في انتظار الحرية.. زوجات فلسطينيات يحلمن بلقاء أزواجهن بعد طول غياب

كتب: منى السعيد

في انتظار الحرية.. زوجات فلسطينيات يحلمن بلقاء أزواجهن بعد طول غياب

في انتظار الحرية.. زوجات فلسطينيات يحلمن بلقاء أزواجهن بعد طول غياب

تقف زوجات الأسرى في انتظار أزواجهن كأشجار الزيتون، جذورهن ضاربة فى الأرض وصبرهن نور يضىء العتمة.. لم يكُنَّ مجرد شريكات، بل جنديات فى معركة الصمود، بين زيارة شاقة، ورسالة مؤجَّلة، وحلم لا يفارق مخيلتهن، وهو عناق أزواجهن بعد تمتعهم بالحرية التى طال انتظارها.

إخلاص الصويص، أو كما تحب أن يناديها الجميع «أم عبدالله»، زوجة المناضل الفلسطينى عباس السيد، تنتظره منذ نحو 23 عاماً، حيث كان زوجها، كما تقول، صاحب الحكم الأعلى من بين أبناء طولكرم بالضفة الغربية، وهو 35 مؤبداً و100 عام، وهو الحكم الذى صدر عام 2002، إلا أن رحلة النضال بدأت قبل هذا بكثير.

تزوج عباس السيد من «أم عبدالله» يوم 16 أبريل 1993، حيث لم تكن أقل منه فى البطولة والعمل الوطني، وهى تصف تاريخ زواجها بأنه مميز لأنه اليوم الذى ارتبطت فيه بـ«البطل الذى كان مطارداً من الاحتلال»، وأُلقى القبض عليه بعد أشهر قليلة من الزواج، ورزقا بأول طفليهما، «مودة»، بعد 5 سنوات، حيث كانت الفرحة لا توصف، إلا أنها لم تدم طويلاً، فبعد أسبوع فقط من ولادتها، اعتُقل زوجها مجدداً، ليقضى 20 شهرا في «سجن جنيد»، وبعد الإفراج عنه رُزقت بطفلها الثاني «عبدالله»، قبل أن يصبح زوجها مطارداً مرة أخرى ويتم اعتقاله عام 2002.

وللضغط على زوجها ليسلم نفسه بعد مطاردة استمرت أكثر من 7 أشهر، لجأت قوات الاحتلال لاعتقال «أم عبدالله» نفسها، وهى اللحظة التي لا تبرح ذاكرتها حتى الآن، وتقول عنها: «لم أنسَ نظرات طفلي الصغير، ابن العام ونصف، وصراخه المتواصل بحرقة عندما انتزعه الجندي من حضني، ولم أنسَ أيضاً صرخات ابنتي مودة وهى تنادينا باكية بينما كانوا يعتقلونني في منتصف الليل، وما زلت أتذكر حين جلست فى غرفة تحقيق بها محققان؛ أحدهما يحقق معي، والآخر يصرخ ويهينني بكلمات قاسية».

أم عبدالله: الأسير لا يُسجن وحده بل يُسجن معه زوجته وأبناؤه أيضاً حتى وإن كانوا خارج الأسوار

ثم كان الحدث الأصعب كما تتذكر «أم عبدالله»، وهو اعتقال زوجها فى المرة الأخيرة، يوم 8 مايو 2002، والمستمر حتى الآن، حيث لا تزال فى ذاكرتها أصوات «مركبات الاحتلال العسكرية»، وتحليق الطائرات فوق سماء طولكرم ومخيماتها، والرصاص، والقنابل الصوتية وهى تتساقط حول مكان اختباء زوجها، والإغلاق التام للمدينة ومخيماتها، والحصار المُشدد الذى فُرض على الضفة الغربية بأكملها لاعتقال زوجها، حيث «كان يوماً عصيباً، مؤلماً وحزيناً».

ظلت «أم عبدالله» ممنوعة من زيارة زوجها، والتقت به أخيراً ولأول مرة بعد سبع سنوات من الاعتقال. كان اللقاء صامتاً فى بدايته، لكن سرعان ما كسر زوجها حاجز الصمت وسألها عن الأطفال، وعن أيام اعتقالها، غير أن الوقت لم يكن كافياً لسرد كل ما عاشته خلال تلك السنوات، فلم تكن 45 دقيقة كافية لتروى له عن طفليه اللذين كبرا فى غيابه.

وفى إحدى الزيارات خلال فصل الصيف كان زوجها يرتدى سترة شتوية ثقيلة وعندما سألته عن السبب وألحت وقام برفعها، رأت زوجته آثار التعذيب على جسده، فانهارت باكية، لذلك كان عادة ما يُخفى عنها تفاصيل معاناته حتى لا يزيد ألمها.

حاولت «إخلاص» بعدها زيارة زوجها مراراً، لكن سلطات الاحتلال كانت تمنعها غالباً. وبعد 17 عاماً من اعتقال زوجها، كانت المرة الأولى التى رأى فيها ابنها عبدالله والده فى السجن. كان قد تركه رضيعاً، وعاد إليه الابن شاباً جامعياً، وخلال تلك الزيارة، كان الأب يراقب ملامح ابنه الشاب، بينما مرت الدقائق سريعاً فى لقاء مشحون بالمشاعر.

ولكل ما سبق تعتقد «أم عبدالله» بأن «الأسير لا يُسجن وحده، بل يُسجن معه أبناؤه وزوجته أيضاً، حتى وإن كانوا خارج الأسوار»، لافتة كذلك إلى أن زيارة الأسرى رحلة شاقة بالنسبة لعائلاتهم، ومحفوفة بالانتظار الطويل والقيود الإسرائيلية المتعمدة لإذلالهم، مؤكدة أنه رغم مرور السنوات لا يزال زوجها يتمسك بالأمل، مؤمناً بأنه سيرى الشمس خارج القضبان، بين أطفاله وزوجته الذين حُرم منهم لسنوات طوال.

عبلة سعدات: لم ولن أندم على طريق النضال الذى اختاره زوجى.. فالتضحية من أجل فلسطين واجب

المناضلة الفلسطينية عبلة سعدات هى المسئولة وحدها عن 4 أبناء منذ 19 عاماً، بعد اعتقال زوجها المناضل أحمد سعدات، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذى لم يتمكن من رؤية أبنائه منذ سنوات، بل إن أحفاده لا يعرفونه إلا من خلال الصور فقط، فهم «ممنوعون أمنياً» من رؤية جدهم أو الالتقاء معه داخل سجون الاحتلال.

عبلة سعدات ليست فقط زوجة أسير فلسطينى فى سجون الاحتلال، بل هى أم وجدة تعرضت للاعتقال إدارياً «بدون تهمة محددة»، 3 مرات، وكانت ملاحقة دائماً، مما جعل الخوف على أسرتها مضاعفاً على مدار أكثر من 3 عقود.

تزوجت «عبلة»، كما تقول، من أحمد سعدات عام 1981، وكانت تعلم جيداً ممن تزوجت، فانضمامه لحزب مقاوم فلسطينى جعله مطارداً من الاحتلال منذ ستينات القرن الماضى، وهو ما جعلها تقول إن زواجها استمر 4 سنوات فقط، بعدها دخل زوجها فى دوامة طويلة من الاعتقالات الإدارية والسجن بأحكام قاسية، كانت العائلة خلالها ممنوعة من زيارته تماماً.

كان الاعتقال الأخير فى 2006 محطة فارقة فى حياة «عبلة»، حيث حاصرت قوات الاحتلال سجن أريحا وقصفت محيطه بالصواريخ حتى ألقت القبض على زوجها ورفاقة، فى عملية استمرت أكثر من 8 ساعات تعتبرها «عبلة» واحدة من أصعب الأوقات التى مرت على عائلتها، وبعدها حكمت المحكمة العسكرية الإسرائيلية بسجنه 30 عاماً، ولا يزال يقبع فى سجون الاحتلال منذ أكثر من 19 عاماً.

عقب سجن زوجها باتت «عبلة» المسئولة عن أبنائهما الأربعة «غسان، وإباء وصمود، ويسار». وعن أكثر الأوقات التى تشعر خلالها بثقل المسئولية، تقول: إن فترات الأعياد هى الأكثر قسوة، فبينما العائلات تنعم بالدفء معاً، تبقى عائلات الأسرى محاصرة بالألم بسبب فراغ مكان الزوج والأب، وكذلك فإن المناسبات السعيدة مثل حفلات الزفاف تكون مصدراً للألم، فغياب زوجها عن زفاف ابنهما البكر غسان ثم ابنتهما إباء جعل فرحتها منقوصة.

بكت «عبلة» بحرقة شديدة فى حفل تخرُّج ابنها الأصغر «يسار»، حيث لم تستطع أن تتمالك نفسها، فذلك الشاب الذى لم يرَ والده منذ كان رضيعاً تخرَّج من الجامعة ولم يكن والده معه، لافتة إلى أنه مهما كانت المرأة قوية وقادرة على إدارة أسرتها لا تزال بحاجة إلى من «يطبطب عليها».

ولعل ما كان يعوضها عن ذلك جزئياً الزيارات التى تلتقى خلالها بزوجها، لتروى له تفاصيل حياتهم العائلية، لكن حتى هذا الحق البسيط سُلب منها بعد 7 أكتوبر 2023، لأنها أصبحت هى نفسها أسيرة، حيث تم اعتقالها إدارياً، وهى التجربة التى تصفها بـ«القاسية»على المرأة البالغة من العمر 69 عاماً، لكنها خرجت منها أكثر إصراراً على مواصلة النضال، حسب تأكيدها.

رغم كل هذه المعاناة، تؤكد عبلة أنها لم ولن تندم على طريق النضال الذى اختاره زوجها، كما أنها لا تزال تتمسك بالأمل بأن يتم الإفراج عنه يوماً ما، ولمّ شمل أسرتها مجدداً.


مواضيع متعلقة