دينا عبدالفتاح تكتب : .. الإنسان أولاً!

كتب: دينا عبدالفتاح

دينا عبدالفتاح تكتب : .. الإنسان أولاً!

دينا عبدالفتاح تكتب : .. الإنسان أولاً!

أُصبت بكورونا للمرة الثانية، وأنا الآن أعانى من جميع الأعراض السخيفة التى تميز هذا الفيروس اللعين الذى اقتحم الحياة ودون سابق إنذار ليمارس ضغوطات نفسية وصحية وعائلية واقتصادية وسياسية كيفما يشاء.. ودون ضابط ولا رابط.

فى المرة الأولى لإصابتى بـ«كوفيد» اختبرت تجربة الاقتراب من الموت وتعرّضت لحالة جفاف خطيرة واستمرت أعراض ما بعد «كورونا» تهدّد حياتى لمدة 3 أشهر كنت خلالها غير قادرة على العودة لحياتى الطبيعية.

فيروس كورونا هو عبارة عن (Mini Cancer) يضرب ضربته.. فإما أن يقتل في وقت قصير أو يترك علامات من الصعب محوها 

أما هذه المرة، فرغم صعوبة الأعراض حتى الآن، وأنا فى يومى السادس من الإصابة، فإن الإيمان بالله وبقدرته فى تمكين الإنسان من اختراع الأمصال والأدوية جعل المسألة أقل وطأة فى الحقيقة، سواء كان التطعيم أو الأدوية الجديدة، فكلاهما جعل المرض إلى حد ما مفهوم الملامح، وأتمنى من الله أن يشفى الجميع ويرفع هذا الوباء دون مزيد من الخسائر الفادحة للبشرية، لأننى أرى أن هذا الفيروس الاصطناعى الخطير عبارة عن (Mini cancer) مدته أقل يضرب ضربته فإما أن تصيب فتنهى حياة الإنسان تماماً، وتقلل عدد البشرية التى يرتبط مستقبلها بمستقبل هذا الفيروس ومدى شراسته، وإما أن هذه الضربة تخيب فلا تقتل، ولكنها تدع آثاراً وذكريات غير جيدة بالمرة.

وكانت تلك نصائح الطبيب المتميز الأستاذ الدكتور أحمد عنانى، أستاذ الأنف والأذن والحنجرة، الذى أكد أنه طالما كانت الكورونا عنيفة فى المرة الأولى، فهذه الفئة من الأشخاص معرضون بشكل أكبر للمخاطر المرتبطة بالإصابة الثانية، وذلك لأن الفيروس تكون لديه قوة أكبر فى التأثير على مختلف الأعضاء.

على كل حال، نحن الآن نختبر الجولة الثانية للكورونا، وليس لدينا أى أمل سوى فى الله سبحانه وتعالى أن يزيح عن كاهلنا هذه الكارثة الكئيبة التى حولت حياتنا إلى كابوس.

وخلال فترة الانقطاع الإجبارى عن العمل، قررت أن أشاهد مجموعة من الأفلام العالمية التى قرأت مؤخراً كتابات مهمة عن جودتها وأهمية الموضوعات التى تتطرق لها.

وأختص من هذه الأفلام إحدى الروايات السينمائية المبدعة، التى تتحدث عن نهاية العالم، ربما أنتجت السينما الأمريكية أفلاماً عديدة من تلك الروايات التى تصف نهاية العالم والكوارث الطبيعية التى يرون أنها ستُنهى العالم، وذلك فى إطار خيالى لا يعترف بالأديان، أو بما أقرته لنهاية هذا العالم، ولكن هذا الفيلم يُعد ذا طبيعة خاصة، وجودة قد لا يكون هناك مثيل لها.

الفيلم هو Don’t look up أو «لا تنظر إلى الأعلى» أو «لا تنظر إلى السماء»، الفيلم إنتاج شبكة Netflix التى باتت الآن أكبر شبكات الإنتاج، بعد إعلانها إنتاج فيلم كل أسبوع، ابتداء من عام 2021، وقد نفذت هذا الإعلان بالفعل خلال العام.

فيلم «لا تنظر للسماء» بطولة ليوناردو دى كابرو، وجينيفر لورنس، بالإضافة إلى مجموعة من كبار نجوم هوليود.

الفيلم، باختصار، يروى قصة نهاية العالم عن طريق ارتطام مُذنَّب ضخم بحجم جبل إيفرست بكوكب الأرض، ليُنهى الحياة بأكملها، وهروب مركبة فضاء يوجد عليها 2000 شخص فقط لا غير، حتى تكتشف المركبة كوكباً آخر صالحاً للمعيشة ككوكب الأرض لتهبط عليه، ويكون الألفا شخص هؤلاء هم من يبدأون مرة أخرى حياة البشرية، ومن بينهم العلماء ورجال الأعمال والفنانون والمفكرون.

يبدأ الفيلم باكتشاف باحثة / طالبة دكتوراه فى معهد دراسات الفلك فى ولاية ميتشجان بالولايات المتحدة الأمريكية لمذنب عملاق بحجم جبل إيفرست تقريباً، فى البداية كانت سعيدة جداً، وانطلقت إلى الدكتور «مندى»، رئيس المركز، لتزف له هذا الخبر السار عن اكتشاف فضائى جديد.

وبسؤال من أحد الحاضرين فى الاحتفال حول مدى سرعة تحرُّك المذنب داخل المجموعة الفلكية، تتفجر المفاجأة بأن المذنب يتجه إلى الأرض بسرعة شديدة تجعل الارتطام بينهما مؤكداً بنسبة 99.97% خلال 6 أشهر.

تنهار الطالبة ورئيس المركز، وتبدأ رحلة من الجهد الرهيب لإيصال المعلومة إلى السلطات المعنية فى الولايات المتحدة، وعن طريق التواصل مع معهد كيندى الفلكى، يتم نقل الخبر إلى البروفيسور الذى يتولى رئاسة مكتب التنسيق بين الكواكب.

وهنا تتفجر المفاجأة الكبرى، التى تفسّر ما وصل إليه العالم من انحدار وتدهور، وهى فكرة الاستخفاف بالأمور الجدية، والادعاء بالمبالغة فى المسائل الخطيرة، وعدم أخذها لتكون موطن اهتمام حقيقى، حتى وإن كانت احتمالات وقوعها ضعيفة، إلا أنها ما زالت ممكنة!

وهذه الفلسفة، التى يمكن أن نطلق عليها «الإلهاء»، نجحت بعض القوى والتكتلات الاقتصادية فى ترسيخها بين الناس، لنشر ثقافة تدّعى أن كل شىء هو غير مهم، وأن كل التحديات يمكن أن لا تحدث، وهذه الفلسفة تقاوم فكرة المبادرة لدى الأشخاص، ورسم وتوقع المخاطر وإعداد سيناريوهات التعامل معها، وهنا يكون البشر فريسة سهلة لكل المخططات التى تُرسم لهم، ويسيرون بانتظام شديد على كافة الخطوط التى يتم تحديدها لحركتهم!

بالعودة للفيلم، ينجح الأبطال فى الوصول إلى رئيسة الولايات المتحدة الأمريكية، التى يصورها الفيلم على أنها امرأة لها العديد من الفضائح، وهناك سخط كبير من الرأى العام عليها.

وفى ظل أزمة أخلاقية كبرى تواجهها الرئيسة، وقد تحول دون فوزها فى انتخابات التجديد، تقرر الموافقة على توجيه صواريخ لتحييد المذنب عن الارتطام بالأرض.

ويكمن الغرض الرئيسى من هذا القرار فى إلهاء الرأى العام الأمريكى بملف خطير يتعلق بهذا المذنب، بعيداً عن الفضائح الأخلاقية التى يتهمها بها الرأى العام.

وفى احتفال قوى تم إعداده لتوجيه الصواريخ لإنقاذ الأرض، يظهر ممول الحملة الانتخابية الرئاسية لرئيسة أمريكا، وهو رجل أعمال يترأس أكبر شركة تكنولوجيا فى العالم (BASH)، ويأمر الرئيسة بإرجاع الصواريخ إلى الأرض، لأن هذا المذنب من الممكن أن يكون سبباً فى ثراء البشرية وتمكينهم من الحياة بلا متاعب لاحتوائه على معادن نفيسة، واقترح أن يتم توجيه صواريخ أخرى بهدف تفتيت هذا المذنب وضمان سقوطه على الأرض للاستفادة من المعادن النفيسة التى يحتوى عليها.

وترضخ الرئيسة الضعيفة لذلك فى ضوء رغبتها الشديدة فى الحفاظ على كرسى الحكم، وتبدأ أمريكا فى التجهيز لإطلاق صواريخ أخرى بهدف تفتيت المذنب وسقوطه على الأرض فى شكل أجزاء.

ويستميت 3 علماء فى إقناع الرأى العام بعدم جدوى تفتيت المذنب، فما هى فائدة المعادن النفيسة لو انتهت الحياة بالكامل؟!

ولكن تفشل محاولتهم ويرتطم المذنب بالفعل بالأرض، وتفنى الأرض، وعلى الجانب الآخر نرى أصحاب النفوذ العالمى الذين يتحكمون فى أقدار وحاضر ومستقبل البشر، كما خُيِّل إليهم، على متن سفينة فضائية تضم 2000 شخصية، يمثلون أصحاب النفوذ والعلماء والمفكرين، ومن لديه الثروات ليشترى لنفسه بمليارات الدولارات ثلاجة على هذه السفينة من أجل تجميده لحين أن تعثر السفينة على كوكب آخر مثل كوكب الأرض، ليبدأوا عليه الحياة البشرية مرة أخرى.

وبعد عشرات الآلاف من السنين، تهبط السفينة على كوكب وينزل هؤلاء البشر من عليها عرايا، ليُعجبوا بمستوى نقاء الهواء والأكسجين، ومصادر الحياة النقية على هذا الكوكب الجديد، ولكن هناك عيباً واحداً فقط، أن سطح هذا الكوكب عليه طائر يأكل أى كائن لا ينتمى لهذا الكوكب!

وينتهى الفيلم بدمار الأرض وبموت البشر بعد أن تمكّن «المذنب» من القضاء على الحياة بكافة أشكالها.

تفاصيل الفيلم دقيقة تشرح حالة «التوهان» التى يعيشها البشر الآن، وسيطرة التواصل التكنولوجى وتحكمه بشراسة فى معتقدات وأساسيات الحياة وتحكم المال فى الأقدار ورسم خطة شيطانية لا تهدف لأى شىء سوى تمكين الشيطان من الحكم، فقط لا غير، والقضاء على الدين والمنطق والأخلاق، وقتل كل ما تبقى لدى البشرية من آدمية مقابل المادة، لدرجة أن ابن الرئيسة الأمريكية الذى تركته وراءها عند هروبها على سفينة البقاء وأنساها الحدث أن تأخذه معها، كان يصلى من أجل المادة، ومن أجل الأزياء الفاخرة والسيارات والساعات والتكنولوجيا وكل الرفاهية التى يحلم بها الإنسان فى الأرض.

ليتوه وسط كل هذا الزحام إدراك أن الإنسان هو محور هذا الكون، وأنه هو خليفة الله فى الأرض، وأنه هو صاحب الملكات العقلية، وليس الحواسب الإلكترونية، والتكنولوجيا التى تُعتبر هى السلاح الذى أظهره الفيلم بأنه السبب الرئيسى فى نهاية العالم، وأنه مهما بلغ العالم لا يجوز إحلال الذكاء الاصطناعى محل التفكير الآدمى، وتجريد الكون

والغريب أن الحشود الجماهيرية انقسمت بين مؤيد ومعارض لسقوط المذنب على الأرض، بعد أن تمكّن الإعلام من إقناعهم بأن هذا الأمر ليس فى صالحهم، وخلط المعلومات لصالح النفوذ والمال، والترغيب بحياة أفضل، حتى تاه الإنسان بين رغبته فى البقاء ورغبته فى المادة.


مواضيع متعلقة