«هيئات الأسرى»: الزوجة الفلسطينية رمز الصمود في وجه الاحتلال

كتب: منى السعيد

«هيئات الأسرى»: الزوجة الفلسطينية رمز الصمود في وجه الاحتلال

«هيئات الأسرى»: الزوجة الفلسطينية رمز الصمود في وجه الاحتلال

لا يقتصر تأثير زنازين سجون الاحتلال على أجساد الأسرى الفلسطينيين المتعبة والمريضة، وإنما يمتد بعيداً خارج أسوار السجون، حيث تنتظر زوجاتهم أزواجهن المحكومين بسنوات قد تفوق حرفياً عمر البشر، ولا نبالغ إذا قلنا إن عددها يحسب فى بعض الحالات بالقرون، حسبما يؤكد «عبدالناصر فراونة» رئيس وحدة الدراسات والتوثيق فى هيئة شئون الأسرى والمحررين الفلسطينيين.

عايش «عبدالناصر فراونة» المئات من التجارب القاسية مع الاعتقال والسجن لسنوات طويلة، وطالع العديد من الروايات المؤلمة لأسر فلسطينية تقبع تحت رحمة الاحتلال، فلسنوات تبقى المرأة الفلسطينية صامدة أمام تحديات الحياة، ولا تقتصر تداعيات السجن على الأثر النفسى، بل تمتد إلى أضرار اجتماعية واقتصادية وصحية، تعيق تطور الإنسان الفلسطينى وتؤثر فى المجتمع بأسره.

«دولة الاحتلال الإسرائيلية منذ إعلانها كدولة على الأراضى الفلسطينية المحتلة عام 1948، جعلت الأمن أولوية قصوى، معتبرةً أن ضمان بقائها واستمرار احتلالها يعتمد على قمع الفلسطينيين واعتقالهم وسلب حريتهم»، كما يؤكد «فراونة»، موضحاً أن أساليب القمع تحدث دون أى اعتبار لحقوق الفلسطينيين الإنسانية. ونتيجة لذلك اعتمدت الاعتقال كأداة قمعية ممنهجة تهدف إلى بث الرعب وكبح إرادة الفلسطينيين وثنيهم عن المقاومة، وأصبح الاعتقال جزءاً من سياسة الاحتلال اليومية، خصوصاً بعد عام 1967، حتى باتت الاعتقالات ظاهرةً يومية تطال جميع فئات المجتمع الفلسطينى، رجالاً ونساءً، شيوخاً وأطفالاً.

ووصل عدد الأسرى الفلسطينيين فى سجون الاحتلال الإسرائيلى منذ عام 1967، إلى ما يزيد على مليون فلسطينى، وقد شملت هذه الاعتقالات كافة فئات المجتمع الفلسطينى، من بينهم 50 ألف طفل اعتُقلوا خلال فترات مختلفة، غالبيتهم دون سن 18 عاماً، و17 ألف امرأة وفتاة تعرضن للاعتقال، بينهن أمهات وأسيرات حوامل، وأكثر من 60 ألف أمر اعتقال إدارى صدر دون محاكمة أو تهم واضحة، فى مخالفة صارخة للقوانين الدولية.

وقبيل أحداث السابع من أكتوبر، بلغ عدد الأسرى الفلسطينيين فى سجون الاحتلال نحو 5٫000 أسير، من بينهم 43 امرأة، و225 طفلاً، و600 أسير محكومون بالمؤبد، ثلثهم متزوجون ويُحرمون من رؤية أبنائهم، و540 معتقلاً إدارياً دون لائحة اتهام.

منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة فى أكتوبر 2023، تصاعدت حملة الاعتقالات فى الضفة الغربية والقدس بشكل غير مسبوق، حيث سُجلت 16٫400 حالة اعتقال جديدة حتى فبراير 2025، من ضمنها 510 سيدات، و1٫300 طفل.

ووصل عدد الأسرى الفلسطينيين حالياً فى سجون الاحتلال إلى 9٫900 أسير موزعين على 27 سجناً ومركز توقيف، من بينهم 29 أسيرة، و400 طفل، و3٫500 معتقل إدارى، بالإضافة إلى 1٫747 أسيراً من غزة صُنفوا «مقاتلين غير شرعيين»، ما يحرمهم من الحقوق القانونية الأساسية، ولا تزال الأعداد الحقيقية لمعتقلى غزة غير واضحة، لكن التقديرات تشير إلى أنهم بالآلاف.

وسجلت الحركة الأسيرة 63 شهيداً داخل السجون الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر، بينهم 40 أسيراً من قطاع غزة، معظمهم ارتقوا شهداء نتيجة الإهمال الطبى والتعذيب وسوء المعاملة. وتشير التقديرات إلى أن ثلث الأسرى الفلسطينيين قبل السابع من أكتوبر، متزوجون، من بينهم أكثر من 600 أسير محكومين بأحكام مرتفعة وفق «فراونة»، مما يضع أسرهم وخاصة «الزوجة» أمام تحديات صعبة، حيث تضطر الزوجة إلى لعب دور الأم والأب معاً. ومع استمرار السجن لسنوات طويلة، تتأثر العلاقة بين الزوجين والأبناء، ويفقد الأطفال فرصة التعرف على آبائهم. وفى كثير من الحالات، يتم اعتقال الزوجة أيضاً، مما يؤثر على الأسرة ويهددها بالتفكك.

«فراونة»: ثلث الأسرى متزوجون والاحتلال يتعمد إذلال نسائهم

منذ اللحظة الأولى لاعتقال الأسير تتعرض عائلات الأسرى لمعاناة شديدة تبدأ بلحظة الاعتقال، وفق «فراونة»، حيث يشهدون الإذلال والإهانة، ويعيشون صدمة الحدث وما يترتب عليه من تداعيات نفسية واجتماعية. فالزوجة تشعر بالعجز عند اعتقال زوجها، كما يعانى الأبناء عند سجن والديهم، وتؤثر هذه التجارب فى العلاقات الأسرية، موضحاً أن سلطات الاحتلال تلجأ إلى فرض عقوبات جماعية ضد أهالى الأسرى، مثل اعتقال أقاربهم للضغط عليهم، وهدم منازلهم، ومصادرة أموالهم، ومنعهم من السفر أو العمل أو إكمال تعليمهم. كما يُمنع كثير من الأهالى وبالأخص الأبناء من زيارة والدهم الأسير بذريعة «المنع الأمنى»، مما يزيد من معاناتهم النفسية والاجتماعية. وحتى فى حال السماح بالزيارة، تكون الرحلة مرهقة بسبب بُعد السجون والتضييقات المفروضة.

رغم كل هذه الممارسات القمعية، فإن «الاعتقال لم يكسر إرادة الفلسطينيين»، كما يؤكد «رئيس وحدة الدراسات والتوثيق بهيئة شئون الأسرى»، «بل زادهم تمسكاً بقضيتهم وهويتهم الوطنية. حيث يواصل الأسرى نضالهم داخل السجون، وتفخر العائلات الفلسطينية بصمود أبنائها، ما يعكس صلابة المجتمع الفلسطينى وإصراره على تحقيق حقوقه المشروعة».

«وعندما يعتقل الاحتلال الإسرائيلى الزوج، تتضاعف مسئوليات الزوجة، خاصة إذا كان لديهما أطفال»، كما يوضح رئيس نادى الأسير فى نابلس «مظفر ذوقان»، خلال حديثه عن «زوجات الأسرى»، موضحاً أن المرأة تقع تحت ضغوط نفسية هائلة، حيث تتحمل عبء إدارة الأسرة بمفردها، مما يفرض عليها تحديات إضافية مثل متابعة تعليم الأبناء، والاهتمام بشئونهم اليومية، وتحمل أعباء الحياة التى كان الزوج يشاركها فيها قبل اعتقاله.

ما يساعد زوجة الأسير خاصة المحكومين بأحكام مرتفعة، هو أنه فى المجتمع الفلسطينى هناك تقاليد داعمة لعائلات الأسرى، حيث تُنظم زيارات لعائلاتهم فى الأعياد والمناسبات، كما يقول «مظفر»، حيث يتم تقديم الدعم النفسى لتلك الأسر، ولكن رغم ذلك، من واقع خبرته كأسير سابق، وابن لأسير وشقيق أسير ووالد أسير، تبقى المناسبات الخاصة مثل عيد الأم أو عيد الفطر لحظات مؤلمة، خاصة عندما يدرك الأطفال أن والدهم ليس معهم، بينما يشاهدون أصدقاءهم يحتفلون مع آبائهم.

واحدة من أكثر اللحظات المؤلمة والمتكررة التى تعيشها الزوجة الفلسطينية، وفق «مظفر» هى زيارة الأسير فى السجن، فهى ليست بالأمر السهل، فهى رحلة مليئة بالمشقة والمعاناة، تبدأ منذ ساعات الفجر، حيث تضطر الزوجة أو والدة الأسير إلى مغادرة منزلها فى ساعات مبكرة، مثل الساعة الرابعة صباحاً، لتتمكن من الوصول إلى الحاجز الإسرائيلى، وهو أولى العقبات التى تواجهها. وعند الحاجز تخضع النساء لإجراءات تفتيش صارمة ومهينة، قد تستغرق عدة ساعات قبل السماح لهن بالعبور، رغم أن المسافة لا تستغرق أكثر من 15 دقيقة.

بعد تجاوز الحاجز، كما يوضح رئيس نادى الأسير فى نابلس: تنتقل الزائرات عبر حافلات تابعة للصليب الأحمر إلى داخل أراضى الـ48، ومن هناك يستقللن حافلات أخرى للوصول إلى السجن، الذى قد يكون فى مناطق نائية مثل سجن نفحة أو النقب أو بئر السبع، أى أنهن يعبرن فلسطين من شمالها إلى جنوبها فى رحلة طويلة وشاقة.

وبمجرد الوصول، تبدأ إجراءات «التسجيل للزيارة»، فيما لا يتجاوز وقت الزيارة نفسها غالباً 45 دقيقة، وسط إجراءات مُشددة، قد يتعرضن خلالها للعديد من المضايقات والإهانات من جنود الاحتلال، وبحسب «مظفر» فإنه بعد انتهاء اللقاء مع الأسير تبدأ رحلة العودة، التى تتضمن معاناة لا تختلف عن رحلة الذهاب، بحيث تصل الزوجة أو الأم إلى منزلها فى وقت متأخر من الليل، منهكة جسدياً ونفسياً، لكن حتى هذه المعاناة باتت ممنوعة على أهالى الأسرى بعد السابع من أكتوبر، حيث باتت الزيارات ممنوعة تماماً.

«مُظفر»: نقدم الدعم لأسر المحبوسين بداية من الرواتب والرعاية الطبية والتعليم

ويتحدث «مظفر» عن تجربة شخصية عندما اعتقل والده، وكانت والدته المُقعدة تعانى، بسبب هذه الرحلة القاسية، من الإرهاق الشديد والآلام المزمنة، مما يضطرهم إلى تناول المُسكنات أو مراجعة الأطباء بعد كل زيارة تقريباً. كما أن ذهاب الزوجة للزيارة يعنى غالباً ترك أطفالها بمفردهم لساعات طويلة، مما يزيد من الضغط والمسئولية عليها، موضحاً أن هذا كان المحرك الأول بالنسبة له لأن يعمل فى دعم أسر المعتقلين.

وعن دور هيئات الأسرى فى دعم زوجات الأسرى، قال «مظفر» إن السلطة الفلسطينية تُخصص راتباً لعائلة الأسير، ويتم تحديد قيمته وفقاً لعدة عوامل، منها عمر الأسير، وحالته الاجتماعية، وعدد أفراد أسرته، ووفقاً لمدة محكومية الأسير، وحالته الاجتماعية، حيث يحصل المتزوج على مخصص مالى إضافى لزوجته وأبنائه. كما يتم توفير تأمين صحى مجانى لأسر الأسرى، يشمل الزوجة والأبناء.

أما فيما يتعلق بالتعليم، فيشير «رئيس نادى الأسير» إلى أن هناك برامج تدعم أبناء الأسرى، بل إن بعض البرامج تشمل الأسرى أنفسهم بعد تحررهم حتى يمكنهم استكمال دراستهم، ومواصلة دراستهم الجامعية، حيث تغطى هيئة شئون الأسرى 50% من رسومهم الدراسية، بغض النظر عن أعمارهم.

وفضلاً عن الدعم المادى والتعليمى لأهالى الأسرى المحررين، يوضح «مُظفر» أن هيئات الأسرى مثل نادى الأسير الفلسطينى وهيئة شئون الأسرى والمحررين تلعب دوراً فى دعم عائلات الأسرى من خلال تنظيم فعاليات وندوات توعوية، والمشاركة فى مسيرات تضامن، وتقديم الدعم النفسى والاجتماعى لزوجات الأسرى. كما يتم تنظيم زيارات لعائلاتهم لتعزيز التواصل الاجتماعى والتضامن معهم.

ويشير «مظفر» إلى أنه من وجهة نظره، فإن زوجة الأسير الفلسطينى أثبتت قدرتها على الصمود، فالكثيرات منهن تتولى مسئولية تربية أبنائها وأغلبهم متفوقون دراسياً، وقد نجح العديد من أبناء الأسرى فى اجتياز الثانوية العامة بتفوق، ودخلوا الجامعات وحصلوا على شهادات عليا، مما يُعد انتصاراً فى وجه الاحتلال.

وعن أكثر اللحظات المؤثرة فى حياة أسر الأسرى الفلسطينيين، قال «مظفر» إنها لحظة خروج الأسير ليتنفس نسيم الحرية بعد عقود طويلة قضى خلالها أجمل سنوات حياته يقبع فى زنزانه مظلمة رطبة لا تدخلها الشمس أو الهواء، وقد شهدنا خلال الشهور الماضية إطلاق سراح عدد كبير من الأسرى المحكومين بأحكام مرتفعة، والتقى بعضهم بأبنائهم للمرة الأولى، ليكتشفوا أنهم كبروا وصاروا رجالاً وأصبحوا متعلمين وأصحاب وظائف مرموقة، وهو ما يُعد شهادة على نضال زوجاتهم وصبرهن. وبالتالى، فإن النضال لا يقتصر فقط على الأسرى داخل السجون، بل يمتد إلى زوجاتهم اللواتى يحملن راية الصمود فى الخارج.


مواضيع متعلقة