فى يوم ما، خلال فترة رئاسته الأولى عام ٢٠١٧، استدعى الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» إلى مكتبه البيضاوى فى البيت الأبيض مستشاره والممثل التجارى للولايات المتحدة فى ذلك الوقت «روبرت لايتهايزر». كان «لايتهايزر» وقتها يقود مفاوضات بلاده مع دول أمريكا الشمالية لإعادة صياغة اتفاقيات التجارة الحرة مع كندا والمكسيك بما يخدم مصالح أمريكا على النحو الذى يراه، على الرغم من المعارضة الشرسة التى يواجهها من المدافعين والمستفيدين من بقاء النظام التجارى العالمى كما هو عليه.
يومها قال «ترامب» لقائد فريق مفاوضاته التجارية الذى يقلب موازين نظام التجارة الحرة العالمى: «إن الكل يقف ضدك يا بوب»، ليرد عليه «بوب» أو «روبرت لايتهايزر» قائلاً: «سيدى الرئيس، إنهم يقفون ضدى لأننى الوحيد الذى يرى الأمور كما تراها أنت».
كانت تلك العبارة تلخيصاً دقيقاً لحالة التفاهم التى ظلت تجمع بين «لايتهايزر» و«ترامب» طيلة فترته الرئاسية الأولى، وامتد تأثيرها حتى فترته الرئاسية الحالية، بشكل جعل كثيرين يصفون «لايتهايزر» بأنه «العقل المدبر» الذى أعاد صياغة سياسات الرئيس الأمريكى حول اتفاقيات التجارة العالمية، وأن فلسفته الاقتصادية هى التى تقف وراء العديد من القرارات التى اتخذها «ترامب» مؤخراً، بما فيها رفع الرسوم الجمركية على الواردات القادمة إلى الولايات المتحدة، خصوصاً من الصين.
لكن الجانب الآخر من القصة أن «لايتهايزر» لا يرى نفسه «العقل المدبر» لسياسات «ترامب»، ولكنه «العين» التى تنظر إلى الرئيس الأمريكى وتقرأ ما يدور فى عقله، وترى ما يريد الوصول إليه وتحقيقه، ثم تضع ذلك فى صورة خطط وتصورات وسياسات تفاوض تحمل رؤية «ترامب» للمصالح التجارية الأمريكية، وتضعها موضع التنفيذ.
ربما لذلك صار من الضرورى فى هذا التوقيت قراءة الكتاب الذى ألفه «روبرت لايتهايزر» فى نهايات عام 2023، حاملاً عنوان «لا توجد تجارة حرة»، والذى حرص فيه على أن يشرح للأمريكان سياسات «ترامب» فى إعادة تشكيل النظام التجارى العالمى الجديد التى شاركه فى وضعها خلال فترته الرئاسية الأولى، ولماذا يتخذ الرئيس الأمريكى الآن بعض الخطوات التى يراها البعض عدائية إزاء «الشركاء»، بينما يراها هو ضرورية لمواجهة «الأعداء».
وجهة نظر «لايتهايزر» هى أن تحركات «ترامب» الأخيرة تهدف إلى تصحيح مسار التبادل التجارى بين أمريكا وغيرها من الدول بعد عقود من الممارسات الخاطئة التى أدت إلى أن تحقق الدول الأخرى مكاسب اقتصادية على حساب الولايات المتحدة، وتحديداً على حساب الصناعات والطبقة الوسطى الأمريكية التى تعانى من تدهور أوضاعها الاقتصادية بما دفع جزءاً كبيراً منها إلى قاعدة أنصار «ترامب». يقول «لايتهايزر» فى كتابه إنه: «فى 2016 تم انتخاب «دونالد ترامب» رئيساً لأمريكا. وطلب منى الرئيس «ترامب» أن أتولى قيادة فريقه المسئول عن رسم سياسته التجارية وجهود التفاوض حولها لأننى قضيت حياتى المهنية فى محاربة نفس هذه القوى التى يحاربها «ترامب»، قوى السياسات الفاشلة التى تدعو للتجارة الحرة المفرطة والزائدة عن الحد».
إن فلسفة «لايتهايزر» عن التجارة الحرة، وهى الفلسفة التى يتشاركها مع الرئيس «ترامب»، كما يقول فى كتابه، هى سياسة تعارض اتفاقيات التجارة الحرة التى تحكم معظم التبادلات التجارية فى العالم حالياً. يقول: «ببساطة، أنا أرى أن السياسة التجارية الأمريكية لا بد أن تتمحور حول دعم الأسر الأمريكية التى تنتمى إلى الطبقة الوسطى العاملة. صحيح أن أموراً مثل زيادة أرباح الشركات وتعزيز فاعلية الأداء الاقتصادى وخفض الأسعار بالنسبة للمستهلك كلها أمور مهمة، إلا أنها تأتى فى مرتبة أقل أهمية من دعم العائلات الأمريكية. وعندما أنظر إلى الحال الذى أصبح عليه العالم الآن حالياً أجد أن الوسيلة العملية الوحيدة لدعم الطبقة العاملة هى دعم قطاع التصنيع الأمريكى».
بالنسبة لـ«لايتهايزر» فإن «التجارة الحرة» هى مجرد تصور خيالى لا يوجد إلا فى أذهان الأمريكان ورجال الاقتصاد. وهو يرى أن كل دولة تقوم بكل ما فى وسعها لحماية عملية التصنيع الوطنى فيها. لكن هذا على ما يبدو لا يحدث فى أمريكا، كما يظهر فى حالة ولاية «أوهايو» مثلاً، مسقط رأس «لايتهايزر»، التى ألقى فيها «ترامب» خطابه المعروف بخطاب «يوم التحرير» فى 2 أبريل، والذى أعلن فيه رفع الرسوم الجمركية على الواردات الأمريكية واعتبره المراقبون إعلاناً لحرب تجارية عالمية، خاصة على الصين. يقول «لايتهايزر»: «إن ولاية «أوهايو» كانت تُعد حتى السبعينيات من القرن العشرين مركزاً لتصنيع السيارات والصلب الأمريكى، وكانت هناك آلاف الوظائف والصناعات التى تدور حول هذه الصناعة الرئيسية، حتى قيل إنه على من يريد أن تزدهر أحواله فى أمريكا أن يبدأ من ولاية «أوهايو» ذات الاقتصاد المزدهر القائم على التصنيع المحلى».
كان هذا هو حال العديد من المدن الأمريكية التى تزدهر فيها طبقة من عمال المصانع والمهن الدائرة حول الصناعة. لكن فجأة بدأ الحال يتدهور، وهجر السكان مدينتهم بحثاً عن حياة أفضل، وأصبح ثلث سكان الولاية يعيشون تحت خط الفقر، والسبب هو الخلل الذى حدث فى اتفاقيات التجارة العالمية، وسمح بزيادة الواردات الأجنبية على حساب المنتج المصنَّع محلياً لأن تكلفتها أقل.
يحكى «لا ىتهايزر» عن ذلك الوضع فى كتابه قائلاً: «أًصبحت واردات الصلب الآتية من الخارج تُغرق الموانئ الأمريكية (بدلاً من الصلب المنتج محلياً)، وتسببت السيارات اليابانية المستوردة التى اجتاحت الأسواق الأمريكية كالطوفان فى خسارة الكثيرين لوظائفهم فى تصنيع أجزاء السيارات. لم تعد أمريكا تصنع الكثير من الأشياء التى نحتاجها، بل إننا نستورد ما نحتاج إليه من دول أخرى، ونشحنه إلى أراضينا فى سيل لا ينتهى من حاويات الشحن. يمكنك أن تُلقى نظرة على الأشياء التى تستخدمها بشكل يومى: كم منها تم تصنيعه فى بلادنا بواسطة أشخاص يعيشون على أراضينا؟ القليل جداً».
وعندما تولى «ترامب» رئاسة أمريكا فى فترته الأولى، كان الوضع أن 9 من أصل 11 مصنعاً أمريكياً حديثاً لتصنيع السيارات قد تم إنشاؤها فى المكسيك، بينما خسر ما يقرب من مائتى ألف عامل أمريكى وظائفهم فى تصنيع السيارات وتضررت حياة ملايين الأشخاص من بعدها. سبب ذلك أن هناك اتفاقية تجارة حرة تربط المكسيك بالولايات المتحدة، وبموجبها فإن أى سيارة تكون مؤهلة للإعفاء الجمركى عند دخولها إلى الولايات المتحدة لو أن 65٪ من مكوناتها قد جاءت من إحدى دول أمريكا الشمالية (كندا والمكسيك). لكن، وتحت ستار اتفاقيات التجارة الحرة أيضاً، عقدت المكسيك اتفاقيات جانبية بينها وبين دول وشركات آسيا وأوروبا، ومنها حصلت على مزيد من المكونات والأجزاء الأجنبية التى تدخل فى صناعة السيارات بأسعار أرخص، فأصبحت النتيجة النهائية أن أغلب السيارات المعفاة من الجمارك التى تستوردها الولايات المتحدة من المكسيك تضم مكونات من دول أخرى تأتى عبر المحيط، وغالباً من دول شرق آسيا، وليس من أمريكا الشمالية.
هذا واحد من الأمثلة التى تجعل «لايتهايزر» ينظر إلى اتفاقيات التجارة الحرة على أنها «يمكن أن تقيم صناعات كاملة فى جزء من العالم وتتسبب فى إضاعة وإفلاس جزء آخر منه». هذه الاتفاقيات التى تم توقيع معظمها فى حقبة التسعينات من القرن العشرين أو بداية الألفية الحالية، عندما تم تأسيس منظمة التجارة العالمية وانضمت الولايات المتحدة إلى اتفاقية التجارة الحرة لدول أمريكا الشمالية (نافتا)، وحصلت الصين عام 1997 على مكانة «الدولة الأولى بالرعاية» فى الولايات المتحدة التى تمنحها نفس مزايا الدول الموجودة فى المحيط الإقليمى، وهو الأمر الذى حذَّر منه «لايتهايزر» عام 1997 قائلاً إنه «سيُعرِّض كل الوظائف القائمة على التصنيع فى الولايات المتحدة للخطر».
روبرت لايتهايزر: الوقت مناسب الآن كى نُحدث هزة فى نظام التجارة العالمى من أجل حماية العمال والتصنيع الوطنى الأمريكى
ومن هنا أصبح «لايتهايزر» يدعو إلى «نظام تجارى جديد»، تبتعد فيه الولايات المتحدة عن اتفاقيات التسعينات التجارية التى لا تصب فى صالحها، وتبدأ فى التفاوض حول اتفاقيات جديدة مع الدول الأخرى من أجل إصلاح هذا الخلل. ويدرك الممثل الأمريكى التجارى السابق أن «شركاء الولايات المتحدة التجاريين لن يكونوا سعداء بتغيير اتفاقيات التجارة الدولية، وعلينا أن ندخل فى معركة لشق طريقنا الذى نريده. لكن الدول الأخرى ستجد نفسها مضطرة لإعادة التفاوض فى نهاية المطاف لأنهم بحاجة إلى السوق الأمريكية لبيع إنتاجهم فيها».
فوز «ترامب» بولاية رئاسية ثانية جعل الساحة ممهَّدة من وجهة نظر «لايتهايزر» لوضع تلك السياسة موضع التطبيق، بحيث يسعى الرئيس الأمريكى إلى قطع روابط بلاده مع نظام التجارة الحرة الذى يسود العالم منذ مرحلة ما بعد الحرب الباردة، نحو نظام تجارى عالمى جديد. يقول: «الآن أصبح لدينا الزخم السياسى الذى نحتاجه لإعادة التفاوض حول اتفاقيات التبادل التجارى. يمكننا أن نتخذ خطوات أحادية من جانبنا، وأن نُحدث هزة واضطراباً فى نظام التجارة السائد. لن يكون الأمر سهلاً، وسنواجه مقاومة كبيرة ضدنا، لأنه إذا كان كل الناس يسرقون البنك، فلن تجد لدى أحد دافعاً حقيقياً لوقف لصوص البنوك عن السرقة. لكن يمكننا أن نشكل ما يكفى من الضغوط لتحقيق ذلك».
اتفاقيات التجارة الحرة فى حقبة التسعينات أقامت صناعات فى جزء من العالم لكنها أضاعتها
وبالطبع فإن «البنك» فى هذا التشبيه هو الولايات المتحدة التى يرى «ترامب» وفريقه أنها تتعرَّض للسرقة (حرفياً) بسبب اتفاقيات التجارة الحرة، حتى وصفت «كارولاين ليفيت»، المتحدثة باسم البيت الأبيض، حرب «ترامب» التجارية الأخيرة لرفع الرسوم الجمركية بأنه اليوم الذى أدرك العالم فيه «أن نهب أمريكا سوف ينتهى».
منطق «لايتهايزر» ضد النظام التجارى الحالى ببساطة يرى أنه يجعل الاستيراد من الخارج حلاً أسهل وأرخص من الإنتاج القومى، يفضله أصحاب الأعمال، لكنه يأتى على حساب العمال. قد يقلل من التكلفة الإنتاجية، لكنه يزيد من التكلفة البشرية عندما يفقد الملايين وظائف كان من الممكن أن يوفرها التصنيع القومى، ويحول الناس إلى مجرد مستهلكين وليس منتجين.
يقول «لايتهايزر»: «لقد فقدنا ملايين الوظائف المرتبطة بالتصنيع بسبب اتفاقيات التجارة الدولية التى تم عقدها فى التسعينات. لقد تخلينا عن ثقافة العمل والإنتاج والخبرة التى تُكتسب من العمل فى مقابل الحصول على منتجات رخيصة، وكل شىء يباع هنا بأسعار التصفية. ثلثا قوة سوق العمل عندنا لم يحصلوا على شهادات جامعية، حياتهم أكثر فقراً ومتوسط أعمارهم أكثر قصراً من خريجى الجامعات بثمانى سنوات. ليس من العجيب إذن أن تكون لدينا قاعدة ناخبين غاضبة فى الولايات المتحدة».
وهذه الطبقة العمالية المتوسطة الساخطة تحديداً هى التى تشكل جزءاً كبيراً من ناخبى الرئيس «ترامب». وما يتحدث عنه «لايتهايزر» هو سياسة «القومية الاقتصادية» التى يتبناها الرئيس الأمريكى بكل قوة منذ فترته الرئاسية الأولى، فإعادة توطين الصناعات التى هاجرت من أمريكا إلى دول أخرى تستفيد بشكل أكبر من نظام التجارة العالمى الحالى، لا يعنى فقط إعادة ملايين من فرص العمل فى التصنيع إلى الطبقة العمالية «الساخطة»، ولكنه يعنى أيضاً إعادة المواهب والعقليات الهندسية والمبتكرة فى مجال التصنيع والتكنولوجيا إلى الولايات المتحدة. يقول «لايتهايزر»: «إن نقل عمليات التصنيع إلى خارج البلاد فى دول بعيدة وراء البحار قد جاء نتيجة لاتفاقيات التجارة الحرة ذات التصورات المثالية، والتى استفاد منها شركاؤنا التجاريون أكثر منا، وفعلوا أكثر مما فعلنا لحماية الصناعات فى بلادهم. نحن فى أمريكا اخترعنا رقائق الكمبيوتر مثلاً، لكننا حالياً لا نقوم بتصنيع أكثر من 8% منها».
وفى هذه النقطة، وجد «لايتهايزر» حليفاً غير متوقع يقف فى صفه عند توليه إدارة السياسة التجارية للبلاد، هو الملياردير الأمريكى «إيلون ماسك».
تخلينا عن ثقافة العمل والخبرة للحصول على منتجات رخيصة.. وإيلون ماسك اتفق معى قائلاً: «العقليات الهندسية عندى توجد حيثما وُجد التصنيع»
أغنى رجل فى العالم، الذى صار من أقرب مستشارى «ترامب» فى فترته الرئاسية الثانية، كان يؤيد بقوة تفكير ممثله التجارى فى فترته الرئاسية الأولى. ويحكى «لايتهايزر» عن محادثة هاتفية دارت بينه وبين «إيلون ماسك»، وفيها قال له الملياردير الأمريكى، صاحب كبرى شركات إنتاج السيارات الكهربائية والأقمار الصناعية وصواريخ الفضاء والذكاء الاصطناعى وغيرها، إنه يتفق معه مائة بالمائة، مضيفاً: «إن العقليات الهندسية عندى لا بد أن توجد فى المكان الذى توجد فيه عمليات التصنيع». وبالمثل وجد «لايتهايزر» مؤيداً آخر لسياساته فى قلب فريق الرئيس الأمريكى، هو «جاريد كوتشنر»، صهر «ترامب» وزوج ابنته «إيفانكا» الذى لعب دوراً لا يستهان به فى كل سياسات الرئيس الأمريكى.
«ترامب» قال لمستشاره «لايتهايزر»: «كل الناس يقفون ضدك» فردَّ عليه: «لأننى الوحيد الذى يرى الأمور كما تراها أنت»
أما «ترامب» نفسه فهو منشغل بملف التجارة الدولية منذ نهاية الثمانينات. يحكى «لايتهايزر» فى كتابه عن المرة الأولى التى أدرك فيها مدى عمق اهتمام الرئيس الأمريكى بالتجارة الدولية عندما وجد صفحة إعلانية مدفوعة فى صحف يوم 2 سبتمبر عام 1987، تحت عنوان «إلى الشعب الأمريكى» وحملت توقيع «دونالد ترامب». قال فيها المليونير الأمريكى وقتها: «لعقود طويلة ظلت اليابان وغيرها من دول العالم تقوم باستغلال الولايات المتحدة. العالم يضحك على رجال السياسة الأمريكان بينما نقوم بحماية سفن لا نمتلكها تحمل بترولاً لا نحتاجه، فى طريقها إلى حلفاء لا يساعدوننا».
كان هذا الخطاب يناقش تكلفة قيام أمريكا بدور «شرطى العالم»، وهى نفس الفكرة التى ظلت تصحب «ترامب» فى فترتيه الرئاسيتين وهو يتحدث عن ضرورة ألا تتحمل الولايات المتحدة تكلفة الدفاع عن حلفائها، وأن تزيد الدول الحليفة، مثل دول حلف «الناتو» من إنفاقها الدفاعى لتقليل النفقات على الولايات المتحدة. هذه الفكرة لا تنفصل عن نظرة «ترامب» للاتفاقيات التجارية الدولية، لأن هذا المزيج من تكلفة الإنفاق الدفاعى مرتبط من وجهة نظر «ترامب» بالعجز والخلل فى الميزان والعلاقات التجارية الدولية.
«ترامب» وضع حماية التصنيع الوطنى هدفاً له منذ رئاسته الأولى
فى ذلك الخطاب الذى كتبه «ترامب» فى الثمانينات يقول إنه: «على مدى السنوات الماضية قام اليابانيون، الذين لا تعوقهم التكاليف الهائلة للدفاع عن أنفسهم ما دامت الولايات المتحدة تقوم بذلك مجاناً، ببناء اقتصاد قوى وحيوى لديه فائض إنتاجى لم يسبق له مثيل. حان الوقت إذن لكى نُنهى هذا العجز المالى الكبير بأن نجعل اليابان وغيرها من الدول التى لديها الإمكانيات تدفع».
«ترامب» قادر على إيجاد حلول عملية للمشكلات وهو واسع المعرفة وفصيح ومهتم بقضايا التجارة العالمية منذ الثمانينات
لم يكن «ترامب» شخصية يمكن أن تتجاهلها الأعين فى الثمانينات، بإمبراطوريته العقارية المنتشرة فى كل أجزاء «نيويورك»، لكن هذا الخطاب الذى حمل توقيع «ترامب» بتكلفة مائة ألف دولار فى الصحف الأمريكية هو ما جعل «لايتهايزر» يدرك مدى عمق اهتمامه بالجانب التجارى الدولى، ويضيف: «أدركت عندها أن غريزة «ترامب» التجارية تتشابه معى، وأصبحت من ساعتها أرحب بتصريحاته حول التجارة والضرر الذى يصيب بلادنا بسبب سياسة الواردات غير العادلة. وكان لـ«ترامب» مقابلة عام 1989 مع الإعلامية الأمريكية ذائعة الصيت «دايان سوير»، طالب فيها بزيادة الرسوم الجمركية على الواردات الآتية من اليابان بنسبة ٢٠٪ للتحكم فى العجز التجارى. لكن فى التسعينات تحول مركز الأزمة من اليابان إلى الصين، ومعها تحول تركيز «ترامب» إليها، وأنا كذلك. أصبح من الواضح بالنسبة لمن يهتمون مثلنا بخسارة العمال لوظائفهم وبالعجز التجارى لبلادنا أن الصين تفرض تهديداً أكبر بكثير مما تمثله اليابان. ومن خلال متابعتى لما يقوله «ترامب» فى هذا الصدد أدركت أنه لم يكن فقط واعياً بجذور المشكلات التى نواجهها فى الملف التجارى فى هذا الوقت، لكنه أيضاً شخص قادر على إيجاد حلول عملية للمشكلات. كان واسع المعرفة وفصيحاً ويمتلك حماسة كبيرة حول القضايا التجارية التى كنت أعتبرها قضايا محورية».
وحان الوقت أخيراً لكى يتعاون «لايتهايزر» مع «ترامب» خلال حملته الرئاسية لعام 2016 ، التى كانت الاتفاقيات التجارية أحد الشواغل الأساسية فيها. يقول «لايتهايزر»: «كان «ترامب» يتحدث عن التجارة فى كل محطة يتوقف فيها، عن المشكلات مع الصين، عن العجز التجارى والضرر الذى يتسبب فيه للطبقة العاملة، هؤلاء العاملين الذين أدركوا أن «ترامب» لو أصبح رئيساً فإنه سيكون فى صفهم، وأن مخاوفهم وهمومهم لن يتم التعامل معها على أنها ثمن ضرورى ندفعه فى سبيل التقدم الاقتصادى. وبالفعل، عندما جاءت إدارة «ترامب» للحكم كسرت التقاليد التى كانت سائدة وقتها حول التجارة الحرة، وسعت لإحداث نوع من التوازن بين منافع تحرير التجارة مع السياسات التى تهتم بالحفاظ على كرامة العمل وعلى الصالح العام من خلال زيادة عدد الوظائف ذات الجودة العالية والأجور المرتفعة داخل الولايات المتحدة».
«ترامب» قادر على إيجاد حلول عملية للمشكلات وهو واسع المعرفة وفصيح ومهتم بقضايا التجارة العالمية منذ الثمانينات
وفى إدارة «ترامب» الأولى أصبح «لايتهايزر» هو الرجل المسئول عن تحويل أفكار «ترامب» إلى نظريات واضحة وخطوات عملية على أرض الواقع، خاصة خلال عمليات التفاوض مع الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، وهى المفاوضات التى تكشف الكثير عن تفكير الرئيس الأمريكى وطريقته فى التعامل مع خصومه وشركائه من أجل الوصول لما يريد.
لكن هذه قصة أخرى.
«لايتهايزر» (على اليمين) مع «ترامب» وسط عمال أمريكا الذين يؤيدون سياساته