«الإخوان» لا تعترف باستقلال القضاء.. عناصر «التنظيم» تحاصر المحكمة الدستورية

كتب: مريم شريف

«الإخوان» لا تعترف باستقلال القضاء.. عناصر «التنظيم» تحاصر المحكمة الدستورية

«الإخوان» لا تعترف باستقلال القضاء.. عناصر «التنظيم» تحاصر المحكمة الدستورية

مع الأيام الأولى من شهر يونيو فى كل عام تعود للأذهان اللحظة الفارقة من تاريخ هذا البلد، عندما قرر الشعب المصرى التصدى لمحاولات «جماعة الإخوان الإرهابية» للسيطرة على مؤسسات الدولة، وفى مقدمتها السلطة القضائية، التى كانت تمثل «الحصن المنيع» فى مواجهة محاولات اختطاف الدولة، وقبل 12 عاماً كانت مؤسسات الدولة تتعرَّض لضغوط غير مسبوقة، فى مقدمتها السلطة القضائية، التى مثَّلت العقبة الأكبر أمام محاولات الجماعة لفرض رؤيتها وإحكام قبضتها على الحكم، وبات من الواضح أن الجماعة لا تعترف فى نهجها باستقلال القضاء، بل تطاولت على السلطة القضائية، وحاصر أعضاؤها المحكمة الدستورية، كما عمل التنظيم على إقالة النائب العام المستشار عبدالمجيد محمود فى ذلك الوقت، وتعيين آخر ينتمى لنفس الفصيل، لتأتى «30 يونيو» كثورة خلاص، نزل فيها المصريون بالملايين، للتعبير عن رفضهم لسياسات تلك الجماعة الإرهابية.

«بدر الدين»: الجماعة حاولت إحكام قبضتها على القضاء لاستخدامه كأداة لقمع الخصوم

عن تلك اللحظات العصيبة فى عمر الوطن، تحدَّث الدكتور إكرام بدر الدين، أستاذ العلوم السياسية، لـ«الوطن»، قائلاً إن جماعة الإخوان اتبعت نهجاً واضحاً فى السعى إلى السيطرة على مؤسسات الدولة كافة، بعد «ثورة 25 يناير» 2011، ضمن ما سماه «سياسة التمكين والمغالبة»، ولم يكن هدف الجماعة فقط المشاركة فى السلطة، وإنما الاستحواذ الكامل عليها.

وأوضح أن الجماعة سعت منذ اللحظة الأولى لوصولها إلى الحكم إلى السيطرة على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، فتمكنوا من رئاسة الجمهورية، وتولوا عدداً من الوزارات، واستحوذوا على المحافظات، كما سيطروا على البرلمان، ثم حاولوا استكمال إحكام قبضتهم عبر التغلغل فى السلطة القضائية.

ولفت فى هذا الصدد إلى أن جماعة الإخوان لم تنفتح على بقية فئات المجتمع، بل حصرت المناصب الحيوية فى الدولة فى عناصرها فقط، ما أدى إلى استبعاد غالبية الشعب وقواه الوطنية، واعتبر أن هذه السياسة كانت من أبرز أسباب فشل «التجربة الإخوانية» فى الحكم، حيث تم تهميش مبدأ التعددية السياسية والاجتماعية، مما أثار غضباً شعبياً واسعاً، وأسهم فى سقوط النظام بعد فترة قصيرة، فضلاً عن استخدامهم للعنف كأداة سياسية، لفرض رؤيتهم، وتغيير الواقع بالقوة.

وحول العلاقة بين الجماعة والسلطة القضائية أوضح «بدر الدين» أن الإخوان بدأوا بمحاولات تشويه القضاء، ثم انتقلوا إلى محاولات السيطرة عليه، مشيراً إلى أن تعيين نائب عام محسوب على الجماعة كان خطوة رمزية وعملية فى آن واحد، تعكس نية الإخوان لإخضاع السلطة القضائية بالكامل لرؤيتهم، وتابع أن محاولة الجماعة السيطرة على القضاء كانت تهدف إلى استخدامه كأداة لقمع الخصوم السياسيين والمعارضين، وهو ما كان يمثل تهديداً واضحاً لأسس الدولة القانونية والمؤسساتية، موضحاً أن الشعب المصرى، بإرادته الواعية، تصدى لهذا المشروع، ورفض اختطاف مؤسسات الدولة من قبَل جماعة مغلقة لا تؤمن بالتعددية ولا بالمشاركة.

«السعداوى»: القضاة تصدوا لـ«مذبحة العدالة»

من جانبه، قال الدكتور مصطفى السعداوى، أستاذ القانون الجنائى بكلية الحقوق بجامعة المنيا، إن جماعة الإخوان سعت للهيمنة على السلطة القضائية فى مصر من خلال مشاريع قانونية تهدف إلى إخضاع القضاء، خاصة النيابة العامة، لسيطرة الجماعة، ومنها قانون رقم 17 لسنة 2012، الذى تقدم به عصام سلطان، وذلك للتأثير على الحقوق السياسية، ومحاولة إحالة القضاة غير المنتمين للجماعة إلى «الصلاحية».

وأشار، فى تصريحات لـ«الوطن»، إلى أن القضاء المصرى خاض معارك حقيقية فى مواجهة «العصابة الإرهابية»، مضيفاً أن من أخطر صور الهجمات التى شنها الإخوان على القضاء، كانت عزل المستشار عبدالمجيد محمود، النائب العام آنذاك، فى مخالفة صريحة للقانون، كما حاولت الجماعة تمرير إقالته عبر تعيينه فى منصب سفير لدى الفاتيكان، مما أثار موجة غضب شعبى واسعة.

وتابع «السعداوى»، فى تصريحات لـ«الوطن»، أن سلسلة هجمات الإخوان على السلطة القضائية لم تتوقف عند هذا الحد، بل شملت أيضاً الدعوة لعودة مجلس الشعب للانعقاد بعد أن قضت المحكمة الدستورية بحله، فى سابقة تُعد إهداراً لأحكام القضاء، وتدخلاً فى عمل المحكمة.

وأضاف أن الجماعة سعت كذلك إلى تمرير مشروع قانون لتخفيض سن التقاعد للقضاة من 70 إلى 60 عاماً، وهو ما كان سيؤدى إلى عزل نحو 3500 قاضٍ دفعة واحدة، واصفاً ذلك بـ«مذبحة العدالة»، موضحاً أن القضاة تصدوا لهذا المشروع، من خلال عقد عدة جمعيات عمومية، أبدوا فيها رفضهم التام لما اعتبروه تدخلاً سافراً فى شئون السلطة القضائية.

وحول حصار المحكمة الدستورية العليا، وصف أستاذ القانون الجنائى ما جرى فى ديسمبر 2012 بأنه «سابقة لم يشهدها القضاء فى مصر، أو أى دولة أخرى فى العالم»، حيث احتشد أنصار الجماعة أمام المحكمة لمدة 18 يوماً، ومنعوا القضاة من أداء عملهم، وقاموا بإغلاق طريق كورنيش المعادى، مشيراً إلى أن اعتداءات الجماعة على القضاة طالت أيضاً حياتهم الشخصية، إذ تعرَّض عدد من القضاة لمحاولات اغتيال، كما زرعت الجماعة عبوة ناسفة أسفل سيارة المستشار محمد زياد، بمحافظة الغربية، واعتبر أن جريمة اغتيال النائب العام الأسبق، المستشار هشام بركات، هى الأخطر على الإطلاق، إلى جانب اغتيال ثلاثة قضاة فى مدينة العريش، خلال شهر مايو من عام 2015.

«فهمى»: «التنظيم» استهدف السيطرة الكاملة على مفاصل الدولة

وكذلك، أكد الدكتور طارق فهمى، أستاذ العلوم السياسية، أن «الجماعة الإرهابية» لم تكن تهدف فقط إلى «أخونة الدولة»، بل كانت تسعى إلى السيطرة الكاملة على مفاصل الدولة، من خلال تفكيك المؤسسات الوطنية واستبدالها بكيانات موازية خاضعة لها، سواء فى الإدارة أو الإعلام أو الأجهزة الأمنية، مشيراً إلى أن قصر الاتحادية الرئاسى تحوَّل، خلال تلك الفترة، إلى مركز فعلى لقيادة الجماعة، حيث كانت تُدار من داخله لقاءات مغلقة، ضمَّت رموز التنظيم، مثل «خيرت الشاطر، وعصام العريان، وحسن مالك»، فى إطار تشكيل خلية موازية لإعادة تشكيل الدولة على النهج الإخوانى.

وأكد «فهمى» أن الجماعة اعتمدت فى أيديولوجيتها على منطق استعلائى، يقسم المجتمع بين مؤيد للجماعة وكافر مرتد وعدو للإسلام، باعتبار أن التنظيم يُمثّل الإسلام ذاته، كما استغلت الجماعة تيارات الإسلام السياسى الأخرى كأدوات لتحقيق أهدافها، فى مشهد سياسى اتسم بالاستفزاز والتحدى للدولة والمجتمع على حد سواء، مؤكداً أن سنة واحدة من حكم الإخوان كانت كفيلة بكشف مخططهم القائم على العنف والمصلحة، ومحاولتهم إلغاء الدولة لصالح تنظيم لا يعترف إلا بولائه لنفسه.

«فاروق»: «الإخوان» فرضت رؤية لا تؤمن بالوطن وترى فيه مجرد أداة مؤقتة لتحقيق أهدافها.. وعملية التجنيد داخل الإخوان تمر بعدة مراحل معقدة

وقال عمرو فاروق، الباحث فى شئون الجماعات الإسلامية وتيارات الإسلام السياسى، إن جماعة الإخوان ليست تنظيماً دينياً كما تزعم، بل هى فى جوهرها مشروع سياسى سلطوى قائم على تفكيك الدولة الوطنية وإعادة بنائها وفق أيديولوجيا مغلقة تضع التنظيم فوق الدولة وفوق المجتمع. وأضاف، فى تصريحاته لـ«الوطن»، أن جماعة الإخوان الإرهابية حكمت مصر عبر أدوات الإرهاب الفكرى والمادى، مستخدمة «التهديد والتخوين والتحريض على العنف» كسلاح لفرض السيطرة، بل وصل الأمر إلى استغلال الشباب وتجنيدهم وفق برامج ممنهجة، تُخرج الفرد من سياقه الوطنى، وتُدخله فى مشروع الدولة البديلة.

وأوضح «فاروق» أن عملية التجنيد داخل الإخوان تمر بعدة مراحل معقدة، تبدأ بـ«الاستقطاب الفكرى والعزلة الشعورية»، وهو مفهوم طرحه سيد قطب، ويهدف إلى فصل الفرد عن المجتمع وقيمه، يلى ذلك مرحلة «المفاصلة الوطنية»، التى يتم فيها العمل على إقناع الفرد بأن الدولة تعادى الدين والشريعة، ما يُمهِّد لتبرير التمرد عليها، وتقوم هذه العملية بغرس فكرة «وهم الدولة البديلة»، التى تصور التنظيم ككيان خالص نقى، قادر على إنقاذ الأمة وإقامة العدل، مما يبرر استخدام العنف للوصول إلى الحكم، واختتم تصريحاته بقوله إن «حكم الإخوان كان تجسيداً عملياً لمشروع أيديولوجى قائم على إقصاء الدولة ومؤسساتها، وتوظيف العنف فى الداخل، لفرض رؤية لا تؤمن بالوطن، بل ترى فيه مجرد أداة مؤقتة لتحقيق هدف الجماعة».


مواضيع متعلقة