د/ ناجح إبراهيم يكتب: بضاعتكم ردت إليكم

كتب: أحمد فكري

د/ ناجح إبراهيم يكتب: بضاعتكم ردت إليكم

د/ ناجح إبراهيم يكتب: بضاعتكم ردت إليكم

* سيدة عجوز غاية فى الرقى الإنسانى والأدب، جاءتنى تشكو من احمرار فى جلد وجهها بعد أخذها لجرعة من جرعات العلاج الكيماوى لعلاج سرطان بسيط فى الإصبع تمت إزالته جراحياً، كانت تشكو من ألم الكيماوى وأثره السلبى على الجسم، أدركت من دموعها التى تجرى على خديها أثر أى كلمة طيبة تسمعها فيغمرها الحزن والبكاء.
* أخبرتنى أنها تعيش مع شقيقها المحال للمعاش، وأن كليهما لم يتزوج أو أنها تزوجت عدة أشهر ثم انفصلت عن زوجها وأنها لا تعمل وتعيش على معاش والدها البسيط.
* أخبرتنى أنها استأصلت الورم جراحياً وبعدها العلاج الكيماوى على نفقتها، قلت لها: هذه مبالغ كبيرة، قالت: ابن خالتى دكتور دفع لى أربعين ألف جنيه وشقيقه المهندس دفع مثلها.
* قلت لها أول مرة أسمع عن شباب يدفعون لبنت خالتهم هذه المبالغ الضخمة، قالت: السر أن خالتى تعرف معروف أمى وأبى معها ومع كل شقيقاتها، فقد كان أبى ميسوراً وكان لخالتى تسع شقيقات كلهن فقيرات، فقام أبى وأمى بمساعدة خالاتى جميعاً، خاصة خالتى هذه، حتى تزوجن وأصبحن فى أوضاع مالية جيدة، فقامت خالتى برد جميل أبى وأمى لى وقام ولداها الاثنان بهذا المعروف الكبير.
* قلت لها: صانع المعروف يحيا ولا يموت معروفه أبداً، وصنائع معروف والدك ووالدتك عادت إليك «هذه بضاعتكم ردت إليكم».
* قالت: نعم، فلولا وقفتهما معى ما استطعت العلاج، فقد أخبرتنى استشارية الأورام أن العلاج على نفقة الدولة أحياناً ينقطع فى منتصفه أو لا توجد خاماته، وأنا لا أحسن إنهاء الإجراءات الحكومية.
* خففت عنها محنتها وقلت لها: الاحمرار هذا من الكيماوى ومن الحزن أيضاً، اكتشفت مع الحديث معها أن الحزن والخوف من الأيام يغمر مشاعرها وحياتها.
* أحزن الآن كلما وجدت كثيرين فى الشعب المصرى لم يتزوجوا، أو أجد امرأة وحيدة فى شقتها، هذا لم يكن يحدث فى بيوت الأسر العائلية القديمة، فقد رأيت خالتى وهى «جد جدة» أى لها ثلاثة أجيال من الأحفاد، تمارس حياتها وسطوتها، يحفها أحفادها حتى آخر العمر، وتعمل وتأمر وتستقبل الضيوف، وبيتها يعج بالأحفاد وأولاد الأحفاد، وبيتها عامر بالخيرات والبركات، ولها حضور ذهنى وعقلى جيد، وقوة شخصية، وقوة على العبادات والطاعات.
* الوضع فى المدن الكبرى الآن سيئ، وقد وجدت أن معيشة الرجل أو المرأة فى دار المسنين أفضل من أن تكون وحيدة بين جدران أربعة فى شقتها بعد سفر كل أولادها للخارج، ففى دار المسنين لهم أصدقاء وأصحاب ورحلات وحفلات واهتمام طبى جيد، فبالقرب من منزلنا هناك عدة دور للمسنين تعقد كل فترة حفلات ورحلات وفيها حديقة جميلة.
* أفضل ما فى الشعب المصرى التكاتف الاجتماعى، وأسوأ ما فى الحياة المعاصرة معيشة الجد والجدة فى عزلة وهمَّ ووحدة وبين أربعة جدران، وقد ذهبت مرة لكشف منزلى فصُعقت حينما رأيت الابن يُغلق باب الشقة من الخارج على أمه بعد انصرافنا ويعود لها فى اليوم التالى وهكذا.
* معيشة الأجداد فى القرى والمدن الصغيرة أفضل، وقد وجدت ذلك فى أقاربى فى الصعيد حيث تخترع كل جدة لنفسها أهدافاً وعالماً جديداً وأصدقاء وجيران، وتذهب بانتظام للمسجد لتمكث فيه من المغرب للعشاء، وبيتها مفتوح للجميع، ولديها حيوية كبيرة، وروحها مرحة جداً، وتحل المشاكل الاجتماعية، وترعى الأرامل، وتعلّم الزوجات الصغيرات فى العائلة والمسجد كيفية التعامل الأمثل مع الأزواج والأولاد، ووقتها كله مشغول ومشحون بكل ما هو نافع ومفيد لأسرتها والمجتمع.
* تحية للأجداد والجدات وكبار السن جميعاً، وآنس الله وحشتهم فى الدنيا.


مواضيع متعلقة