«ضجيج بلا طحين».. أمريكا تروج أكاذيب لاستعادة «أوهام النفوذ» بالشرق الأوسط

كتب: محمود العيسوي

«ضجيج بلا طحين».. أمريكا تروج أكاذيب لاستعادة «أوهام النفوذ» بالشرق الأوسط

«ضجيج بلا طحين».. أمريكا تروج أكاذيب لاستعادة «أوهام النفوذ» بالشرق الأوسط

فى الشرق الأوسط تبدو الولايات المتحدة وكأنها حولت التفاؤل إلى عقيدة سياسية قائمة بذاتها، تُكرِّر وعوداً وتصريحات سرعان ما تكشف الأحداث زيفها، ومع انحسار نفوذها فى المنطقة، لم تجد واشنطن سوى «الضجيج» للتغطية على فقدانها القدرة على التأثير فى مجريات الأحداث، ووفق تقرير لمجلة «فورين أفيرز» فإنه لم يكن من المستغرب، على مدار حرب الإبادة الجماعية المستمرة على قطاع غزة منذ أواخر 2023، أن يخرج مسئول كبير فى إدارة الرئيس الأمريكى السابق، جو بايدن، فى كل يوم تقريباً، ليعلن أن اتفاقاً لوقف إطلاق النار بات وشيكاً، وأن الولايات المتحدة تعمل بلا كلل لتحقيقه، وأنها تهتم بحياة الإسرائيليين والفلسطينيين، على حد سواء، وأن صفقة تاريخية لتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل قيد الإنجاز، وأن ذلك كله مرتبط بمسار لا رجعة فيه نحو إقامة دولة فلسطينية، إلا أن أياً من هذه التصريحات لم يكن له صلة حقيقية بالواقع.

وبحسب الصحيفة الأمريكية فإن المفاوضات حول وقف إطلاق النار فى القطاع الفلسطينى كانت عادةً ما تتعثر، وعندما تُسفر عن اتفاقات محدودة سرعان ما كانت تنهار، أما الخطوة الوحيدة التى كان يمكن أن تجعل الهدنة ممكنة، وهى تقييد أو وقف الدعم العسكرى لإسرائيل، فقد امتنعت واشنطن عن اتخاذها، رغم أنها كانت ستشكل الدليل الوحيد على التزام فعلى بحماية أرواح الفلسطينيين والإسرائيليين على السواء، كما أن السعودية بدورها كررت أن التطبيع مشروط بالتقدم نحو حل الدولتين، فيما رفضت الحكومة الإسرائيلية ذلك بشكل قاطع، ومع مرور الوقت، تزايدت الهوة بين تصريحات واشنطن والواقع، حتى فقدت هذه الأقوال صدقيتها، وتحولت إلى مجرد كلمات جوفاء، لكن ذلك لم يمنعها من التكرار.

وتشير «فورين أفيرز»، فى تقريرها، إلى أن السؤال الذى يطرح نفسه هنا: «هل كان صناع القرار الأمريكيون يصدقون ما يعلنونه؟ وإن لم يكونوا كذلك، فلماذا استمروا فى ترديده؟ وإن كانوا يؤمنون به، فكيف تجاهلوا كل الأدلة المناقضة أمام أعينهم؟»، وتعتبر أن كل هذه الأكاذيب لم تكن مجرد زلات لفظية، بل وفرت الغطاء لسياسة سمحت لإسرائيل بشن هجماتها العنيفة على غزة، وفى الوقت نفسه، عملت على تصوير أى تحسن محدود ومؤقت فى الأوضاع الإنسانية بالقطاع، كأنه إنجاز إنسانى أمريكى.

ويؤكد التقرير أن جذور هذا النهج الخادع تعود إلى ما قبل حرب غزة بكثير، وتمتد أبعد من الصراع الفلسطينى الإسرائيلى، فالولايات المتحدة دأبت لعقود على التظاهر بأنها وسيط محايد، بينما هى فى الواقع طرف منحاز، أنشأت ما يسمى بـ«عملية السلام»، التى لم تُنتج سوى تثبيت الوضع القائم، وقدمت سياستها الإقليمية على أنها دفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما كانت شراكاتها العملية مع أنظمة استبدادية، ومع تراجع النفوذ الأمريكى، صار الفلسطينيون والإسرائيليون وغيرهم من الفعالين الإقليميين، يتجاهلون الخطاب الأمريكى، وفى مقدمتهم «الفلسطينيون المحبطون والغاضبون والباحثون عن الانتقام»، عادوا إلى أعمال عنف فردية ضد الإسرائيليين، بانتظار أن تنتظم فى إطار أكثر تنظيماً، أما إسرائيل، فلم تتردد فى استهداف خصومها متى وأينما وجدتهم، من عمان وبيروت وتونس فى السبعينات، إلى الدوحة وطهران اليوم. ويعتبر التقرير أن حياة السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط تمر بمراحل متشابهة، بدايةً بسوء قراءة الواقع، ثم التدخل الخاطئ، فالتكرار غير المفيد، وأخيراً الكذب المعلن، وعلى سبيل المثال، يصر المسئولون الأمريكيون على أن أفضل طريقة للتأثير على إسرائيل هى الاحتضان الدافئ، وليس الضغط، أو يتدخلون بشكل أخرق فى السياسة الفلسطينية، عبر محاولة فرض «قادة معتدلين»، بينما يُنظر إليهم محلياً باعتبارهم مجرد أدوات للولايات المتحدة، كما يستبعدون من المفاوضات الأطراف الأكثر قدرة على تعطيلها، مثل المستوطنين الإسرائيليين المتشددين، أو الفلسطينيين الأصوليين، وكأن تجاهلهم سيُقصى تأثيرهم.

المفارقة أن واشنطن تمتلك كماً هائلاً من المعلومات، لكنها تفتقر إلى الفهم الحقيقى، ففى قمة «كامب ديفيد» عام 2000، أكدت الاستخبارات الأمريكية للرئيس بيل كلينتون، آنذاك، أن الزعيم الفلسطينى الراحل ياسر عرفات لا يملك خياراً سوى قبول مقترحاته، لكنه رفض وعاد بطلاً قومياً فى نظر شعبه، وفى انتخابات 2006 الفلسطينية، تجاهلت إدارة جورج بوش مؤشرات واضحة على فوز حركة «حماس»، وفى سوريا عام 2011، قُدّمت تقارير استخبارية غير دقيقة للرئيس باراك أوباما بأن نظام بشار الأسد على وشك السقوط، بينما كان العكس هو الصحيح. والأمر نفسه تكرر فى تقديرات متصلة بإيران، وأفغانستان، وحتى هجوم السابع من أكتوبر 2023، كل هذه الصدمات لم تكن دائماً نتاج تلاعب متعمد بالمعلومات، كما حدث فى قضية أسلحة الدمار الشامل بالعراق عام 2003، بل كانت نتيجة ميل خطير إلى إساءة الفهم وسوء التقدير، ومع ذلك، فإن غياب المساءلة سمح لهذه الإخفاقات بالتكرار بلا توقف، وكأن النظام السياسى الأمريكى غير قادر على التعلم من أخطائه.

المرحلة الأخيرة من الفشل الأمريكى فى المنطقة هى الكذب، تبدأ العملية بخطأ تقديرى، أو وهم ذاتى، ثم تتكرر رغم الفشل، لتتحول فى النهاية إلى أكذوبة معلنة، صناع السياسة يصرون على أن حل الدولتين ما زال ممكناً، وأن وقف إطلاق النار قريب، وأن السعودية على وشك التطبيع مع إسرائيل، رغم أن كل المؤشرات تقول العكس، وفى هذا الصدد، تؤكد «فورين أفيرز» أن الأكاذيب السياسية ليست جديدة على الدبلوماسية، فهى قد تكون وسيلة لتجنب حرب، أو كسر جمود تفاوضى، أو حتى إنقاذ زعيم من مأزق، لكن الأكاذيب الأمريكية بشأن الشرق الأوسط تفتقر حتى إلى هذا الغرض، لأنها لا تخدع أحداً، الإدارات الأمريكية تعلم أن الجميع يعرف الحقيقة، ومع ذلك تواصل ترديد أوهامها.

على مدى عقود، كررت واشنطن أن «عملية السلام» قادرة على إنتاج دولة فلسطينية، وأن الضغط الاقتصادى سيغير سلوك إيران، وأن دعم المعارضة المسلحة فى سوريا سيقود إلى سقوط الأسد، لكن الواقع جاء مغايراً، فقد طالت الحروب، وبقيت الأنظمة، وازدهرت الميليشيات، ولم تثمر التدخلات الأمريكية سوى الفوضى والدمار، إلا أن المثير فى الأمر أن بعض الحكومات والجماهير العربية استقبلت فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، فى انتخابات 2024، بشىء من الارتياح، مقارنةً بنهج «بايدن»، فعلى الرغم من انحيازه الصريح لإسرائيل، ودعواته العلنية لـ«إنهاء المهمة» فى غزة، رأى كثيرون أن خطاب الرئيس الجمهورى أقل نفاقاً من سلفه الديمقراطى، الذى جمع بين ادعاء التعاطف مع الفلسطينيين، والاستمرار فى تسليح إسرائيل بلا قيود.

وتختتم الصحيفة الأمريكية تقريرها بالقول إن الولايات المتحدة عملت، على مدار عقود، لبناء عالم موازٍ من «الأوهام»، حيث العقوبات تغيّر السلوك الإيرانى، والديمقراطية تنبع من تدخل عسكرى فى أفغانستان أو العراق، والمفاوضات برعاية أمريكية تُفضى إلى سلام عادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، غير أن الواقع، بكل قسوته، ظل يكذب هذه السردية، واليوم، لم يعد الشرق الأوسط يتعامل مع أمريكا كقوة حاسمة، بل كـ«فاعل» يكثر من الكلام، ويفتقر إلى الفعل، فما تخسره واشنطن من نفوذ تحاول التعويض عنه بالتصريحات المتفائلة، والوعود التى يعرف الجميع أنها بلا رصيد، وهنا يكمن المأزق الذى وجدت الولايات المتحدة نفسها فيه، باعتبارها «قوة عظمى تتحدث كثيراً، لكنها لا تملك سوى القليل من الأدوات، لتغيير مجرى الأحداث».


مواضيع متعلقة