داود عبدالسيد.. مجدد السينما والباحث عن حريتها
داود عبدالسيد.. مجدد السينما والباحث عن حريتها
قرار ابتعاده عن الفن اقترب من العامين، اختار لنفسه وبنفسه العزلة بعيدًا عن أحب الأشياء إلى قلبه، وهي السينما التي طالما سعى للوصول إليها، معشوقته التي طالما ارتمى في أحضانها باحثًا عن ذاته مستمتعًا بلذاته، ومع شدة إخلاصه واهتمامه بكل التفاصيل، كافآته بطريقتها التي لا تقبل التأويل، حيث توجته رجلًا يجلس على عرش الإخراج، يشار إليه بالبنان، يحتفي به النقاد، يلهث وراء أفلامه جمهورًا من نوع خاص، تنهال عليه التكريمات والجوائز.
وأمام كل هذا النجاح يقف هادئًا، ممتنًا لمشوار فني بدأه مع مطلع السبعينيات شابًا حالمًا باحثًا عن وسيلة لترجمة همومه الذاتية في أفلام غير مسبوقة، صنعت منه اسمًا لا تخطئه العين عند قراءته على الأفيشات، تشعر باللهفة والسعادة تلقائيًا، تجعلك تترقب انطلاق القصة على الشاشة أمامك ومتابعة ماذا يحدث، ولما لا وهو فيلمًا لـ داود عبدالسيد، الذي انتقل إلى خانة الشيوخ، ليس بحكم العمر وإكمال عامه السابع والسبعين قبل ساعات قليلة باعتباره من مواليد 23 نوفمبر 1946.
وبحكم الخبرات وزهرة شبابه التي اصطدمت مثل غيره من أبناء جيله بنكسة 1967، والتغيرات التي طرأت على المجتمع بمرور السنوات في فترتي السبعينيات والثمانينيات، كلها أمور جعلته غارقًا في أدق تفاصيل الحياة وكانت السينما هى ملاذه الآمن في طرح ما عايشه من هموم.

دواد عبدالسيد.. رسايل حب للسينما والناس
لم يسع إلى جمهور بعينه، بل حمل الكاميرا فوق جسده متنقلًا في الشوارع، ينبش وجوه الناس، يسجل ويدون، يقف على أرض ثابتة لا تعرف الخوف، تارة يبحث عن «سيد مرزوق»، وأخرى يقترب من عالم «الصعاليك» وكل ما به من «مواطن ومخبر وحرامي»، ينظر إلى ما يفعله «سارق الفرح» وإذا ما كان يمتلك «قدرات غير عادية»، لا يأبه إذا كان يعيش في «أرض الأحلام» أو في «الكيت كات».

نقل هموم الإنسان من الشارع للشاشة
كل ما يهمه تقديم فنه ورحلة تطور الإنسان بكل ما بها من أوجاع وعجز وطموحات ورغبة، لا يهمه الكم حتى ولو اكتفى برصيد فني يضم 11 فيلمًا طويلًا بينهما اثنان من الأفلام التسجيلية، لا يشغله إذا عكف على تجهيز وإعداد مشروع فني واحد سنوات طويلة حتى يرى النور، لأن الأقرب إلى قلبه وعقله دائمًا هو أن يكون حرًا وأن يفعل ما يحلو له دون املاءات من أحد، ويكفيه فخرًا - حتى لو بات يشعر بالغربة مع تقدم السن وتآكل أبناء جيله - كما قال يومًا «في شباب بيقابلوني ويكلموني عن أفلامي وإزاي أثرّت فيهم بشكل جعلهم يحبون السينما، أعتقد بالطريقة دي إنِ نجحت».