إحدى سيدات جنين تحكى تفاصيل الـ9 أيام الأصعب خلال اجتياح الاحتلال: يباغتنا الموت ولا نهابه
إحدى سيدات جنين تحكى تفاصيل الـ9 أيام الأصعب خلال اجتياح الاحتلال: يباغتنا الموت ولا نهابه
تحقيق - محمد علي حسن وماريان سعيد:
فى جنين، لا تروى الحكاية دون أن تمر عبر أصوات النساء، ووجوههن المنهكة بالحزن، وأياديهن المشققة من العمل والصبر، وقلوبهن التى لم تعرف إلا المقاومة، فتتقاطع رائحة الخبز مع رائحة البارود، وتتقدّم المرأة الصفوف الأولى، لا لتصرخ فقط فى وجه الألم، بل لتكون السند الأول للبيت والمقاتل والمجتمع بأسره، ففى كل زاوية من المدينة، يمكن أن تلمح امرأة تُطعم جريحاً، أو تُسعف طفلاً، أو تُعيد ترتيب بيتٍ تهدّم، وكأنها تُرمم وجع المدينة كله بكفيها، إذ لم تكن المرأة فى جنين هامشاً على مدار تاريخ جنين بأكمله، بل كانت وما زالت قلب المدينة النابض، وصوتها الذى لا ينكسر، تقف فى طوابير الخبز والمساعدات، كما وقفت أمام جرافات الاحتلال، وتُربّى أبناءها على الحلم، رغم أن الحلم يُقصف كل يوم، هى الأم، والمسعفة، والمعلّمة، والمناضلة، تحمل المجتمع على أكتافها، وتُربّت على كتف طفل مذعور فى ملجأ، بينما فى عينيها حزن لا يُقال، وقوة لا توصف فهناك ربما تنهار البيوت لكن النساء يبقين واقفات.
ففى أقصى شمال الضفة الغربية، تتربّع مدينة جنين بجلالٍ على السفوح الممتدة التى طالما حفظت ملامح التاريخ الفلسطينى منذ أقدم العصور، تلك المدينة التى حملت عبر الزمن اسم «الجنائن» فى اللغة الكنعانية، فى دلالةٍ واضحة على ما امتازت به من خصوبةٍ فى الأرض، ووفرةٍ فى المياه، وبهاءٍ فى الطبيعة كانت جنين بمثابة لوحةٍ زاهية الألوان، تتنفس الحياة من ينابيعها، وتزدهر بمروجها، وتفوح منها رائحة الأرض المباركة، غير أن هذا المشهد الطبيعى الآسر، الذى طالما تغنت به الألسنة، تبدّل فى السنوات الأخيرة إلى لوحة قاتمة يغلب عليها السواد، وتتصاعد منها سحب الدخان والنار، وقد غيّرت الحرب ملامحها، وبدّلت هدوءها بالصخب، وجمالها بالقسوة، جنين التى عُرفت قديماً بـ«عين الجنائن» لما كانت تنبض به من خيرات الطبيعة وروعة التضاريس، تحوّلت اليوم إلى مرآة للحزن الدفين، وإلى مدينةٍ تُغتال الحياة فيها فى كل اجتياح، وتُصادَر الأحلام فيها مع كل رصاصة.
تقول جنى حسام جرار، كاتبة وناشطة من مدينة جنين، لم يعد فى جنين ما يشبه الحياة، فالمشاهد اليومية التى تتكرر فى شوارعها وأزقتها تنبض بالمعاناة، تتحول نبرتها للحزن وهى تقول: «أصوات الرصاص والانفجارات باتت جزءاً من الروتين، الحصار صار خبزاً يومياً، والتهجير أصبح قراراً متكرّراً، جفّت الينابيع، وماتت الجنائن، وتحولت الأرض الخضراء إلى رماد.
وتقف «جنى» عند حدث هو الأقسى عليها شخصياً وهو اجتياح سبتمبر 2024 (28 أغسطس - 6 سبتمبر)، وتقول فى حديثها لـ«الوطن»: تسعة أيام، نفّذت القوات الإسرائيلية عملية عسكرية وُصفت بأنها الأعنف منذ الانتفاضة الثانية، استهدفت المدينة بشكل كامل، وأدّت إلى تدمير ما يقارب 70% من البنية التحتية لشوارع المدينة، متابعة «انقطعت شبكات المياه والصرف الصحى، حتى إن حوالى 80% من السكان أصبحوا بلا مياه، والكهرباء والاتصالات توقفت بالكامل، وانتشرت حالات الجوع والعطش وسط السكان، فى وقتٍ خيّم فيه شعور بالعزلة والخوف واستُشهد ما لا يقل عن 39 فلسطينياً فى الضفة الغربية، العشرات منهم من جنين، وبعد انسحاب القوات، بدا مخيم جنين وكأنه (مدينة أشباح)، أُغلقت المحال، وغادر معظم السكان، والوجع سكن كل زاوية». تتابع بصوت ملىء بالحزن: «لا أنسى أبداً لحظة خروجى من المنزل أثناء القصف المتكرر والمفاجئ فى اجتياح يناير 2025 لمدينة جنين والخوف الذى كان يحتلنى ومشاهد الدمار والهروب للأطفال والنساء الذى لا يشبه أى مشاهد قد تكتب ويمكن أن يتخيلها أحد لأن المشاعر هى الشاهدة الوحيدة على ما حدث».
ثم تعود بالذاكرة للحدث الذى لا تزال تعانى منه مدينتها، وهو اجتياح يناير 2025 - عملية «الجدار الحديدى» (من 21 يناير وحتى اللحظة)، تقول بنبرة غاضبة: فى هذا اليوم انطلقت عملية جديدة تحت اسم «الجدار الحديدى»، بدأت بإطلاق كثيف للنار أسفر خلال الساعات الأولى عن استشهاد ما بين 8 و10 فلسطينيين، وإصابة نحو 35 إلى 40 آخرين، بحسب وزارة الصحة، بعدها أصدر جيش الاحتلال أوامر إخلاء عبر مكبّرات الصوت المحمولة على طائرات الدرون والدوريات، مما دفع آلاف العائلات إلى مغادرة منازلها تحت الضغط. قرابة 2000 عائلة، أى ما بين 17٫000 و20٫000 شخص، تم تهجيرهم قسرياً، وأصبح المخيم خالياً بالكامل من السكان.
وتتابع «جرار»: الحصار طال كذلك المستشفيات، ومنها «مستشفى خليل سليمان»، حيث علق داخله حوالى 600 شخص من مرضى وكبار فى السن وأطفال، فى ظل تعذّر خروجهم أو إسعافهم بسبب الأنقاض وقطع الطرق، مع منع الطواقم الطبية من الدخول أو المساعدة، واستمر التصعيد، ومع منتصف فبراير، دخلت العملية شهرها الثانى، وارتفع عدد الشهداء فى جنين إلى ما لا يقل عن 26 شهيداً، بينما ارتفع عدد المعتقلين إلى 160 شخصاً على الأقل، وشهدت المدينة ومخيمها واحدة من أوسع حملات التهجير منذ عام 1967.
ورغم ذلك تحاول «جنى» ضبط نبرتها الحزينة لتبدو متماسكة وهى تصف مشهداً قاسياً، يتجاوز خيال صناع الأفلام فى القهر، وتؤكد بنبرة يعرفها من يسمع صوت فلسطينى تحت طائلة العدوان قائلة: هنا الحياة تحاول أن تنبع مجدداً من الحطام، فالأطفال يذهبون إلى المدارس، لكنهم ليسوا كأطفال العالم، الأم هنا لا تعرف أين المكان الآمن لصغيرها، هل هو البيت أم الشارع أم المدرسة؟ جميعها أهداف محتملة لاقتحام قد يقع فى أى لحظة. كثير من الأطفال يتعرضون للاختناق خلال حصار مفاجئ وهم داخل الفصول، يتلقون صدمات نفسية لا تُحتمل، وسط غياب أى شعور بالأمان.
تصف الناشطة ما يراه أهالى جنين فى جملة تلخص ربما كل شىء «يباغتنا الموت ولا نهابه»، فالاحتلال الإسرائيلى لا يطرق الأبواب، بل يدخل بقصف وإطلاق نار مفاجئ، تُطفأ الأنوار فجأة، يتراكض الجميع بحثاً عن زاوية تحميهم، إذ إن الأطفال يصرخون، والشباب يندفعون إلى الأزقة لحمايتها، تتابع بنبرة بها حماسة مَن يحاول شرح شىء أصعب من تخيله: «ما يحدث ليس مشهداً من فيلم درامى، بل واقع يفوق الخيال قسوةً، واقعٌ يعيشه الفلسطينيون كل يوم، لم يعرف أطفال جنين اللعب فى الساحات، فالحجارة صارت ألعابهم، والرصاص هو الموسيقى التى تتردد فى آذانهم. أما الشباب، فقد حملوا على أكتافهم أعباءً تفوق أعمارهم، منهم من ينقل الجرحى، ومنهم من يُعتقل، ومنهم من يسقط شهيداً قبل أن تتحقق له أى أحلام أو مستقبل».
وبهدوء تعود «جنى» للحديث عن المرأة الفلسطينية فى جنين، تلك التى تحمل المجتمع على راحتيها، فالمرأة لم تكن يوماً على الهامش، بل أصبحت من الخطوط الأولى فى العمل الإغاثى والمجتمعى، رغم الألم والنزوح، ورغم كون بعضهنّ أمهات لشهداء وجرحى ومعتقلين، متابعة: «تراهنّ فى كل حىّ، يوزّعن الطعام، يعتنين بالمصابين، يهدّئن الأطفال، ويقاومن على طريقتهنّ الخاصة، نساء جنين اليوم يمثلن خط الدفاع المجتمعى الأول، ورغم كل هذا الألم، فإن جنين لا تقف وحيدة، مدينتنا، كما عرفناها، قادرة على صناعة الحياة من بين الحطام تتجلى بها معانى الكرامة، ومع كل موجة اجتياح، تنهض من جديد، ومع استمرار حلقات العنف، تعيش جنين واحدة من أقسى المراحل فى تاريخها الحديث، حيث شهدت المدينة اجتياحين متتاليين كان لهما وقع بالغ».
ورغم كل هذا، لا يزال الأمل فى قلوب كل مناضل قرر البقاء على أرضه، معلناً أن البقاء سيد المقاومة، فتقول الناشطة التى لا تعرف سوى جنين سكناً وفلسطين وطناً، إن المشهد فى جنين لا يكتمل دون الإشارة إلى الروح التى لا تنكسر، صحيح أن الدم يسيل، والمنازل تُهدّم، والأحلام تُقتل على عتبات الزنازين، لكن لا تزال هناك حاضنة شعبية صامدة، تُؤمن بالمقاومة، تحتضن المقاتلين، وتُعيد ترميم الشوارع، والحكايات، والكرامة، فلا شك أن جنين «ليست وحدها، وأهلها يعرفون كيف يصنعون الحياة من تحت الركام».