لنعتذر جميعا لليوم العالمي للإنسانية

بقلم: خديجة حمودة كتب: محرر

لنعتذر جميعا لليوم العالمي للإنسانية

لنعتذر جميعا لليوم العالمي للإنسانية

عندما يشتاق أحدنا للمسة طيبة أو ابتسامة تشجيع، أو كلمات مملوءة بالحب والطاقة الإيجابية، أو عيون تدفع إلى الأمام، وتسند وتدعم بنظراتها التى تتكلم وتهمس وتهتف وتُهدهد وتحتضن وتخفيه بجسده وأفكاره وكل مشاعره داخل حضن لا يراه أحد إلا هو، أو قلب يتّسع له بكل ما يحمل من أفراح وأحزان وتردّدات فى الاختيار وشك فى القدرات على مواصلة الطريق، فكل ما يحتاجه هو إنسان، إنسان فى صورة صديق أو شقيق أو حبيب، وقد يكون الأم أو الأب أو الجد أو الجدة، فالحقيقة أن هذه الصفة هى ملكة يهبها الله لمن يريد، وهى منحة سماوية، فأن تكون إنساناً، فهذا شىء عظيم لا يدركه إلا المميزون المدركون المعنى الكامل للإنسانية. ولأن هذه الكلمات ضرورية، فقد التفتت إليها المنظمات العالمية التى تهتم بالإنسان فى أى مكان بالعالم، خاصة فى تلك البلدان المنكوبة التى يفقد فيها سكانها أبسط مظاهر الحياة الطبيعية.

ومنذ ساعات احتفل العالم، وعلى رأسه الأمم المتحدة، باليوم العالمى للإنسانية، ولهذا اليوم قصة ومعنى وذكريات وإسقاطات، ومن الممكن أن يتواكب ويتناسب معنا جميعاً، كلٌّ يطبّقه على تجربته الحياتية والمجتمع الذى نشأ فيه والمحيطين به، وهؤلاء الذين عاشوا معه ومارسوا الإنسانية بجميع حروفها ومعانيها ورموزها وشعروا بالسعادة والرضا عن أنفسهم. وكذلك الآخرون الذين انتهكوها وداسوا بأقدامهم على كل مبادئها وأصبحوا شبحاً يخيف العالم كله، فهم القتلة والمغتصبون للأرض والعرض وسارقو الآثار والتاريخ والذكريات والتراث ومزورو كتب الأطفال وسارقو براءتهم وأغانيهم وموسيقاهم الراقصة وحكاياتهم وأسمائهم ورموزهم. فهو يوم مُخصّص للاعتراف بمجهودات العاملين فى المجال الإنسانى وأولئك الذين فقدوا حياتهم بسبب المساعدات الإنسانية. فقد حدّد يوم ١٩ أغسطس من كل عام من قِبل الجمعية العامة للأمم المتحدة كجزء من الرعاية السويدية، تطبيقاً لقرار الجمعية العامة رقم (L49/ 63/ A) الخاص بتعزيز وتنسيق المساعدة فى حالات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة. ويوافق يوم ١٩ أغسطس اليوم الذى قُتل فيه الممثل الخاص للأمين العام فى العراق سيرچيو فييرادى ميلو و٢١ من زملائه فى تفجير مبنى الأمم المتحدة فى بغداد. وحينما تتساقط القذائف وتقع الكوارث يظل العاملون فى المجال الإنسانى خط الدفاع الأخير يذودون عن البشر، ويكفلون بقاءهم غير هيابين مما يحدق بهم من أخطار جسيمة، غير أن هؤلاء أصبحوا فى كثير من الأحيان أهدافاً مباشرة للهجوم.

فى آخر إحصائيات الأمم المتحدة، أزهقت أرواح أكثر من ٣٨٠ عاملاً إنسانياً، بعضهم أثناء أداء الواجب، وآخرون فى منازلهم، وأصيب مئات غيرهم، أو اختطفوا، والخوف أن يكون عام ٢٠٢٥ أشد نكبة، خاصة أنه كثيراً ما يغض العالم بصره عن هذه الانتهاكات، حتى وهى تمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولى، وتؤكد التقارير الدولية أن القواعد التى وُضعت لصون العاملين فى الإغاثة مهملة والجناة يفلتون من العقاب، والمنظومة تتداعى، لا فى حق العاملين الإنسانيين فقط، بل فى حق من يخدمونهم أيضاً والاعتداءات على عمال الإغاثة تحطم الأرقام القياسية.

هذه الصورة المؤسفة دفعت الأمم المتحدة إلى نشر حملة العمل من أجل الإنسانية التى تضمّنت دعوة إلى الفنانين والرواة والمؤثرين لأن يبدعوا لهدف نبيل، وأن يُسخّروا إبداعاتهم ومنصاتهم وعلاقاتهم لإيقاظ المشاعر وإلهام العمل، كما قدّموا نداءً إلى من هم فى السلطة للعمل من أجل الإنسانية. فهل من مجيب لهذه الدعوات، لنمتحن الدفء والأمان لمن يستحق؟


مواضيع متعلقة