«الفصح اليهودي» ومجازر الاحتلال المستمرة يحرمان أصحاب الأرض من الفرحة

كتب: منى السعيد

«الفصح اليهودي» ومجازر الاحتلال المستمرة يحرمان أصحاب الأرض من الفرحة

«الفصح اليهودي» ومجازر الاحتلال المستمرة يحرمان أصحاب الأرض من الفرحة

تعيش زهرة المدائن «القدس» فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، حرماناً من بهجة قيامة المسيح هذا العام، إذ تتقاطع الأعياد الدينية مع واقع سياسى وأمنى معقد، حيث يتزامن عيد الفصح اليهودى مع احتفالات عيد القيامة، مما أدى إلى فرض قيود مشددة على تحركات المسيحيين. وفى خلفية هذا المشهد، تستمر معاناة الشعب الفلسطينى، مع تصاعد أوجاع الإبادة فى غزة، والتضييق المتواصل فى الضفة الغربية التى تشهد عمليات تهجير وقمع، لتُغلف القدس بحزن يخيم على قلوب سكانها، مسلمين ومسيحيين، ممن توحدهم آلامهم فى ظل غياب العدالة والحرية.

«ديالا»: تصاعد الهجمات والتضييقات الإسرائيلية وحّد الطوائف المسيحية

فى موقف استثنائى هذا العام لعيد القيامة المجيد، أو كما يُطلق عليه فى القدس والأراضى الفلسطينية «عيد الفصح»، يتم توحيد موعد الاحتفال فى التقويمين الشرقى والغربى حسبما قالت ديالا جويحان، الصحفية الفلسطينية من القدس، لـ«الوطن»، واصفة هذا العام بـ«الكبيس» ليس بسبب الحسابات الزمنية، بل بسبب الأوجاع المتراكمة، والمجازر المستمرة فى قطاع غزة، والانتهاكات المتصاعدة فى الضفة الغربية.

هذا العام شهد تصعيداً غير مسبوق فى البلدة القديمة بالقدس، كما تروى «ديالا»، فأسبوع الآلام الذى بدأت شعائره الأحد الماضى، مع مسيرة «أحد الشعانين»، حيث سُمح فقط لعدد محدود من أبناء الضفة بالدخول إلى القدس للمشاركة. انطلقت المسيرة من بيت فاجى، مروراً بجبل الزيتون، وصولاً إلى كنيسة الجثمانية «وهى كنيسة السيدة العذراء» القريبة من باب الأسباط، وانتهت عند كنيسة حنّة، فى حضور غلبت عليه الأجواء الروحانية رغم القيود.

لكن هذا العام لم يكن كغيره. إذ تزامن الاحتفال بعيد القيامة مع عيد الفصح اليهودى، وهو ما جعل سلطات الاحتلال تفرض قيوداً مشددة، والتى تحدثت عنها «الصحفية المقدسية» أنها تتمثل فى إغلاق مداخل مدينة القدس، خاصة بلدة الطور، ما أجبر مئات الحُجاج المسيحيين على السير لمسافات طويلة للوصول إلى جبل الزيتون. كما انتشرت قوات الاحتلال بكثافة فى مداخل وأزقة البلدة القديمة، وأقامت الحواجز الحديدية، مانعةً أعداداً كبيرة من المسيحيين من دخول المدينة المقدسة، لا سيما من الضفة الغربية، الذين حُرموا بشكل كبير من الحضور، ومنع دخول أهالى غزة بشكل كامل، فيما بات المستوطنون يتجولون فى تلك المناطق ويعتدون على المواطنين المتوجهين إلى كنائسهم.

ورغم أن الحصار على الحجاج مستمر منذ أكثر من عامين، إلا أن هذا العام شهد تصعيداً ملحوظاً، سواء فى التعامل مع القادمين من الضفة الغربية أو من الخارج. وتشير «ديالا» إلى الغياب الواضح للحجاج المسيحيين العرب، الذين لطالما كان حضورهم بارزاً فى أزقة البلدة القديمة، خاصة دير الأقباط، وذلك بسبب التعقيدات السياسية والقيود المفروضة على السفر.

تضييق الاحتلال على المسيحيين فى أقدس أيام العام لمسيحيى فلسطين لم يكن قاصراً على تحجيم دخول أهالى الضفة الغربية ومنع أهالى غزة تماماً، كما تقول «الصحفية المقدسية» بل على أرض الواقع، امتد ليشمل إجراءات ميدانية مشددة، تمثلت فى نشر المتاريس الحديدية، والحواجز على مداخل وأزقة البلدة القديمة، ما اضطر الحجاج إلى سلك طرق طويلة ومرهقة للوصول إلى كنيسة القيامة.

فيما تشهد أبواب البلدة القديمة، خاصة باب الجديد، وباب الخليل، وحارة النصارى المجاورة لكنيسة القيامة، وجوداً أمنياً مكثفاً من قبل شرطة الاحتلال الإسرائيلية، وفق «ديالا»، مؤكدة أن وتيرة القيود ترتفع يوم سبت النور، حيث يُمنع المصلون من الاقتراب من الكنيسة، ليُحاصروا عند أطراف البلدة، محرومين من المشاركة فى أحد أقدس الشعائر المسيحية التى تُقام فى هذا اليوم.

وسط هذا كله، أكدت ديالا أن القدس تبقى شاهدة على الإيمان المتجذر رغم المعاناة، وعلى تمسك أهلها وزوارها بحقهم فى الفرح الروحى، حتى لو حاصرته القيود والأسلاك.

فيما يخيم الحزن على مسيحيى الضفة الغربية، الممنوعين من زيارة مدينة القدس إلا خلال أسبوع الآلام بعد حصولهم على تصاريح أمنية من كنيستهم، وفق ما يروى جميل صديق، مهندس مسيحى من سكان رام الله.

«جميل»: مسيحيو «الضفة» حُرموا من الوصول لكنائسهم بسبب تعنت الاحتلال

«أما أهالى الضفة الغربية فيشعرون بحالة من الحزن، فغالباً لا يمكنهم زيارة الكنائس المقدسة فى القدس إلا خلال عيد القيامة وبعد الحصول على تصريح من الكنيسة»، كما يضيف «جميل صديق» من رام الله، موضحاً أنه حتى فى حالة الحصول على التصاريح فإنها لا تتضمن الأسرة بأكملها، ويتم منحها لجزء فقط من الأسرة، مما يجعل حتى حضور المناسبات الدينية أزمة جديدة بسبب غياب بعض أفراد الأسرة.

العام الحالى شهد حالة من التصعيد غير المسبوق، إذ احتفل مسيحيو الضفة الغربية بطقوس أسبوع الآلام وعيد القيامة خلف حواجز الاحتلال الذى منعهم من الدخول إلى كنيستهم، وهو الأمر الذى بات «عادياً» من وجهة نظر «جميل» إلا أن الأمر الأصعب بالنسبة للفلسطينيين هو الوضع الذى تشهده غزة.

ويتحدث «المهندس الفلسطينى» بأسى قائلاً: «فى الوقت الذى يُفترض بالأسر المسيحية أن تستعد لاستقبال عيد القيامة بمعمول التمر أو الجوز، كما هى العادة الفلسطينية، تقصف المواقع المسيحية فى القطاع على رؤوس الموجودين بها، بلا تفرقة بين مسلم أو مسيحى، فلم نكد نبدأ قداس أحد الشعانين حتى فوجئنا بأخبار عن قصف مستشفى المعمدانى للمرة الثالثة خلال أقل من عام ونصف العام.

ونظراً للأحداث فإن احتفالات عيد الفصح اقتصرت فقط على الشعائر الدينية، كما يقول «جميل» رغم أنه «عيد الفرح والانتصار» لكن غابت الأجواء الاحتفالية المعتادة. فالموسيقى الكنسية، وأهازيج الكشافة، وتبادل الزيارات والتهانى، كلها باتت هذا العام تحت وطأة المشهد الدموى فى غزة، الذى يُلقى بظلاله على كل تفاصيل الحياة، حيث تُقام الصلوات والقداسات فى الكنائس، ويُشارك المصلون فى مسيرات دينية تتخللها التراتيل وقراءة نصوص الآلام، فى جوٍّ من التأمل والرجاء.

وعن مظاهر الاحتفال بعيد الفصح فى الضفة الغربية، يقول «جميل» إنه فى يومى سبت النور وعيد الفصح، تنظم فرق الكشافة عروضاً موسيقية حيث تقرع الطبول، وترتل الألحان فى موكب احتفالى يجوب شوارع رام الله والبيرة، يُضفى أجواءً من البهجة فى الأماكن العامة. وعلى الرغم من التحديات السياسية والقيود المفروضة فى بعض المناطق، يبقى العيد مناسبة لإظهار التمسك بالأمل والإيمان، ورفض الاستسلام للحزن.


مواضيع متعلقة