًا منا جميعًا، بدونا شيوخًا في حضرته، تبادلنا الكتاب سرًا خشية أن ينكشف أمرنا بقراءة "الجد"، بسبب هذا الكتاب قررت الانفصال عن المنتدى الأدبي، كما قررت إعادة اكتشاف القراءة بعيدًا عن "حساسية جيل التسعينيات" كما كنا نقول.
في عامين فقط كنت قد أعدت قراءة محفوظ، بل وتوفيق الحكيم، والسحار، وعبد القدوس، وعبد الحليم عبد الله، ويوسف إدريس، والغيطاني الذي أحببت بعض رواياته وكرهت بعضها، والكفراوي الذي أبكاني كتابه عن العابرين، وأصلان الذي ثملت بطائره الحزين، والديب، والخراط الذي اكتشفت أن قراءة إسكندريته من المستحيلات الأربعة، وصنع الله الذي اكتشفت أننا كنا نتحدث عنه أكثر مما نقرأه وأننا لو قرأناه بقدر ما تحدثنا عنه لقطعنا دابر سيرته، وخيري شلبي الذي وقعت في أسر روايته صالح هيصة.
***
في مشهد لم يكن ليعجب أحدًا من أعضاء المنتدى الأدبي أكملت قراءة صالح هيصة للمرة الثالثة في ركن بأحد المقاهي، وانجرفت في البكاء في اللحظة التي يموت فيها صالح، اقترب مني عامل المقهى وسألني "خير يا أستاذ" فأجبته بتأثر حقيقي "صالح مات"، فشد على يدي!
قبل سنوات من هذا المشهد كنت وأبناء جيلي لا نعوِّل كثيرًا على "التجربة" ولا على "الواقع" ولا على "التوحد مع الشخصيات"، كانت رواية الشخصيات رواية بغيضة لنا، بقدر ما كانت رواية الحكاية بالنسبة لنا رواية جاهلية، كنت ـ على نحو شخصي ـ في كل مرة أكتب قصة قصيرة لمناقشتها في المنتدى أبحث عن الجديد، عن الشكل الذي سوف يدهش أصدقائي، خاصة البنات منهم، كان الفشل معناه أن تكتب قصة كتبت من قبل، والموت أن تكتب قصة تحكي حكاية، اليوم عندما أقرأ هذه القصص أشعر بالعار، خصوصًا وأني وقت كتابتها، كنت شابًا عاديًا، يسمع عمرو دياب، ويشجِّع فريق الزمالك!.
***
في عام 1998 عرفت من صديق كان يتدرَّب على العمل الصحفي أنه في طريقه لإجراء حوار مع خيري شلبي، قبَّلت يديه من أجل أن أرافقه فقد كنت أرغب بشدة في التعرف إلى الرجل الذي خلق شخصية صالح هيصة، التقيته ـ وصديقي ـ في مجلة الإذاعة كان يلبس قميصًا عاديًا ـ على الموضة ـ مرسومًا عليه وردات كبيرة برتقالية على خلفية خضراء، وكان على وجهه الأحمر ابتسامة رائعة، أثناء جلوسي في الركن بجوار النافذة لم يكن تخيل أن هذا الرجل المتواضع لدرجة مزعجة هو نفسه كاتب هذه الروايات العظيمة ممكنا.
بعدها كتبت قصة بعنوان "بائعة الجرجير" نُشرت في جريدة مجهولة، حاولت فيها استلاب صوت خيري شلبي، معاقرة تجربته، اتباع سنته، ولأني كنت قد تعرفت على ابنته إيمان في المعهد العالي للفنون المسرحية، حيث تزاملنا سنوات أربع، فقد قررت أن أرسلها له، جاءني الرد بعدها فاترًا جدًا، عرفت أني فشلت، عند قراءتها بعد سنوات اكتشفت أن بائعة الجرجير التي كتبت عنها تشبه بائعة أسطورية موجودة في الكتب، بائعة لم أعرفها، فقررت ألا أكتب إلا ما أعرفه.
***
كتابة ما أعرفه فقط، كان الدرس الأول الذي تعلمته في بيت خيري شلبي، بعد زواجي من إيمان كان بالطبع قد نسي حكاية "بائعة الجرجير" وكنت قد نسيتها أيضًا، ولم يكن من المعقول في حضرته الكلام عما أكتبه، فقد كنت لم أكتشف صوتي بعد، في بيته تم تأهيلي أدبيًا وثقافيًا، كان دائم السؤال عما إذا كنت قد قرأت كتابًا هنا أو كتابًا هناك أو لا، كان ينزعج جدًا إذا ما عرف أن كتابًا مهمًا قد فاتتني قراءته، كاد زلزال أن يقتلعني حين عرف أني لم أقرأ "موبي ديك"، أني لم أقرأ الأبله، في بيته قرأت ديستوفسكي، قرأت الجريمة والعقاب في يومين كنت فيهما جثة في سرير إثر حمى أصابتني، كنت أقرأ بين نوبة إفاقة وأخرى، وحين أنهيت قراءة ديستوفسكي نصّبته إلهًا للرواية.
أخفيت عنه مسألة الكتابة طوال سنوات، لم أجرؤ على مصارحته بمشاريعي في الكتابة، حتى صدور روايتي لم يعرف به إلا قبلها بأيام، كنا عائدين من مكان ما، وفي سيارتي وقبل أن نقترب من البيت، قلت له فجأة "لي رواية هتصدر بعد أيام" أجابني بدهشة "والله.. مبروك".
أعجبته الرواية، وبدا أنه قرأها جيدًا، لكنه أخبرني أنه لن يمنحني حكمه قبل الرواية الثانية، حين قرأ قصة "أزيز" التي نُشرت في أخبار الأدب قال إنني الآن قد عرفت طريقي، ولم يندهش عندما أخبرته أن قصة أزيز مكتوبة قبل روايتي بعامين، قرأ لي أيضًا قصتين وبالقلم الرصاص كتب على إحداهما "جيدة جدًا" وعلى الأخرى "جيدة"، كما اقترح عليَّ تغيير اسميهما، بل إنه اقترح عليَّ عنوان لإحداهما من عنده، كنت قد أسميت قصتي "نجنا من الشرير" وأسماها هو "بسكويت وعسل أسود"، فقررت أن ألتزم بعنوانه طالما وافق من قبل على اقتراحي بتسمية مجموعته الأخيرة "ما ليس يضمنه أحد"!
***
في بيته لم أشاهده إلا ـ عدا الساعات الخمس أو الست التي ينامها ـ منكَّبًا على أوراقه وكتبه، كان يبدو كمن قرر أن يكون كاتبًا فقط لكي يتمكَّن من التفرغ للقراءة، قرأ أمامي جلال الدين الرومي أربع مرات على الأقل، نجيب محفوظ أعاد قراءته مرات لا حصر لها، يحيى حقي وفؤاد حداد كانا ريفيقه في الليالي كلها.
فضلًا عن معرفته الجيدة بكل كتاب جيله كان عارفًا بالشباب من الكتاب، كان فخورًا بطارق إمام وحمدي أبو جليل وياسر عبدالحافظ وياسر عبداللطيف وأشرف عبدالشافي ومنصورة عز الدين ومي التلمساني ومنتصر القفاش. كان أيضًا معجبًا ببلال فضل وعمر طاهر وطاقتهما على الكتابة، في بيته أحببت طارق إمام وأشرف عبدالشافي قبل أن ألتقيهما لمجرد أنهما يحبانه ولمجرد أنه أيضًا يحبهما.
في بيته كنت أعجب لطريقته في التعامل مع العالم، كيف يمكنه الانقطاع عن العالم للاتصال بالكتب دون أن تفوته فائتة من العالم، كان يذكِّرني بحكاية في كتاب "السيميائي" لكويلهو، عن تجربة رجل يدور في قصر بينما يحمل معلقة بها قطرة زيت وعليه أن يشاهد كل ما في القصر وأن يحافظ على قطرة الزيت في الوقت نفسه، كان حريصًا على متابعة برامج التوك شو حرصه على استرجاع المتنبي، حريصًا على تشجيعه لفريق الزمالك حرصه على حضور اجتماعات لجنة القصة وفعالياتها.
وبقدر هذه الطاقة على الاتصال بالعالم كان فخورًا لأن رجلًا ما قد قابله في الشارع وأثنى على رواية له، لأن امرأة ما قد قاطعت سيره لتخبره عن إعجابها بقصة له، لأن شابًا أخبره أنه يتابع مقاله في الوفد مثلًا، وبقدر فخره هذا لم يكن يعترف بالجوائز التي حصل عليها، من بين الجوائز كلها لم يكن يحب غير جائزة نجيب محفوظ لاقتران اسم محفوظ بها، وفي ضلفة في مكتبته كان يحتفظ بإهداء كتبه محفوظ على نسخة من روايته كأفضل ما تكون الجائزة.
كان يعلِّق صورة لمحفوظ أمام مكتبه وكان يقول لي إنه كلما أصابه الوهن نظر للصورة لتمده بالطاقة على مواصلة الكتابة والقراءة، كان محفوظ بالنسبة له الكاتب الأعظم، وكان قد قرأ "الحرافيش" للمرة الأربعين في حياته، كانت غزارة الكتابة عند محفوظ تلهمه دائمًا جملته المعبرة "الغزارة قرينة الموهبة"، كانت كتب محفوظ ترتص بجوار مكتبه هادية له باستمرار.
***
قبل التقدم ليد إيمان بأيام التقيت صديق في الحسين كنت أرغب في قراءة فصلين من روايتي الجديدة عليه، قبل أن أقرأ حذرني مما أنا مقدم عليه، قال لي لا تصدق ما يكتبون، كلهم كاذبون، سوف تكتشف بنفسك أن ما يكتبه عن المهمشين محض هراء، وأن دفاعه عنهم سوف يسقط في اختبار تقدم شاب مثلي لطلب يد ابنته، شاب لا يملك غير شقة صغيرة في ضاحية بعيدة فحسب!.
في البيت لم يسألني خيري شلبي ـ الذي شجعتني ابتسامته وشعوره بالسعادة ـ عن شيء إلا دورنمات!. كنت وقتها أعرض مسرحية من تأليفي مستوحاة من رواية لدورنمات. رغب خيري شلبي أثناء تقدمي لطلب ابنته في التأكد من أني مخلص للرواية التي استوحيتها في مسرحيتي، للتأكد من عدم استسهالي في التعامل مع الكاتب الكبير، من التأكد من أني لم أسطُ على دورنمات، من أني لست بلطجيًا يسرق الكحل من العين، لساعتين تقريبًا عرجنا على الأدب الألماني والسويسري وعلى المسرح وعلى النظريات النقدية كلها قبل أن ندلف إلى موضوع زيارتي، في النهاية أخبرته بطلبي فأشار بيده إلى إيمان بما يعني "تفضل"، بعد نزولي من البيت اتصلت بصديقي وسببته!. في حضرة خيري شلبي كان دورنمات يكفيني لدخول صومعته.
حتى تزوجنا تقريبًا لم نتكلم في أي من الموضوعات التي يمكن أن تناقش بين رجلين على أعتاب المصاهرة، لم يسألني عن راتبي، عن شقتي، عن المواصلات المتوفرة بين الضاحية التي أنوي الزواج بها وبين وسط المدينة، حتى "القائمة" طاردته لشهور من أجل الانتهاء من توقيعها، قبل الزواج بيومين أسرَّ لي أنه سعيد لأن "عم جاد الله" الاسم الذي كان ينادي به إيمان ـ باعتبارها صبيّه أثناء الكتابة ـ قد وفقت في اختيار صبي آخر، لذا أسماني "عم جاد الله الثاني".
بعد سنوات فاجأني بإهداء في كتابه "كتب وناس"، كتب "إلى ابني الثالث.. حاتم حافظ"، فقررت أن أوان التسامح مع العالم قد آن أوانه.
***
قبل سنوات من الثورة كنت محبطًا للغاية، كنت عضوًا في حركتي كفاية و6 أبريل، وكنت قد سأمت من وقفاتنا المتكررة عند سلم نقابة الصحفيين بلا جدوى، على عكسي كان أكثر تفاؤلًا، وكان دائم الحديث معي عن اقتراب الثورة، كان يؤمن أن الشعب المصري يحمل جينات تنتمي لنهر النيل الذي يحين موعد فيضانه في الوقت الذي يبدو فيه انحساره ـ وانكساره ـ على أشده، كنت أحسبه شيخًا واهمًا، في "جمعة الغضب" كانت كلماته ترن في أذني مع كل خطوة نخطوها دافعين رجال الأمن إلى التراجع.
بعد التنحي حكيت له أمر الثمانية عشر يومًا التي قضيناها في رعب، كان سعيدًا سعادة من فُسّرت أحلامه السعيدة، من أدركه تحقق نبوءاته، في الشهور التالية بدا مستريحًا جدًا، وأسرَّ لي أن رحلته ومشروعه اكتمل. اليوم أكملت لكم دينكم. لكني لم استشعر قرب النهاية.
في الشهرين اللذين سبقا موته كان يرسل لي بإشارات النهاية، لكنه كان سعيدًا لأن النهاية تأتي في وقت مناسب، كان مطمئنًا جدًا على ثورتنا، لولا خوفه من التيار الإسلامي، خوفه من الوقوع في أسر استبداد من نوع أكثر ضراوة.
قبل أسبوع من موته سألته عن الرواية التي كان قد بدأها فقال ببساطة "لم يعد هناك وقت" فعرفت أنه كان جادًا في حديثه عن النهايات.
في وقت لاحق أخبرني الصديق محمد شعير بأمر آخر مكالمة بينه وبين العم خيري، أخبره العم خيري أنه بصدد كتابة نهايته، قال إنه انتهى من مشروعه الحكائي وإنه ربى العيال كما يرغب وإنه سوف يموت وهو مطمئن عليهم وعلى وتد العائلة.. زوجته.
***
حتى اليوم لا أصدق أن خيري شلبي مات.. أن الرجل الكبير ـ الذي ترك لي ورقة أثناء نومي تتصدرها عبارة "الأخ حاتم" قد غادرنا، الآن بينما أكتب هذه الكلمات بمواجهة مكتبه أشعر أنه سوف يدخل عليَّ ليسألني عما أكتب، لأخبره أن رجلًا عظيمًا مثله لا يمكنه الموت، وأن مَن هم مثله لا يمكن أن يكون الموت ضمن الأشياء التي يجيدون فعلها.
ملف خاصبروفايل| خيري شلبي.. في ذكرى "حكواتي" الأدب المصري
أبي لم يكن يحب عيشة الرفاهية، كان يعتقد أن الرفاهية تفسد الإنسان، ولم يقبل عضوية نادي المعادي برغم أنه عرض عليه بالمجان كعضو شرفي... للمزيدزين خيري شلبي: أمي كانت قارئه الأول