«إفراج» ثمنه «الإبعاد».. فرحة منقوصة بسبب عدم القدرة على اللقاء

كتب: منى السعيد

«إفراج» ثمنه «الإبعاد».. فرحة منقوصة بسبب عدم القدرة على اللقاء

«إفراج» ثمنه «الإبعاد».. فرحة منقوصة بسبب عدم القدرة على اللقاء

على أعتاب منزلها تقف الزوجة الفلسطينية، تحتضن بصمت وجعاً دفيناً، وتخشى أن تُفلت منها الدموع بعدما نال زوجها الأسير حريته، لأنها فرحة ناقصة، مثقلة بوجع الفراق، فرغم الحرية بات اللقاء صعباً، إذ حُكم على بعض الأسرى المحرَّرين بالإبعاد، وأن يُحرموا من أحضان عائلاتهم من جديد، ليحل محل الفرحة بالحرية وجع البعاد، حيث لا يستطيع أهالى الضفة السفر بسبب قيود الاحتلال الجائرة، وهكذا مضت الأيام تسرق الأسْرى المحرَّرين من أحضان عائلاتهم.

إيمان نافع: نائل البرغوثى يتواصل معنا عبر مكالمات الفيديو.. ويبدو جسدياً كشخص آخر غير الذى عرفناه.. ولم نستطع التعبير عن فرحتنا بحريته بسبب تهديدات الاحتلال

ومن بينهم «عميد الأسرى» نائل البرغوثى الذى قضى ما مجموعه 45 عاماً فى سجون الاحتلال ليدخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية عام 2009، باعتباره أقدم أسير سياسى فى العالم، وتم إبعاده عن وطنه. وبعد 11 عاماً متواصلة من الأسْر لم تستطع زوجته «إيمان نافع» أن تلتقى به، وبعدما كانت تستعد للسفر بكل شوق لاستقباله، اصطدمت بجدار المنع الإسرائيلى الذى حرمها من فرحة اللقاء بعد الحرية.

فبعد انتظار امتد لساعات طويلة، عادت «إيمان» إلى منزلها فى الضفة وهى تحمل حبات الكلمنتين (اليوسفى)، التى جلبتها لزوجها، بعد أن تم إيقافها عند الحاجز الإسرائيلى، حيث احتُجز جواز سفرها لساعات، وبعد طول انتظار جاء أحد جنود الاحتلال ليسلمها الجواز، ويخبرها أنها ممنوعة من السفر، دون تقديم أى مبررات.

لم يكن أمام «إيمان» سوى الانتظار والتواصل مع نائل عبر الهاتف، حيث كان التواصل الأول من خلال مكالمة قصيرة عبر «واتساب»، بينما كان نائل يستقل الحافلة فى طريقه لمصر، موضحة أن «معنوياته قوية، لكنه بدا كشخص آخر جسدياً، ضعيف البنية، وجهه يحمل آثار الضرب، فاقد الوزن».

كانت أكثر اللحظات المؤلمة التى تتذكرها «إيمان» عندما روى لها «نائل» تفاصيل الساعات الأخيرة فى الزنزانة، وما تعرَّض له من تعذيب مع بقية الأسرى قبل الإفراج. لم تستطع «إيمان» النوم فى تلك الليلة حتى تأكدت من وصوله للفندق، تقول: «لم نستطع حتى أن نعبر عن فرحتنا بحصوله على حريته بسبب تهديدات الاحتلال ومنع وجود أى مظاهر للاحتفال.. أرادوا إفساد لحظة الحرية».

32 شهراً هى عمر زواج «إيمان» من «نائل»، فعقب الإفراج عنه فيما عُرف بـ«صفقة وفاء الأحرار» (صفقة تبادل الجندى الإسرائيلى شاليط) فى أكتوبر عام 2011، تزوَّجا فى 18 نوفمبر 2011، حيث كان، كما تصفه «إيمان»: الأخ والصديق والرفيق، رجل مثقف قارئ نهم، حتى إن الأسرى يلقبونه بـ«جوجل فلسطين» بسبب عشقه للاطلاع، فهو محب للشعر ويتقن الإنجليزية، حيث بدأ فى دراسة التاريخ فى جامعة القدس المفتوحة خلال سنوات الإفراج عنه.

لكن فرحة حرية نائل لم تدم طويلاً، حسبما تضيف زوجته: «حيث أعاد الاحتلال اعتقاله فى 18 يونيو 2014 رغم التزامه بشروط الإفراج عنه، ولم يكن يعلم أنه سيعود للأسْر مجدداً حين ذهب للتوقيع فى مركز «بيت إيل»، تنفيذاً لأحد شروط الإفراج عنه ضمن الصفقة».

رغم العزلة ظل نائل يحتفظ برمز العلاقة التى ربطته بزوجته إيمان، وهو خاتم الزواج، كما تقول زوجته: «كان يرتديه باستمرار، ورغم أنهم صادروا جميع خواتم الأسرى نجح فى إخفائه، لكن بعد مدة صادره السجانون، وهو ما جعله يطالب باسترجاعه حتى أعادوه له، إلا أنه فى محاولة لقهر وتعذيب الأسرى طلب الجنود من نائل خلع الخاتم مرة أخرى، لكنه رفض، وهو ما جعله يتعرض للتعنيف حتى تورم إصبعه من شدة الضرب، ثم أخذو الخاتم منه عنوة، ولا يزال الخاتم فى الأسْر رغم تحرر نائل».

وتروى إيمان أن أحد الأسرى الذين كانوا مع نائل وعده بصناعة خاتم جديد له، وكتابة تاريخ زواجهما عليه، وهو ما فعله، وأرسل نائل الخاتم إليها عبر أحد الأسرى المحرَّرين.

وعن سبب إحضار «إيمان» لفاكهة «الكلمنتين»، قالت إنها كانت من ثمار شجرة زرعها نائل بيده قبل اعتقاله: «كنت أعتنى بها كأننى أعتنى بجزء من نائل». وتضيف: «حاولت أن أطعمه من ثمار الأرض التى اعتنى بها، ليشعر أنه لم يبتعد عنها... فالوطن يعيش فينا، حتى لو حُرمنا من أرضه».

بعد الإفراج، كان أول ما فعله نائل هو التواصل مع أهله، ومشاهدة أرضه وأشجاره من خلال هاتفه المحمول: «وكنت أرسل له الصور والفيديوهات، وأوثق له حياتنا اليومية ليشعر أنه يعيش بيننا».

«الإبعاد» طال آخرين، ففى الخامس والعشرين من يناير 2025، تنفست وردة عدنان من قرية «عبوين» فى قضاء «نمالا الصعداء» شمال رام الله بالضفة الغربية، حين أُفرج عن زوجها الأسير محمد أبوحميد، بعد أن أمضى 23 عاماً فى سجون الاحتلال، وكان محكوماً بحُكمين هما المؤبد وثلاثون سنة داخل سجون الاحتلال، لكن هذا اليوم الذى لطالما حلمت به اقترن بوجع آخر، بعدما مُنعت من لقائه رغم حريته، حسبما تقول وردة.

تاريخان لا يمكن محوهما من ذاكرة «وردة»، الأول 15 مايو 2021 وهو يوم عقد قرانها على محمد خلال وجوده فى الأسْر، والثانى يوم حصل زوجها على حريته. كانت «وردة» تحسب الأيام حتى يوم تحرر زوجها، لكن الاحتلال أفسد هذه اللحظة بإبعاده. ووجدت وردة نفسها تعيش وكأنها هى «الأسيرة» الآن.

ففى صباح 25 يناير الماضى، تلقت وردة مكالمة من رقم غير مألوف، حيث كان زوجها الأسير المحرَّر محمد على الطرف الآخر يقول: «وردة، أنا طالع اليوم». سقطت دموعها على الفور، وقالت له: «أنا بره السجن، تعالى لاقينى». لكنه كان يعلم أنها لن تتمكن من لقائه لأنه سيتم إبعاده.

محاولات وردة للعبور إلى الأردن عبر معبر كرم أبوسالم للقاء زوجها باءت بالفشل، مضيفة أنها «حاولت مرة أخرى، ولاقت المنع مراراً وتكراراً».

تحكى «وردة» كيف أنها كانت قد استعدت لبدء حياتها الزوجية بشراء قطعة أرض لبناء منزلها مع زوجها، لكنهم أبعدوه ومنعوها من أن تكون معه فى وطنهما، حيث تقول: «رفض السلطات الإسرائيلية سفرى لرؤية زوجى كأنه سكاكين فى صدرى، لم أبكِ أمام محمد حتى لا أزيد ألمه، كنت أعرف كم كان يتوق لرؤيتى ولرؤية والدته».

ورغم الفراق، تقول وردة: «أنا مع محمد حتى الموت، المهم أنه حر. لكن أن يُحرم المرء من لقاء من انتظره وهو فى الأسر سنين، فذلك وجع لا يوصف».

رغم أنها تتواصل يومياً مع زوجها للاطمئنان عليه إلا أن كل مكالمة تنتهى بالدموع، فعندما ترى زوجات المفرج عنهم يحتضَّ أزواجهن تشعر بحسرة، فهى لم تحتضن محمد سوى مرة واحدة، خلال زيارة استثنائية سمح بها الاحتلال بسبب استشهاد شقيقه الأكبر ناصر، كانت زيارة لم تتجاوز 3 دقائق، لكنها أغلى لحظات فى حياتها، وقتها شعرت أنها تركت قلبها فى سجن الرملة حين غادرت.


مواضيع متعلقة